الرئيس الأمريكي جو بايدن وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (Reuters)

يجمع واشنطن بالرياض تحالف استراتيجي وعسكري طويل، وتقدَّر نسبة الأسلحة الأمريكية بنحو 79% من إجمالي الواردات العسكرية للمملكة، حسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.

فيما يجمع مراقبون أن العلاقة التاريخية بين البلدين تتّسم بتنسيق وتوافق كبيرين إزاء عديد القضايا والملفات الإقليمية.

غير أن عديد العوامل أنذرت بوجود توتر بين الحليفين التقليديين، بدءاً من إقرار الكونغرس الأمريكي لقانون "جاستا" عام 2016، الذي فتح الباب لمساءلة مسؤولين سعوديين حول مزاعم بحق مشاركتهم بهجمات 11 سبتمبر/أيلول، مروراً بتوقيع المملكة اتفاقية تعاون عسكري مع روسيا في أغسطس/آب الماضي، وانتهاء بإلغاء وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن زيارته إلى الرياض ضمن جولته الخليجية الأسبوع الماضي، ثم نشر صور أقمار صناعية تؤكّد إزالة الولايات المتحدة دفاعها الصاروخي وبطاريات "باتريوت" خلال الأسابيع القليلة الماضية.

بداية التوتر.. قانون "جاستا"

رفع مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI)، الأحد، السريّة عن وثيقة تتعلق بالتحقيق في مزاعم اتهام مسؤولين سعوديين بالمشاركة في هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، وذلك عقب قرار الرئيس الأمريكي جو بايدن رفع السريّة عن الوثائق مطلع الشهر الجاري، مُفيداً أنه تعهّد حين ترشّح للرئاسة "بضمان الشفافية فيما يخص نزع السرية عن وثائق تخص تلك الهجمات الإرهابية".

وتُعَد الوثيقة، التي تتألّف من 16 صفحة، الأولى من نوعها، حيث لم يسبق أن نشر "FBI" وثيقة مماثلة منذ إقرار قانون "جاستا" (JASTA) بالإجماع عبر الكونغرس الأمريكي في سبتمبر/أيلول 2016، والذي تُجرى بموجبه التحقيقات.

وأثار قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب "جاستا"، العديد من التوترات بين واشنطن والرياض، ووصل إلى أن هدّدت الحكومة السعودية بشكل صريح ببيعها نحو 750 مليار دولار في سندات الخزينة الأمريكية للأوراق المالية وغيرها من الأصول.

وبعد إقرار "جاستا"، تقدّمت عائلات ضحايا أحداث 11 سبتمبر برفع دعوى مدنية، واستُجوِب إثرها مسؤولون سعوديون سابقون حول علاقتهم بخاطفي الطائرتين ومنفذي الهجمات الأبشع في تاريخ الولايات المتحدة.

وفي معرض تعليقها على الوثيقة التي رُفِع عنها السريّة، أكّدت منظمة "عائلات 11 سبتمبر المتحدة"، أن الوثيقة تتضمّن "مفاجآت صاعقة حول تورّط العديد من المسؤولين الحكوميين السعوديين"، وذلك رغم "العدد المؤسف من التنقيحات"، على حد تعبير بيان المنظمة.

وفي سياق متصل، رحّبت السفارة السعودية بواشنطن بنشر الوثيقة، مشدّدةً على أن ربط المملكة بالهجمات هو ادعاء "خاطئ بالمطلق".

يُذكر أن 15 من منفذي الهجمات التسعة عشر سعوديون، ولم تجد لجنة حكومية أمريكية دلائل تفيد بأن السعودية موّلت بشكل مباشر تنظيم القاعدة، لكن اللجنة لم تحسم بعد مسألة الاشتباه في تورّط مسؤولين سعوديين بشكل منفرد.

التسليح الروسي والتلويح بالعقوبات

وقّعت الرياض في 23 أغسطس/آب الماضي اتفاقية مع موسكو "تهدف إلى تطوير مجالات التعاون العسكري المشترك بين البلدين الصديقين، وتعزيز التعاون العسكري والدفاعي"، حسب ما أعلنه حينئذ نائب وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان في تغريدة على "تويتر".

وعقب توقيع "الاتفاقية الغامضة"، تساءلت تقارير إعلامية عمّا إن كان ذلك يعتبر اختراقاً روسياً للتحالف الأمريكي-السعودي الاستراتيجي، وهل يمثّل تغيُّر بوصلة الرياض من واشنطن إلى موسكو؟

وسرعان ما أتى التحذير الأمريكي، حيث لوَّح متحدث باسم الخارجية الأمريكية من تعرّض المملكة لعقوبات جرّاء تعاونها العسكري مع موسكو، مُشدّداً على حثّه "جميع شركاء وحلفاء الولايات المتحدة تجنّب المعاملات الجديدة الرئيسية مع قطاع الدفاع الروسي، كما هو موضح في القسم 231 من قانون مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات كاتسا (CAATSA)".

وتقدم الولايات المتحدة على فرض عقوبات اقتصادية دولية صارمة على ثلاث دول تعتبرها واشنطن "خصوماً عسكريين"، وهي روسيا وإيران وكوريا الشمالية، على أن تُفرَض العقوبات عليها وعلى من يتعاون معها عسكرياً، وذلك بموجب قانون "كاتسا" (CAATSA)، الذي أقرّه مجلس الشيوخ الأمريكي بأغلبية ساحقة في أغسطس/آب 2017.

وذهب محللون إلى أن تزامن توقيع الرياض اتفاقية التسليح الروسي مع ما اعتبره كثيرون "سقوط هيبة أمريكا" عالمياً عقب "هزيمتها الكبرى" وانسحابها المذل من أفغانستان، يمكن اعتباره إشارة من السعودية إلى أنها لا تشعر بأريحية إزاء الاعتماد بشكل كامل على التسليح الأمريكي، وأنها على استعداد للتحوّط من رهاناتها من خلال اللجوء إلى موسكو.

حلقات جديدة من تغيُّر مقاربة واشنطن

كان من المُقرّر أن يزور وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن السعودية، الخميس 9 سبتمبر/أيلول الجاري، كمحطة أخيرة في جولته الخليجية. غير أنّ المتحدّث باسمه، جون كيربي، أعلن مساء الأربعاء أن الزيارة أُلغِيت بسبب "مسائل تتعلق بالجدول الزمني".

وبعد تصريح أوستن بأنّه يتطلع إلى زيارة المملكة العربية السعودية "في المستقبل القريب"، وذلك عقب "تأجيل" زيارته، تساءل متابعون عن إن كانت "الزيارة أُجّلَت بالفعل أم أُلغيت؟".

وأجاب وزير الدفاع الأمريكي على ذلك التساؤل على نحو مقتضب، قائلاً: "دعنا نقُل تأجَّلت"، مُضيفاً: "ليس لدينا موعد محدد لزيارة متابعة (..) السعوديون لديهم بعض المشاكل المتعلّقة بالجدولة، وكما تعلمون، لا يمكنني التحدّث عما كانت بالضبط".

وإبّان ورود مزيد من التساؤلات حول أسباب "تجاهل" أوستن زيارة السعودية في جولته الخليجية التي شملت البحرين والكويت أيضاً، نشرت وكالة أنباء "أسوشيتد برس" السبت، صوراً بالأقمار الصناعية، مُفيدةً بأن الصور أظهرت إزالة الولايات المتحدة نظامها الأكثر تقدماً للدفاع الصاروخي وبطاريات "باتريوت" من المملكة العربية السعودية خلال الأسابيع الأخيرة، حسب تحليل الوكالة الأمريكية.

فيما يرى مراقبون أن ذلك الفعل يأتي كحلقة في سياق أوسع من تغيُّر مقاربة واشنطن نتيجة سياسات ونهج الرياض المتعلّقة بتدخلها المستمر في الحرب باليمن، وانتهاكات بقضايا حقوق الإنسان، وأخيراً تقاربها مع موسكو وسعيها إلى حيازة تسليح روسي.

وحسب مارك كاتز، أستاذ العلوم السياسية بجامعة "جورج ميسون" الأمريكية، فإنّه من الممكن النظر إلى تحركات المملكة الأخيرة في سياق كونها "محاولة من قبل الرياض لتغيير سلوك واشنطن"، وذلك بعد تسلُّم إدارة بايدن حكم البيت الأبيض.

ويرى كريستيان أولريشن، الباحث في معهد "جيمس بيكر" للسياسة العامة في جامعة "رايس"، أنّ "من الواضح جداً في وجهات نظر العديد من صانعي القرار في المنطقة، أن الولايات المتحدة ليست ملتزمة تجاه الخليج كما كانت في السابق". مُضيفاً أن السعوديين يرون الآن ثلاثة رؤساء متعاقبين؛ أوباما وترمب وبايدن، "يتخذون قرارات تدُل إلى حد ما على التخلي"، حسب الباحث بجامعة "رايس".

TRT عربي