رئيس الوزراء مودي يضع حجر الأساس للبرلمان الهندي الجديد (AFP)

إذ كان الانشغال الأكبر باتهام المسلمين بنشر الوباء كنوع من الجهاد، وهو الأمر الذي حظي بتغطية إعلامية واسعة وتَسبَّب في تضييق الخناق على المسلمين وتأجيج الكراهية تجاههم، وهو أيضاً ما صادف هوىً مماثلاً في الجارة سريلانكا، فعممت مرسوماً يحرم المسلمين والمسيحيين من دفن موتاهم ضحايا كورونا على خلفية توصيات اللجنة الصحية الرسمية لمواجهة كورونا، التي يزعم بعضها أن الجثامين تنقل العدوى إلى المياه الجوفية والتربة.

قبل أيام قليلة أخلت محكمة دلهي سبيل عدد من المسلمين الأجانب كانت تتم محاكمتهم بحجة المشاركة في نشر الفيروس، واستخدام تأشيرة زيارة الهند لغرض ديني، في حين أن الهدف من استخراجها كان السياحة، وكل هذا لأنهم كانوا مشاركين في مؤتمر جماعة التبليغ، وهي إحدى الجماعات التي تنشط في مجال الدعوة خلال مارس/آذار 2020.

سريلانكا على خطى الكراهية

وفي سريلانكا علقت الحكومة مؤخراً حرق جثامين المسلمين موتى كورونا، بعد نحو ثمانية أشهر من تعميم العمل بمرسوم يقضي بحرق جثامين كل ضحايا الفيروس بمن فيهم المسلمون والمسيحيون، وهو مرسوم قوبل برفض واسع من المسلمين، ومساعٍ قانونية بالطعن على التعميم الحكومي.

لكن المحكمة العليا رفضت طعن المسلمين بحجة أن الحكومة هي الجهة الموكول إليها قرار وقف مرسوم حرق جثامين ضحايا كورونا أو استمرار العمل به.

نموذج من الرسومات المسيئة للمسلمين التي يتم ترويجها من خلال المتطرفيين القوميين في الهند (Others)

هذا التضييق دفع المسلمين إلى التظاهر قبل أيام في العاصمة كولومبو رفضاً لحرق جثامين موتاهم بالخلاف للشريعة الإسلامية، وكذلك استناداً إلى مزاعم طبية تخالف كل التقارير والتوصيات الصحية حول العالم، هذه الحالة من تفاقم الأزمة في سريلانكا وحرمان المسلمين من دفن موتاهم دفعت جزر المالديف مؤخراً إلى إعلانها الاستعداد لاستقبال جثامين موتى المسلمين من ضحايا كورونا ودفنهم على أراضيها رغم بعد المسافة بينهما.

بداية القصة

لفهم القصة نعود إلى الوراء نحو 9 أشهر، وتحديداً مارس/آذار 2020، فبينما تسير الأمور بوتيرة طبيعية في الهند، عقدت "جماعة التبليغ" مؤتمرها السنوي في مركزها في دلهي بحضور أكثر من ألف شخص منهم مسلمون من الخارج، وبينما المؤتمر يواصل فاعلياته أعلنت الحكومة فرض إجراءات الإغلاق لمواجهة كورونا، فما كان من جماعة التبليغ إلا انتظار مسعى حكومي لإخراج المشاركين بالمؤتمر وتوقيع الكشف الطبي عليهم، حرصاً على سلامة المجتمع، لكن الاستجابة كانت بطيئة.

استهداف متعمد

يقول ظفر الإسلام خان، الكاتب الهندي المعروف والرئيس السابق لمفوضية الأقليات في دلهي، في تصريحات خاصة لـTRT عربي: "بعد انتظار نحو 3 أيام بدأت الحكومة نقل المشاركين في المؤتمر ووضعتهم في حجر صحي داخل عدة معسكرات لمدة 50 يوماً بمن فيهم الأجانب، رغم أن مدة الحجر المعروفة أسبوعان، كما كانت تتم معاملتهم بطريقة مهينة وعدم انتظام في تقديم الطعام، وبعد مدة الحجر تم اقتياد المسلمين الأجانب منهم إلى الاحتجاز والمحاكمة".

ويضيف خان أن فيروس كورونا كان مجرد شماعة جديدة للحكومة لتأجيج كراهية المسلمين، فكانت مزاعم مسؤوليها أن المسلمين من جماعة التبليغ هم من نشر الفيروس في أوساط البلاد، متجاهلة تماماً الفاعليات الهندوسية التي كانت تتم بالتزامن مع اجتماع جماعة التبليغ، وانطلقت الماكينة الإعلامية في ضخ عشرات القصص ومقاطع الفيديو المفبركة، ورسوم كاريكاتيرية لترسيخ تلك المزاعم، وأصبح المسلمون في عموم البلاد محلّ اتهام بالمسؤولية عن نشر الفيروس، حتى إن مناطق هندوسية بدأت طرد المسلمين من سكانها، وأخرى منعت الباعة المتجولين المسلمين من دخولها، وهذه الأجواء تنسجم تماماً مع نظرة الحزب الحاكم (بهاراتيا جاناتا - الشعب الهندي) تجاه المسلمين واستغلال أي وسيلة لتأجيج كراهيتهم بالترويج لمؤامرة كونية يقودها المسلمون.

نموذج من الرسومات المسيئة للمسلمين التي يتم ترويجها من خلال المتطرفيين القوميين في الهند (Others)

وكان ظفر الإسلام خان طالب الحكومة والإعلام بالاعتذار إلى مسلمي الهند وما تَعرَّضوا له من كراهية واستهداف بسبب تلك المزاعم، لا سيما بعد فضح وتأكيد كذبها، ويؤكد أن تلك الادعاءات مجرد حلقة من مخطط استهداف مسلمي الهند ومحاصرتهم، موضحاً استمرار الجهات الرسمية في الربط بين جماعة التبليغ وإصابات كورونا اليومية فكل بيان يومي أو إعلامي يتم فيه ذكر جماعة التبليغ رغم أنه لا علاقة لها في الأساس بالأمر، لكن الهدف هو استمرار ترسيخ الصورة الذهنية بالربط بين الإسلام وفيروس كورونا.

تضييق في العبادة وحرمان من الدفن

ومن جانبه يرى رئيس منتدى آسيا والشرق الأوسط محمد مكرم بلعاوي، في تصريحات لـTRT عربي، أن مثل هذا التنكيل بالمسلمين في الهند وتحميلهم مسؤولية فيروس يعاني منه العالم كله ومعروف مصدره، ينسجم مع حالة الاستقطاب الطائفي والديني الممتدة لسنوات طويلة وبلغت ذروتها في ظل حكم حزب بهاراتيا جاناتا "BJP" وحركة "RSS"، أو في ظل حكم "الحركة القومية" في سريلانكا الجارة للهند، إذ أصبح لها نفوذ واضح متأثرة بالحرب الأهلية التي شهدتها البلاد من قبل وانتصرت فيها الأغلبية السنهالية على التاميل، ومتأثرة كذلك سريلانكا بالمدرسة الطائفية في الهند.

ويضيف بلعاوي أنه "إذا كان مسلمو الهند يعانون من تضييق في ما يخص العبادة، ومخطط واضح يستهدف تهميشهم، فإن تلك السياسات الهادفة إلى تغيير الهوية انتقلت إلى ما يتعلق بدفن الموتى في سريلانكا، في ظل ادعاءات أن جثامين ضحايا كورونا تنشر العدوى، على خلاف كل التقارير والتوصيات الدولية، وللأسف هذه الأجواء تعبير عن حالة الاستقطاب التي أوجدها صعود اليمين وانعكاساته على السياسة الداخلية في البلدين، ولا أتوقع أن هذه السياسات العنصرية ستتوقف قريباً للأسف مادام صعود هذه الحركات والأحزاب اليمينية مستمراً".

وبالنظر إلى الحالة الهندية في التعامل مع فيروس كورونا وربطه بالإسلام، فقد انتشرت عشرات القصص المزعومة في وسائل الإعلام بتنوعاتها، منها رسوم كاريكاتيرية تظهر الفيروس يرتدي زيّاً إسلامياً، ومقاطع فيديو يزعم بعضها أن مسلمين كانوا يلقون بالشوارع نقوداً ورقية عليها الفيروس، وآخرين كانوا يسعلون ويبصقون على المارة في الشوارع لنشر العدوى.

هذه المزاعم وغيرها كثير ظهرت في تغريدات مصحوبة بهاشتاغ "#CoronaJihad" في خطاب تحريضي واضح أواخر مارس/آذار.

وقد ظهرت هذه التغريدات ما يقرب من 300 ألف مرة، ويُحتمل أن شاهدها 165 مليون شخص على موقع تويتر، حسب ما وثّقته منظمة "Equality Labs" ونشرته مجلة "TIME" الأمريكية، كما ظهرت تغريدات أخرى مصحوبة بهاشتاغ الجهاد البيولوجي #BioJihad.

انتقائية الاتهام

المسلمون من خارج الهند والمشاركين في مؤتمر جماعة التبليغ خضعوا للاعتقال، وقد اضطُرّ بعضهم إلى دفع غرامات مالية للخروج والعودة إلى بلادهم، والبقية رفضوا تلك الاتهامات المزعومة وظلوا قيد الاعتقال للمحاكمة، وأُفرجَ عنهم قبل أقلّ من أسبوع بعد أن برّأتهم المحاكم في نيودلهي وولايات أخرى، معتبرة أن الشرطة احتجزتهم دون مبرّر، وأنه لا دليل على أن هؤلاء كانوا يحملون الفيروس، وأبطلت أيضاً تهمة استغلال التأشيرة لغرض آخر، بعد معاناة امتدت لنحو 9 أشهُر، وفي ذات السياق لن تجد أي إشارة إلى تجمعات الهندوس في معابدهم في ذات الفترة، رغم أن نحو 25 ألف شخص وُضعوا في الحجر الصحي في ولاية ماديا براديش الشمالية وحدها على خلفية طقوس هندوسية.


TRT عربي