بعد محاولة الانقلاب الفاشلة ازدادت قناعة أنقرة بأنه لا يمكنها الاعتماد على حلف شمال الأطلسي الناتو، ودفعتها أحداث ليلة 15 يوليو/تموز إلى الاعتماد الأكبر على الذات وإيجاد تحالفات دولية بديلة أكثر من أي وقت مضى.

قبل خمس سنوات، وفي ليلة الخامس عشر من يوليو/تموز، تعرضت تركيا للخذلان من حلفائها التقليديين في الناتو، ولا سيما الولايات المتحد الأمريكية، حين هجم مجموعة من المارقين والانقلابيين في الجيش التركي والمتورطين بارتباطهم بتنظيم فتح الله كولن الإرهابي على المؤسسات الرئيسية للبلاد، وأقدموا على دهس المدنيين من المتظاهرين الذين اعترضوا طريقهم في ذلك الوقت.

ومع الصمت المطبق الذي خيّم على حلفائها في الناتو، بخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، أصبح واضحاً لتركيا ورئيسها رجب طيب أردوغان، أن أنقرة لا تستطيع بعد الآن الوثوق كثيراً بحلفائها في الناتو، بخاصة في الأوقات الحرجة.

وأثار الانقلاب الفاشل أسئلة كثيرة وجدية في أنقرة "حول مدى ولاء شركاء الناتو"، وفق تعبير أستاذ القانون الدولي في جامعة برينستون، ريتشارد فولك، الذي صادف وجوده في إسطنبول ليلة محاولة الانقلاب.

وفي تصريح خاص لـTRT World قال فولك: "ورغم الترقب والانتظار لمواقف العواصم الرئيسية لأوروبا الغربية وواشنطن إثر وقوع الانقلاب، فإنه لم يحدث أي نوع من الدعم للحكومة الشرعية لتركيا من طرف الحلفاء القدامى".

وأضاف فولك: "يبدو أن ذلك يبعث برسالة واضحة إلى أنقرة مفادها أن عليها تنويع علاقاتها مع الدول الأخرى، ومزيداً السعي لتعميق العلاقات مع الدول الأخرى المهمة في العالم، بما في ذلك روسيا والصين".

وعلى ضوء ذلك تحسنت علاقات تركيا مع كل من روسيا والصين، بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، إذ سعت أنقرة وموسكو لإبرام تفاهم مشترك بشأن التعامل مع الصراع السوري وعدة مجالات أخرى مثل التعاون العسكري الثنائي.

وكان من أبرز دلالات تحسين العلاقات بين البلدين، شراء تركيا منظومة صواريخ S-400 الروسية على الرغم من اعتراضات الولايات المتحدة على الصفقة.

نقص الثقة

ويوافق عديد من الخبراء والمحللين، رأي أستاذ القانون ريتشارد فولك، عن مدى اتساع الفجوة بين تركيا وحلفائها في حلف شمال الأطلسي "ناتو"، بخاصة الولايات المتحدة، عقب محاولة الانقلاب الفاشلة.

وفي هذا السياق يقول الدبلوماسي الأمريكي السابق، ماثيو بريزا، الذي كان يُعَدّ من كبار المسؤولين في السياسة الخارجية في البيت الأبيض تحت إدارات الجمهوريين والديمقراطيين، إن "لدى تركيا قناعة بتورط الولايات المتحدة في محاولة الانقلاب بطريقة أو بأخرى، ويتأكد هذا الاعتقاد مع استمرار تمتُّع فتح الله كولن بحق الإقامة في الولايات المتحدة".

وحتى يومنا هذا يواصل فتح الله كولن، زعيم تنظيم كولن الإرهابي، العيش على الأراضي الأمريكية في ولاية بنسلفانيا، إلى جانب مجموعته التي تُعتبر وليدة حركة دينية غامضة لها علاقات دولية، وتعمل بحرية في جميع أنحاء الولايات المتحدة.

ويؤكد بريزا أنه "ظهر بعض المؤشرات الواضحة على أن مدبري الانقلاب قد تلقوا من واشنطن (الضوء الأخضر) للانطلاق".

ويعتقد بريزا أن الولايات المتحدة "بطيئة جدّاً في إدراك أن محاولة الانقلاب لم تكن حقيقية فحسب، بل أن الديمقراطية التركية نجت وتمكنت من هزيمة مدبري الانقلاب. لذلك يستمر التوتر بين تركيا والولايات المتحدة إلى اليوم أكثر مما ينبغي".

ولم يكن الموقف الأمريكي وحده الذي أثار حفيظة أنقرة، إذ إن التزام العواصم الأوروبية الصمت وفشلها في إظهار التعاطف والدعم، في أثناء محاولة الانقلاب الفاشلة، كان سبباً في توتر العلاقة مع أنقرة.

ويرى خبراء أن التدهور الملحوظ في مستوى العلاقات التي تربط بين أنقرة والعواصم الغربية، يعود أساساً إلى خذلان تركيا وعدم إبداء الدعم للحكومة المنتخبة ديمقراطياً، وفي المقابل استمرار هذه البلدان، ولا سيما ألمانيا، في إيواء أفراد تنظيم كولن الإرهابي.

الاعتماد على الذات

يبدو أن نقص الثقة المتزايد بين تركيا وحلفائها في الناتو يلعب دوراً أكبر بكثير في تطوير الدولة لسياسة خارجية مستقلة، أقلّ ارتباطًا بالناتو مما كانت عليه في السابق.

يعتقد الأستاذ الفلسطيني الأمريكي والمدير في مركز الإسلام والشؤون العالمية (CIGA) في جامعة صباح الدين زعيم، سامي العريان، أنه منذ عام 2016 أصبحت تركيا أكثر حزماً واستقلالية في سياستها الخارجية والعسكرية.

يقول العريان في تصريح لـTRT World: "لقد أدركت تركيا أنها بحاجة إلى إظهار القوة لردع القوى الأجنبية عن التدخل في شؤونها الداخلية. وأثبتت أنقرة أيضاً أنها على استعداد تامّ لاستخدام القوة الصارمة لحماية مصالحها الوطنية لا قوتها الناعمة فحسب"، في إشارة إلى عمليات تركيا عبر الحدود في شمال سوريا والعراق.

ويضيف العريان: "جذب نهج السياسة الخارجية الجديد لتركيا انتباه بعض الدول مثل الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين، إسرائيل والإمارات، الذين يرون بدورهم أن تركيا تحاول أن تصبح قوة مهيمنة إقليمية بسبب موقفها المتزايد نحو الاستقلالية، لذلك اتبعوا سياسة الاحتواء والسلوك العدواني تجاهها... وفي المقابل كان على تركيا أن تعتمد أكثر على مواردها الخاصة، وأن تبني تحالفات بديلة، وتقوّي علاقاتها مع القوى العظمى الأخرى مثل روسيا والصين".

وفي هذا السياق يبدو أن الهدف التركي الأساسي هو الاستقلال الأمثل في التكنولوجيا العسكرية مع التركيز بشكل خاصّ على صناعة الدفاع الوطني لبناء دبابات وطائرات هليكوبتر هجومية وطائرات بلا طيار وأقمار صناعية وطائرات مقاتلة وسفن حربية.

ولعبت الطائرات بلا طيار التركية الصنع دوراً حاسماً في إجبار قوات الجنرال الانقلابي الليبي خليفة حفتر على الانسحاب من الأجزاء الغربية من البلاد العام الماضي. وكان الدعم التركي حاسماً أيضاً لانتصار الجيش الأذربيجاني على القوات الأرمينية المحتلة في إقليم قره باغ.

وأظهرت الفرقاطات التي بُنيَت حديثاً في تركيا القوة البحرية للبلاد عبر شرق البحر الأبيض المتوسط​​، مما مكّن من ردع دول مثل فرنسا واليونان في المنطقة.

وتثق تركيا بالتكنولوجيا العسكرية والبحرية المطورة حديثاً، وكانت اتبعت سياسة خارجية حازمة عبر شرق البحر المتوسط​​، فوقّعَت مؤخراً اتفاقية بحرية مع حكومة طرابلس الليبية المعترف بها لدى الأمم المتحدة، كما عارضت أنقرة الحصار ضد قطر، وأرسلت تعزيزات عسكرية إلى الدوحة في أواخر عام 2017.

TRT عربي
الأكثر تداولاً