يلاحق اللاجئين السوريين في لبنان شبحُ الاعتقال والترحيل القسري مع كل حملة أمنية للتدقيق في تصاريح الإقامة والأوراق الثبوتية للاجئين، لا سيما بعد صدور إعلان الأمن العام اللبناني  السماح بتسوية أوضاع السوريين المخالفين والموجودين على الأراضي اللبنانية.

على الرغم من صدور تقارير دوليّة من منظّمة "هيومن رايتس ووتش" و"المركز اللبناني لحقوق الإنسان" و"المفكرة القانونية" و"رواد الحقوق" و"مركز وصول لحقوق الإنسان" تستنكر الترحيل القسري لمدنيين ومنشقين وتوكّد أنّه خرق للقانون الدولي، فإنّ الأمن العام اللبناني وحزب الله لم يتوقّفا عن عمليات الترحيل، لكنها أصبحت أكثر سريّة وتكتُّماً.

ويضاف إلى ذلك وجود مليشيات سورية تابعة لحزب البعث الحاكم فيها والحزب القومي السوري تعمل في لبنان على عمليات اختطاف للمعارضين، إلا أنها لم تلاحَق أو يمنع نشاطها رغم وجود مقرات رسمية لهم.

الموقف القانوني

يقول المحامي اللبناني والناشط الحقوقي الدولي طارق شندب لـTRT عربي إنه لا يزال يوجد استهداف للاجئين السوريين في لبنان، وحتى هذه اللحظة لا تسميهم الحكومة اللبنانية باللاجئين بل تسميهم أسماء أخرى غير قانونية لكي لا تتحمل المسؤولية عن ذلك، فالكل يعرف أن هؤلاء السوريين جاؤوا إلى لبنان بفعل إرهاب مليشيا لبنانية ذهبت إلى سوريا وقتلت الشعب السوري إلى جانب النظام، وبالتالي توجد مسؤولية أخلاقية وقانونية على الدولة اللبنانية لمعاقبة المليشيا التي ذهبت لكنّها لم تقم بذلك، والقانون اللبناني لم يلاحق أي مجرم من مليشيا حزب الله التي هجَّرت السوريين وبالتالي توجد مسؤولية قانونية بالتعويض لهؤلاء اللاجئين.

ويضيف شندب أن بعض الأجهزة الأمنية اللبنانية تضغط على هؤلاء اللاجئين إذ سلمت هذه الأجهزة الكثير منهم سابقاً حتى بأوقات متفاوتة من دون أن تتخذ إجراءات لحمايتهم وهذا مخالف للقانون الدولي الجنائي والقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، وذلك خدمة لنظام بشار الأسد.

ويؤكّد أنّ بعض الأجهزة الأمنية تقوم بتوقيف السوريين الذين شاركوا في الثورة السورية وتتهمهم بالإرهاب وتحاكمهم في المحاكم اللبنانية على أنهم إرهابيين، وهذا عمل مخالف للقانون والدستور اللبناني والقانون الدولي، وأكثر من ذلك يوجد بعض السوريين المعارضين وُقفوا بمطار بيروت بحجة أن جوازاتهم مزورة، وهذا أمر غير صحيح والحقيقة أنه فقط لأن النظام السوري يريد ذلك وهذا يطرح أكثر من علامة استفهام، هل يجوز تحويل الأجهزة الأمنية اللبنانية أو بعضها إلى منصة أو إلى فرقة تابعة لنظام قاتل؟

ويرى شندب أنّ أخطر ما في الأمر هو أن تخطف مليشيات في لبنان لاجئين وتسلمهم للنظام السوري، ومثال على ذلك الضابط المنشق النقيب محمد ناصيف الذي خطفته مليشيا حزب الله مع أربعة من رفاقه ومكث عندهم نحو أربع سنوات ثم سلموه للنظام السوري، ونائب الرئيس السوري السابق "شبلي العيسمي" الذي خُطف من منزل ابنته في جبل لبنان، والإخوة جاسم الذين خطفوا من جبل لبنان بعدما خرجوا من أحد مخافر القوى الأمنية وجرت مراقبتهم وتسليمهم إلى النظام السوري من قبل الضابط صلاح الحاج بن اللواء علي الحاج ولم يُتخذ أي إجراء قانوني بحقه على الرغم من ثبوت تورطه.

شهادات صادمة

القانون الدولي يحمل مسؤولية تجاه حماية اللاجئين وهذا يرتب مسؤولية أخلاقيّة وإنسانيّة بالدرجة الأولى على الدولة المستضيفة للاجئين، وفضلاً عن خرق القانون الدولي في عدم إعادة اللاجئين تقع على الحكومات مهمة حمايتهم لا اعتقالهم وتعذيبهم لتكون جريمة مرفوضة بحق أبناء تلك الدولة نفسها، فكيف باللاجئين الذين هربوا أصلاً خوفاً من الاعتقال والتعذيب.

تقول والدة النقيب المنشق محمد ناصيف الذي اختطف وسلم للنظام السوري من قبل حزب الله اللبناني إنّها ذهبت إلى لبنان برفقة أطفال ولدها الثلاثة بعد سماعها بخبر اختطاف ابنها، وبدأت السعي لمعرفة مصيره فدفعت 15 ألف دولار لحزب الله لإطلاق سراح ابنها من دون جدوى.

وتضيف أنّها لجأت بعدها إلى توكيل المحامي طارق شندب لمتابعة قضية ولدها إلا أنّ مليشيا حزب الله كانت سلمته للنظام السوري.

وتروي لـTRT عربي أنّ الخاطفين أقنعوه بأنّ حزب الله يتعقبه ووعدوه بتهريبه إلى مناطق سيطرة المعارضة في سوريا ثمّ أخذوه من منطقة "مجدل عنجر" في يناير/كانون الثاني 2015 وسلموه لحزب الله الذي سلمه للنظام السوري في دمشق.

وتؤكّد والدة المنشق المقيمة حالياً في تركيا برفقة أبناء النقيب المنشق أنّ ابنها حالياً في سجن صيد نايا ولم تتمكن من الذهاب إلى دمشق لزيارته خوفاً من الملاحقات الأمنية، وبسبب المضايقات التي تعرّضت لها بلبنان اضطّرت إلى القدوم إلى تركيا حفاظاً على أمنها وأمن أبناء ولدها المختطف.

من جهته يقول المعتقل السابق لدى الجيش اللبناني عمر الهاشمي لـTRT عربي إنّه جرت مداهمة منزله من قبل قوة تابعة لمخابرات الجيش اللبناني بمايو/أيار 2020 على الرغم من أنه صحفي وليس من مهمة الجيش مراقبة الصحفيين، ثم اقتادوه إلى إحدى الثكنات العسكرية ليُحوَّل بعدها إلى مقر تابع لوزارة الدفاع اللبنانية في بيروت.

ويضيف أنّهم وضعوه في زنزانة منفردة لمدة نصف ساعة ثم اقتادوه إلى غرفة فيها عدد من الشبان يتعرضون للتعذيب واستمر تعذيبه في تلك الغرفة على مدى ثمانية أيام متواصلة، ثم اقتادوه إلى غرفة التحقيق لتنهال عليه الأسئلة حول أسباب معارضته للنظام السوري ليكتشف فيما بعد أنّ التحقيق معه بني على قائمة اتهامات قادمة من الفرع 235 المسمى "فرع فلسطين" في سوريا.

ويتابع: "بعد فترة التحقيق جاء قرار ترحيله إلى سوريا، إلا أنّ تدخُّل بعض الشخصيات اللبنانية النافذة عطل قرار الترحيل ليحال إلى القضاء ويصدر القاضي فادي صوان مذكرة توقيف بحقه في سجن تأديبي ويعطى ورقة بعد خروجه بضرورة مغادرة لبنان إلى سوريا.

ويستطرد: "لقد رأيت في الزنزانة عشرات المعتقلين السوريين منهم من تكسّرت أسنانه ومنهم من كسر فكه وكلّهم صدر بحقّه قرارات ترحيل، إلا أنّ المشاهدة الأهم هو شخص لبناني اسمه عبد الله اعتقل في المخابرات العسكرية السورية لمدة أربع سنوات بتهمة الانضمام إلى الجيش الحر وجرت مبادلته بأربعة منشقين سوريين كانوا في لبنان".

منظّمة حقوقية توضح

تشدد المنظّمات الحقوقية على أهميّة حماية الإنسان وصيانة حقوقه باعتباره اللبنة الأساسية في المجتمع، لذلك تحرص على أن تكون الإجراءات تجاه أمن الفرد وسلامته شديدة وصارمة.

ومع كل التشديدات من قبل المنظمات الحقوقية فإنّ الخروق مستمرة لا سيما في الدول التي تشهد حالة عدم استقرار ويحكم في الدولة نظام اللا دولة.

يقول الباحث في الشبكة السوريّة لحقوق الإنسان إبراهيم ياسين: "السوريون في لبنان بالمجمل سواء كانوا لاجئين أو مقيمين يعانون اضطراباً بأوضاعهم بسبب التقلبات السياسية والضغوط الاقتصادية فضلاً عن الانهيار الذي يشهده لبنان بشكل عام بكل النواحي، لكن أوضاع اللاجئين بشكل خاص سيئة للغاية بسبب القرارات التي صدرت عن الحكومة اللبنانية ومن بينها قرار صدر عام 2014 يمنع المفوضية العامة لشؤون اللاجئين من تسجيل أي سوري جديد على قوائم اللاجئين، لذلك لم يتمكن أي سوري منذ ذلك التاريخ بأي يسجل نفسه كلاجئ".

ويضيف لـTRT عربي أنّه صدر قرار بإعادة كل سوري دخل لبنان بطريقة غير شرعية بعد مارس/آذار 2019، وعليه فإنّ أي سوري دخل بعد هذا التاريخ مهدد بإعادته إلى النظام السوري، وفي حال صدرت قرارات لتسوية أوضاع السوريين الذين دخلوا إلى لبنان بطريقة غير شرعية يجب أن يكونوا دخلوا قبل هذا التاريخ.

ويتابع بأنّ الأمن العام اللبناني بشكل عام يصدر قرارات دورية متتالية لتسوية أوضاع السوريين الذين دخلوا بطريقة غير شرعية ومنها القرار الذي صدر أمس، ويخص الداخلين بطريقة غير شرعية والمخالفين لنظام الإقامة بأي سبب من الأسباب، ولبنان بصفته طرف في اتفاقية مناهضة التعذيب ملزم بألا يعيد أي شخص في حال وجود أي خطر عليه، وأيضاً لبنان ملزم بعدم إعادتهم استناداً إلى مبدأ القانون الدولي العرفي الذي ينص على عدم الإعادة القسرية لأي شخص قد يتعرض للاضطهاد إلى بلده، وإعادة السوريين في تلك الحالة يشكل خرقاً للقانون الدولي العرفي، ومع ذلك نرى أنّ حالات في لبنان جرت إعادتها إلى سوريا من قبل الحكومة اللبنانية أو الأمن العام اللبناني.

TRT عربي