تشهد فرنسا حالة من التمييز الواضح ضد مسلميها، فمؤسسات الدولة الرسمية تتبنى نهج اليمين المتطرف ممارسةً وتشريعاً بحجة حماية "قيم الجمهورية"، فهل نحن بصدد أزمة استقطاب سياسي انتخابي، أم سياسة رسمية تلوّح بـ"عصا" القيم لإقصاء المسلمين؟

اتخذت باريس سلسلة من الإجراءات والتشريعات بدعوى مواجهة النزعة الانفصالية الإسلاموية حسب تعبير الرئيس الفرنسي، الذي دعا في أكتوبر/تشرين الأول 2020 إلى التصدي لها بحجة وجود مساعٍ لخلق مجتمع مُوازٍ مضادّ لقيم الجمهورية، تلا ذلك ظهور مشروع قانون يقنّن الرقابة على دور العبادة وتنظيم شؤون الديانة الإسلامية، ومنع الفتيات القاصرات من ارتداء الحجاب بموجب قانون "مناهضة النزعات الانفصالية" الذي يحظر كذلك على الأمهات المحجبات مرافقة أبنائهن خلال الرحلات المدرسية، ومنع ارتداء البوركيني في أثناء السباحة.

وفي أواخر مارس/آذار 2021 دعت وزيرة المواطنة الفرنسية أئمة المساجد بفرنسا إلى الاعتراف في خطبهم بحق الأشخاص من نفس الجنس في (المثلية) في الزواج"، وهي ممارسات تتعارض مع دستور فرنسا باعتبارها جمهورية علمانية، تتخذ مسافة واحدة من كل المعتقدات، وبموجب هذه السياسات أُغلِقَت مساجد ومؤسسات إسلامية أبرزها جمعية "التجمع ضد الإسلاموفوبيا".

وفي هذا الإطار قال المفكر والمستشرق الفرنسي د.فرانسوا بورغا، مدير المعهد الفرنسي للشرق الأدنى، في تصريح خاص لـTRT عربي: "إن الخطاب العنصري ضد المسلمين بينما كان محصوراً في فئات معينة أصبح خطاباً رسمياً تتبناه الدولة، وهذا يعكس أزمة مركَّبة يُنظر إلى البعد الأول منها في إطار انتخابي، إذ إن الرئيس ماكرون أدرك أنه لن يُعاد انتخابه بأصوات اليسار، فتبنّى خطاباً متشدداً لاستقطاب اليمين المتطرف".

أما ‏البُعد الآخر في رأي بورغا فيتعلق بالجانب التاريخي، وينقسم إلى شقين: أولهما حالة ذات خصوصية لفرنسا عن غيرها، تتعلق بالثورة الفرنسية، حينها تأكد للفرنسيين أنهم ليس بإمكانهم تحقيق التقدم إلا بالتخلص من الدين ممثَّلاً في سطوة الكنيسة، والشق الثاني متصل بالتاريخ الاستعماري الفرنسي، إذ كانت علاقة فرنسا بالإسلام كونه فقط دين بعض مستعمراتها، لكن بعد موجات الهجرة إلى فرنسا أصبح الإسلام موجوداً كدين داخل أراضيها، وبالتالي ظلت النظرة إلى الإسلام باعتباره ديناً قادماً من الخارج.

أما الباحث والمحاضر في الجغرافيا السياسية بباريس عماد الدين الحمروني، فأكّد لـTRT عربي أن "الجمهورية الفرنسية لم تتخلص بعد من نظرتها العنصرية تجاه الإسلام، حتى إن أحزاباً بنت مشروعها السياسي على معاداة الإسلام، مثل اليمين المتطرف ممثلاً في حزب التجمع الوطني، وهو حزب متطرف تقوده مارين لوبان، ومن قبلها المؤسس جان ماري لوبان، الأب الذي أسس الحزب عام 1972، وحينها كانت فترة ميلاد الظاهرة الإسلامية في فرنسا".

واعتبر أن المسلمين مثّلوا قضية سياسية وجرى الاستعمال المسيَّس للإسلام من طرف أحزاب ونخب سياسية وفي وسائل الإعلام للضغط على المكون الإسلامي وتخويف الفرنسيين باستغلال تصرفات بعض المسلمين، وهذا يجري على يد طبقة سياسية صغيرة متنفذة سياسياً وإعلامياً تسعى لشيطنة المسلمين وجعلهم كبش فداء للإفلاس السياسي والاقتصادي.

في السياق ذاته يرى الباحث في الشؤون الأوروبية حسام شاكر في تصريحه لـTRT عربي، أن "التعامل الفوقي مع مسلمي فرنسا ومحاولة التحكُّم في ما يمكن للنساء المسلمات ارتداؤه من ملابس، ليس أمراً عابراً، بل نهج تقليدي ظهر خلال الثمانينيات ثم تَجدَّد في التسعينيات، ودخل موجة أشدّ في منتصف العقد الأول من القرن 21 عبر قانون "حظر الرموز الدينية البارزة"، ثم توالت الإجراءات والقوانين التمييزية بحق المسلمات، واتسع هذا التمييز ليتجاوز اختيارات الملابس إلى المفاهيم والأفكار وما يقال في المساجد ووظائف الأدوار المتصلة بالعبادة لدى المسلمين.

ويضيف شاكر أن "فرنسا لا تفتقر إلى الأصوات المنصفة، لكن هؤلاء يدفعون ثمناً لمواقفهم بعزلهم وتطويقهم بالاتهامات، مثل ما حدث من وصف أساتذة جامعيين وسياسيين غير مسلمين بأنهم "يسار إسلامي"، وهو مصطلح شهد صعوداً خلال عام 2020، ليعبّر عن ذروة في ما يمكن اعتباره "مكارثية" سياسية جديدة في فرنسا تطارد الناس على أساس ميولهم وقناعاتهم المحتملة.

وفي تصريحات لـTRT عربي يرى الصحفي المقيم بباريس محفوظ بيكلم، أن تنامي "الشعور القومي" وصعود اليمين المتطرف، جعل لزاماً على أحزاب غير يمينية أن تتبنى نهج اليمين في ما يخصّ المهاجرين خصوصاً المسلمين، وبالتالي هي سياسات ظرفية ترضخ لما تتطلبه "البراغماتية السياسية" تنتهجها كل الأحزاب تقريباً، أملاً في الحصول على حصتها من "الكعكة" الانتخابية، إذ أصبحت توجهات الشارع العامّ هي التي ترسم خطط واستراتيجية السياسيين.

من جانبه يقول عضو المجلس الشرعي الإسلامي في فرنسا حسن الهواري لـTRT عربي، إن "سياسة تقنين الممارسات ضد المسلمين تجاوز مرحلة الاستقطاب إلى محاولات التضييق عليهم وإقصائهم عبر منع الحجاب والتدخل في تنظيم الإسلام، وفي ما يخصّ تعامل المسلمين فليس هناك حتى الآن ما يمكن اعتباره خطة جماعية تتبناها هيئات المسلمين إلى جانب التعاون مع بعض المنصفين من غير المسلمين.

بيد أن النزعة اليمينية التي تتصاعد في أوروبا تعكس أزمة أوروبية كبيرة في رأي رئيس مجلس مسلمي أوروبا سمير فالح، إذ إن تسميات مثل "الإسلاموية" فضفاضة ضحيّتها هم المسلمون في عمومهم لا فئة بعينها، فارتداء الحجاب مثلاً هل هو أمر ديني أم سلوك إسلاموي؟ نحن أمام حالة من تفتيت المجتمع وتضييق الخناق على أحد مكوناته، وهو المسلمون".

تجدر الإشارة إلى أن وزيرة التعليم الفرنسية السابقة نجاة فالو بلقاسم في لقاء سابق مع إذاعة "فرانس إنتر"، قالت إن "العلمانية باتت تُستخدم في فرنسا فقط لإقصاء الإسلام"، وإن الحكومة لديها رغبة في ذلك على الأغلب.

كما أن الممثل الكوميدي الفرنسي ديودون مبالا أعلن عزمه على طلب اللجوء السياسي إلى تركيا، بعد تعرُّضه لمضايقات في بلاده وصلت إلى درجة منعه من ممارسة عمله، ويقول إن هناك "ازدواجية" فرنسية، فبينما تمارس مجلات مثل "تشارلي إيبدو" إساءاتها للإسلام وغيره بحجة حرية التعبير، فإن برامجه الساخرة تواجه الحظر والمنع.

يُذكر أن جمعية "التجمع ضد الإسلاموفوبيا" في فرنسا قبل حلها في أواخر 2020، رصدت في تقرير لها 789 عملاً يندرج تحت مظلّة كراهية المسلمين خلال عام 2019، 59% منها صدرت عن مؤسسات حكومية.

يمكن القول إن استهداف المسلمين عبر سياسات وتشريعات يمينية بحجة العلمانية، وإن كان يهدف إلى استقطاب أصوات اليمين، فإنه يؤسّس لانتقال الحالة العنصرية من مجرد خطاب سياسي انتخابي إلى سياسة دولة تجاه مكوناتها، أولى ضحاياه ستكون قيم التعايش الأوروبية.

TRT عربي