إذا كان من تعبير يوجز وصف الحالة التي تعيشها التجربة الديمقراطية التونسية منذ أسابيع عديدة، فهو القلق والتوجّس. فقد دخل المسار الديمقراطي منذ فترة منطقة الشكّ.

عَلِقَ أداء جميع الفاعلين السياسيين في أوحال أزمة من الثقة يغذّيها العداء الآيديولوجي وضعف ثقافة القبول بالآخر والتمسُّك بالرأي وثغرات في النظام السياسي. وتتوزّع عناصر التعطُّل بين جميع الأطراف بأقدار متفاوتة من المسؤولية.

يبدو نصيب رئاسة الجمهورية في ما آلت إليه الأوضاع من انسداد، في نظر جلّ المتابعين للشأن التونسي، الأوفر، باعتبار أن رئيس الجمهورية رفض استقبال الوزراء الذين نالوا ثقة البرلمان لأداء اليمين أمامه كما ينصّ على ذلك دستور البلاد. فبغض الطرف عمّا إذا كان الموقف الذي اتخذه رئيس الدولة وجيهاً أم لا، فإنّ عدم استكمال هذه الخطوة الدستورية وعدم استجابته لطلب رئيس الحكومة للتفاعل ومدّه بأسماء الوزراء الذين يتحفّظ عليهم أدّى إلى تعطّل حكومي وسياسي وأشاع مناخاً من التوتر وعدم التفاهم بين المؤسسات العليا للدولة. الرئيس الراحل الباجي قايد السيسي كان قد مرّ بنفس الإشكال مع حكومة يوسف الشاهد. ورغم أنّه كان آنذاك في خلاف معه فإنّه لم يرفض قبول الوزراء لأداء اليمين الدستورية.

وبناءً على طلب استشارة تقدّمت به إليها رئاسة الحكومة، قالت المحكمة الإدارية إن الأمر موكول إلى المحكمة الدستورية، وهو تقريباً نفس الموقف الذي ذهبت إليه الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين. فجميع الجهات المستشارة لإبداء رأيها في الأزمة لم تشأ أو هي لم تجرؤ على ترجيح ما يدعم موقف رئيس الحكومة تفادياً للوقوع في ما يضعها في حرج إزاء رئيس الدولة، ومن ثمّ اعتبارها جزءاً من الصراعات والاصطفافات، رغم أنّ الضمني الممكن استقاؤه من مواقفها يبدو أميل إلى تحميله المسؤولية، أو في أدناه عدم قبولها لموقفه الرافض لاستقبال الوزراء لأداء اليمين أمامه كما في حيازة التأويل الدستوري بديلاً من المحكمة الدستورية دون وجاهة مقنعة.

من جهة أخرى مثّل غياب المحكمة الدستورية ثغرة في البناء السياسي، فتأخُّرُ إرساء هذه المؤسسة المهمة حتى الآن يُعَدّ إخلالاً كبيراً في مسار الانتقال الديمقراطي. وهو إخلال نفذ منه رئيس الجمهورية مستنداً في ذلك إلى المبدأ القاضي بأنه الضامن لحماية للدستور، ومن ثمّ المؤوّل الشرعي والوحيد لفصوله. وقدّم خطاباً يتهم فيه الأحزاب بالارتهان لحساباتها السياسية ومصالحها الخاصّة التي هو بمنأى عن مؤثراتها. غير أنّ جلّ فقهاء القانون الدستوري لم يقبلوا بهذا الترجيح التأويلي الذي احتكر بموجبه الرئيس تفسير الدستور وقراءته وحَمَلوا عليه هذا المأخذ الانفرادي الذي اعتبر فيه نفسه المؤوّل الحصري للمعنى. كما أن بعض الأحزاب السياسية والفاعلين الاجتماعيين رأوا في هذا السلوك جنوحاً لا يعزّز السياسة ولا يبني التناغم بين مؤسسات الدولة.

أما التشتت البرلماني فقد ضاعف الأزمة، فليس داخل المجلس النيابي طرف، سواء كان كتلة أو تحالفَ كتلٍ، قادر على الدفع بالأمور باتجاه الحلحلة أو فرض خيار بالمرور بقوّة. وإنما هناك تجاذب حادّ واستقطاب أحَدّ. مشهد برلماني تخترقه التناقضات من كل الاتجاهات وتعصف به الفوضى. وقد كشفت التسريبات التي أدلى بها رئيس كتلة التيار الديمقراطي حجم هذه التناقضات وما يُضمَر ويُدبَّر في الكواليس وفي الأروقة الخلفية للتخطيط. تسريبات أكّدت عمق الأزمة التي ضربت المسامّ الدقيقة للعلاقات بين الأحزاب والكتل ومجمل الفاعلين في الساحة السياسية، وجعلت من الفرقة والتناحر المؤدّى الطبيعي. ومن اللافت أنّ الفوضى داخل المجلس النيابي استشرت إلى درجة أن امتدّت إلى الموظفين والعملة الذين وجدوا أنفسهم وسط تلك الصراعات دون إرادتهم.

أما مبادرة الحوار التي طرحها الاتحاد العامّ التونسي للشغل وقدّمها لرئيس الجمهورية ليتولّى الإشراف عليها فلم تعرف النور بعد. وظلّ الاتحاد ينتظر طويلاً التفاعل الإيجابي من الرئاسة، لكن دون جدوى، كما انتظر التونسيون أن يكون عيد الاستقلال مناسبة لإعلان الرئيس عن إطلاق مبادرة للحوار الوطني، لكن لم يحدث شيء من ذلك، بل لم تحتفل رئاسة الجمهورية بهذه المناسبة الوطنية أصلاً في مخالفة تامة للأعراف والتقاليد الراسخة. ورغم أنّ الحوار مثّل لسنوات خلت منفذاً للخروج من أزمة سياسية حادة واستقطاب ثنائي مشحون كاد يقسّم المجتمع التونسي وحازت بفضله المنظمات الوطنية التي رعته على جائزة نوبل للسلام، فإنّه اليوم يبدو كالأمل المفقود، إذ وُضعت دونه عراقيل ورُفعت في وجهه ″لن الزمخشرية″ تقطع أوصال العلاقات في كل الاتجاهات. رئيس الدولة يقول إنه لن يتحاور مع الفاسدين، ولا يحدّد هويتهم السياسية أو الحزبية، الاتحاد يرفض الجلوس مع ائتلاف الكرامة ويتهمهم بالإرهاب، الدستوري الحرّ الدستوري لا يعترف بحركة النهضة أصلاً.

الحوار يكتسب معنى ودلالة كلّما كان المشاركون فيه متباينين، أمّا إذا كانت أطرافه متشابهة فإنّه سيكون أقرب إلى الحوار مع الذات منه إلى الإنصات إلى المختلف، وكل صوت فيه يكون صدًى لصوت الآخر. وبقدر ما تكون الفجوة بين الأفكار كبيرة، تكون المناقشة أخصب. تلك هي المعاني التي لا تتمثّلها أغلب مكوّنات الطيف السياسي. ثقافة التنافي هي الغالبة، رغم أن أغلب الأحزاب يردّد في خطابه قيم الحداثة السياسية. وإذا كان من سبب رئيسي لكل هذا التعثّر الذي شهدته التجربة الديمقراطية في تونس منذ عشر سنوات، فهو ضعف ثقافة الاعتراف بالآخر.

ولا تكمن المشكلة الأساسية في تونس في القوانين والتشريعات ولا في الدستور، رغم ما يخترق كل تلك النصوص من ثقوب وفجوات وما يعتريها من نقائص هي من صميم الاجتهاد الإنساني. كذلك لا تكمن في عدم اكتمال البناء المؤسساتي، رغم الضرورة الملحَّة لاستكمال الهيئات الدستورية، بل تكمن في ضعف تمثّل قيم العيش المشترك. فيمكن أن تكون قوانينُ مثلى ومؤسسات نموذجية، ولكن ما دامت البلاد تفتقر إلى وعي سياسي وثقافي مشبع بقيم الحرية والنسبية والقبول بالمختلف، فإنّ تلك التشريعات والمؤسسات لن تضمن استقراراً ولن تحقق تنمية. سوف يجد الفكر الإقصائي والفوضوي دائماً ذرائع للإرباك والتعطيل.

التردّي الذي وصلت إليه الأوضاع السياسية وما ترتّب على ذلك من تفاقم للأزمات الاقتصادية والاجتماعية يجعل من إجراء انتخابات مبكّرة أفقاً ممكناً للحلّ. غير أن هذا الحلّ بدوره مشروط بتغيير القانون الانتخابي، ذلك أنّ إجراء الانتخابات بنفس القانون يعني إنتاج نفس المشهد المشهد الحالي، بل ربما اسوأ منه.

تحتاج البلاد إلى هدنة اجتماعية وسياسية عامة يتفق بمقتضاها الفاعلون على مرحلة من التهدئة تمكّن الدولة من التقاط أنفاسها، لأنّ استمرار النزيف الاقتصادي والعبث السياسي سوف يبلغ بالغضب الاجتماعي مداه ويدفع إلى انهيار الأوضاع، كما تحتاج البلاد إلى حوار وطني شامل يجعل الإصلاحات الكبرى (الإصلاح التربوي، المؤسسات العمومية، الجباية، مجلّة الاستثمار، الصحّة، المديونية، البطالة...) أولويات للخروج بتصوّرات وحلول.

TRT عربي