بعد نحو أكثر من سنة على انتخابه بأغلبية ساحقة، تطال رئيس الجمهورية قيس سعيد اتهامات من أحزاب سياسية وخبراء في القانون الدستوري بتجاوز صلاحياته وخرق المبادئ التي جاء بها دستور الثورة في تونس.

مثّل فوز أستاذ القانون الدستوري قيس سعيد والقادم من خارج منظومة الأحزاب، مفاجأة سارة للنخب السياسية المؤمنة بالثورة وبمبادئ النظام السياسي الذي أرساه دستور 2014، والذي يقطع مع الحكم "الرئاسوي" ومع دكتاتورية الفرد الواحد، و لكن بدأت الأمور تسير عكس المأمول، عقب ما اعتبره محللون ومراقبون أعنف أزمة سياسية تعيشها البلاد بين رأسي السلطة التنفيذية.

أزمة التعديل الوزاري

كان قرار رئيس الحكومة هشام المشيشي، بالمرور بقوة بدعم من حزامه السياسي الذي تقوده حركة النهضة، والذهاب للبرلمان في 26 يناير/كانون الثانيللمصادقة على التعديل الوزاري الذي أطاح بوزراء محسوبين على رئيس الجمهورية، القطرة التي أفاضت الكأس بين قيس سعيد والمشيشي، لتخرج معركة الرجلين من السر إلى العلن، وتبدأ بعدها حرب تصريحات متبادلة تجاوزت أبعادها القانونية والدستورية حول حدود صلاحية كل منهما لتنتهي إلى انسداد في العملية السياسية برمتها وتعطل بموجبها سير العمل الحكومي بإصرار الرئيس على عدم أداء الوزراء اليمين الدستورية أمامه ورفض التحوير الوزاري برمته.

حدد دستور ما بعد الثورة في تونس مهام كل من رئيس الحكومة والجمهورية، وقد ضبط اختصاصات رئيس الجمهورية، برسم السياسات العامة للدولة في مجالات الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومي، فيما منح لرئيس الحكومة صلاحيات أكبر في علاقة بممارسةالسلطة الترتيبية العامة للدولةوتشكيل الحكومة وإحداث وتعديل وحذف الوزارات وضبط اختصاصاتها وصلاحياتها بعد مداولة مجلس الوزراء.

غياب المحكمة الدستورية

ولعل غياب المحكمة الدستورية التي أوكل إليها بنص الدستور البت في النزاعات بين رأسي السلطة التنفيذية، باعتبارها هيئة قضائية تحكيمية، خلق مساحة واسعة من الجدل حول أحقية رئيس الجمهورية في احتكار تأويل فصول الدستور دون سواه في ظل عدم إرساء هذا الهيكل القضائي.

ومنذ اعتلائه سدة الحكم لم يخفِ الرئيس التونسي قيس سعيد عداءه للمنظومة الحزبية برمتها، حيث لا يفوّت أي مناسبة من داخل الثكنات أو من قصره بقرطاج لتوجيه اتهامات لاذعة للأحزاب والبرلمان وتحميلهم مسؤولية الفشل الذي تعيشه البلاد على جميع الأصعدة ، لعل آخرها وصفه في رسالة وجهها لرئيس الحكومة في علاقة بأزمة التعديل الحكومي الانتقال الديمقراطي الذي تعيشه البلاد بأنه "انتقال من الحزب الواحد إلى مجموعة فاسدة واحدة".

أحزاب سياسية في مقدمتها حركة النهضة استشعرت على ما يبدو ما وصفته بالخطر الذي بات يهدد المسار الديمقراطي في تونس، لتدعو بشكل رسمي أنصارها وحلفاءها إلى مسيرة شعبية حماية للتجربة الديمقراطية ودعم حكومة هشام المشيشي وصلاحياته التي منحه إياها الدستور، وفي هذا الخصوص يقول وزير الخارجية الأسبق والقيادي بحركة النهضة رفيق عبد السلام لـTRTعربي إن هناك نزوعاً من قبل رئيس الجمهورية إلى احتكار تأويل الدستور في ظل غياب المحكمة الدستورية، واتجاهه لإعطاء صلاحيات لنفسه لم يمنحها له، مضيفاً: "نحن لسنا في خصومة مع رئيس الجمهورية لكن هناك استشعار فعلي بالخطر الذي بات يهدد النظام الديمقراطي في البلاد، والمكاسب التي جاء بها دستور ما بعد الثورة، في القطع مع النظام الفرداني الرئاسوي نحو نظام شبه برلماني يعطي لمجلس نواب الشعب سلطة رقابية".

لا يخفي أيضاً عبد السلام استغرابه الشديد من امتناع رئيس الجمهورية عن دعوة الوزراء الجدد في حكومة المشيشي أداء القسم أمامه رغم منحهم الثقة من البرلمان بأغلبية مطلقة منذ أكثر من ثلاثة أسابيع.

ويشدد على أن رئيس الجمهورية لا يؤمن بالدستور ولا بالنظام السياسي ولا بمنظومة الأحزاب ولا بالبرلمان، وأنه يريد نظاماً "رئاسوي" مطلقاً يجمع كل السلطات في يديه، ويقوض به مرتكزات النظام الديمقراطي من الداخل، وفق قوله.

وكان رئيس حركة النهضة والبرلمان راشد الغنوشي قد أشاد في مقال رأي نشرته صحيفة USA Today بانتقال تونس بعد الثورة من النظام الاستبدادي إلى الديمقراطي، لكنه حذر بالمقابل من "صعود حركات تستحضر الحنين إلى النظام القديم وتسعى إلى العودة إلى الماضي الاستبدادي لحكم الرجل الواحد بدلاً من التعددية وتوافقات النظام الديمقراطي".

وأشار الغنوشي في المقال ذاته إلى استفادة من وصفهم بـ"الشعبويين" من لحظات الأزمات الاقتصادية والاضطرابات الاجتماعي حيث "تتخذ الدعوات الشعبوية شكل الاعتداء على المؤسسات الديمقراطية والمسؤولين المنتخبين والأحزاب السياسية وتعطيل عملها، وتغذية فكرة أن التحديات الاجتماعية والاقتصادية المعقدة وعميقة الجذور يمكن معالجتها من خلال العودة إلى حكم الرجل القوي "الأكثر كفاءة"، أو تنصيب "الدكتاتور العادل"، في رسالة سياسية نقدية مبطنة لرئيس الجمهورية قيس سعيد وفق كثيرين.

مخاوف على الديمقراطية

تنادت أصوات من داخل الحزام السياسي الداعم لرئيس الحكومة، صعدت المعركة مع رئيس الجمهورية إلى أقصاها على خلفية ما اعتبروه خرقاً للدستور، حيث طالب رئيس المكتب السياسي لحزب قلب تونس عياض اللومي صراحة إلى البدء في "معركة مبدئية مع رئيس الجمهورية قيس سعيد للشروع في إجراءات إعفائه"، وقال اللومي في تصريحات إعلامية محلية إن رئيس الجمهورية ارتكب خرقاً جسيماً للدستور من المفترض أن يحاسب عليه بسحب الثقة منه أو الشروع في إجراءات إعفائه، كما وصفه بالدكتاتور الذي يسعى لإرساء حكم الرأي الواحد.

وكان خبراء وأساتذة قانون دستوري، على غرار الشقيقين عياض ورافع بن عاشور ومنى كريم وكمال بن مسعود، قد أجمعوا على أنّ أداء اليمين الدستورية للوزراء الجدد، واجب دستوري محمول على رئيس الجمهورية، وأنه ليس له حق رفضه باعتبار أن اختصاصه مقيد، كما نبه بعضهم إلى أن "منح رئيس الجمهورية سلطة تأويل الدستور من شأنه أن يفتح الباب على مصراعيه أمام تجاوز السلطة وعودة الديكتاتورية".

موقف رئيس الجمهورية من التعديل الوزاري واعتبار أنه الوحيد المخول لتأويل نصوص الدستور في ظل غياب المحكمة الدستورية، أيقظ بحسب كثيرين البرلمان التونسي من سباته، حيث تعالت دعوات من نواب للتسريع في خطوات إرساء المحكمة الدستورية، ليرد عليها شقيق رئيس الجمهورية نوفل سعيد في تدوينة غاضبة عبر صفحته الرسمية على فيسبوك قائلاً :"نعم لإحداث المحكمة الدستورية و لكن لا لضرب دولة القانون بالمحكمة الدستورية"، محذراً من التسريع في إحداث المحكمة الدستورية لجعلها طرفاً في الصراعات السياسية بغاية وضع الآلية الدستورية الوحيدة القادرة على عزل الرئيس وبتعلّة افتكاك صلاحية تأويل الدستور منه، حسب نص التدوينة.

شعبوية الرئيس

يعتبر الباحث الجامعي والناشط السياسي الأمين البوعزيزي في حديثه لـTRTعربي أنه من المفارقات العجيبة رفض رئيس الجمهورية للمنظومة السياسية والديمقراطية الحالية التي أوصلته لسدة الحكم، لافتاً إلى أن سلوك الرئيس ومواقفه السياسية باتت خارج ضوابط الدستور الحالي ونظامه الذي قطع مع الحكم الرئاسوي الفردي.

ويقول محدثنا إن رئيس الجمهورية يحاول أن يستغل غياب المحكمة الدستورية لاحتكار تأويل فصول الدستور واحتكار السلطات في يده حتى وإن كانت نواياه سليمة، مضيفاً: " شعبوية الرئيس وخطاباته الرنانة في علاقة بمقاومة الفساد وتوعد الفاسدين تجذب له أنصاراً وحلفاء من الطبقات الشعبية وحتى السياسية، وتجعلهم يتغاضون عن تجاوزاته للقانون وخرقه للدستور وتجميع السلطات في يده وهذا الأخطر وفق اعتقادي".

ويستحضر في هذا الإطار التونسيون قول رئيس الجمهورية قيس سعيد خلال زيارة له لإحدى الثكنات العسكرية : "أنا زاهد في الدنيا، لكنني لست زاهداً في الدولة التونسية"، لكن التأويل الصحيح لهذا الكلام ومعانيه بحسب كثيرين فإن الأيام والسنوات القادمة كفيلة بفك شيفراته.

TRT عربي