تحولت إسرائيل في الآونة الأخيرة من بلد مستورد للغاز الطبيعي إلى بلد مصدر له، فبعد اعتمادها لسنوات طويلة على الغاز المصري الذي حصلت عليه بأسعار زهيدة، تبادر تل أبيب اليوم إلى تصدير الغاز إلى دول الجوار كالأردن ومصر وسط غضب شعبي واضح.

احدى منصات استخراج الغاز في المتوسط
احدى منصات استخراج الغاز في المتوسط (AP)

وتعمل إسرائيل على استغلال الفرص التي توفرها لها أزمات المنطقة والفراغ الناتج من حالة الاقتتال العربي- العربي لتمد من نفوذها ليس في المجال الجيوسياسي وحسب بل وفي مجال الطاقة مدعومة بطبيعة الحال من الإدارة الأمريكية التي لا تكل عن تهيئة الظروف المواتية لها من أجل ضمان هيمنتها.

ومنذ مشروع "الشرق الأوسط الجديد" الذي بشرت فيه الحكومة الإسرائيلية بزعامة "شيمون بيرز" بداية تسعينات القرن العشرين، تسعى إسرائيل للتحول إلى "هونغ كونغ الشرق الأوسط" بحيث تصبح البوابة الاقتصادية للمنطقة.

ويبدو أن هذا الحلم قد بات قاب قوسين أو أدنى من التحقق في ظل المخزونات الهائلة من الغاز الذي اكتشف في حوض البحر الأبيض المتوسط مؤخراً التي تسعى إسرائيل للسيطرة عليها بطرق غير شرعية، خصوصاً ظل حالة التهافت من بعض الدول العربية للتطبيع مع إسرائيل ضمن ما يسمى "بصفقة القرن" والتي تعتبر واحدة من أهدافها، هو دمج إسرائيل في المنطقة واخراجها من عزلتها بطريقة طبيعية. 

إسرائيل و منتدى غاز البحر المتوسط

الخبير النفطي عامر الشوبكي قال إن إسرائيل تُكثف كل جهودها لمحاولة السيطرة على الإمتياز الخاص بالغاز الطبيعي في المنطقة، كمصدر مهم وبيئي لتوليد الكهرباء، من خلال الإتفاقيات والعقود التي تبرمها مع عدة دول بعد استغلالها لأزمات المنطقة.

ويدلل الشوبكي في حديثة لـTRT عربي أن إسرائيل كانت هي المُحرك الرئيسي لخلق وتنفيذ "منتدى غاز البحر المتوسط" الذي عُقد قبل أشهر في القاهرة، وأبرمت خلاله إتفاقيات مختلفة طويلة المدى مع دول حوض المتوسط، لتبين أنها الدولة الأكثر أمناً في قدرتها على توريد الغاز.

يقول الشوبكي إن إسرائيل تستغل حاجة أوروبا للغاز الطبيعي على اعتبار أنه مصدر طاقة نظيف، وبديل مهم عن الغاز الروسي، وتحاول تسويق نفسها من خلال المنتدى بأنها ستعمل على توريد الغاز لدول مثل فرنسا واسبانيا وقبرص وغيرها، من خلال امتياز شركات الغاز العالمية، وباسعار منافسة لتخلص الأوربيين من الضغوطات الروسية عليهم، بحسب الشوبكي. 

ويضيف الشوبكي أن إسرائيل تدرك أن توريد الغاز لدول أوروبا لن يكون بالأمر السهل من خلال مد أنابيب في أعماق البحر، فما كان منها إلا أن تعمل على إنشاء محطات كبرى لتسيل الغاز" الغاز المسال" ليكون سهل التصدير من خلال وسائط النقل المخصصة. 

ويضيف انه بدأت أعمال الحفر في أهم حقلين بالشرق الأوسط "ليفياثان" الذي يبلغ احتياطه من الغاز 18 ترليون متر مكعب، وحقل "تمار" الذي يبلغ احتياطه من الغاز الطبيعي 238 مليار متر مكعب،مبيناً أن إسرائيل استغلت أزمة ترسيم حدود الإمتياز بين "لبنان وقبرص ومصر" واستطاعت بدعم من شركات أمريكية خاصة، مثل شركة "نوبل انيرجي" وشركة"بي جي جروب" وشركات اسرائيلية أخرى،أن تنتج من حقل "ليفياثان" احتياط بنسبة أربع أضعاف الإحتياط من "تمار". 

وقد وضعت سلطات الأحتلال يدها على هذه الحقول منذعام 1999، بعد أن سمحت الهيئة الإسرائيلية للنفط لشركة "بي جي جروب" بإجراء استكشافات ابتدائية في شرق البحر المتوسط، وفي 2000 حصلت "بي جي جروب" على عقد مشاركة مع ثلاثة مؤسسات إسرائيلية، وفي عام 2005 أعلنت "بي جي" عن تنازلها عن المشاركة، لكن في ذلك الوقت كانت إسرائيل قد حصلت على تعاقد مع مصر لتوريد غاز مصري بثمن 75و2 دولار لكل 27 متر المكعب ، وهو ثمن لا تستطيع "بي جي" منافسته ، إلى أن جاء دور شركة "نوبل انيرجي" الأمريكية، لتقوم بأعمال الإستخراج في 2006 ومدت فترة التعاقد مع الإحتلال إلى 2008، ثم إلى عام 2011 ثم تمديد آخر حتى 2035.

الحدود البحرية حسب تركيا واليونان وإدارة جنوب قبرص
الحدود البحرية حسب تركيا واليونان وإدارة جنوب قبرص (TRT Arabi)

مع هذا الكم الكبير من الإنتاج تعمل إسرائيل بكل جهودها على عقد اتفاقيات لتوريد الغاز لدول الجوار، مثل الأردن التي فيها حقل الريشة، جنوب شرق العاصمة عمان، والمجمع الغازي قرب الساحل اللبناني بالمتوسط، ومصر التي أصبحت مستورداً للطاقة بالرغم من كمية ثروة الغاز التي في باطن أراضيها، خاصة "حقل ظهر" في محافظة بورسعيد والذي يبلغ احتياطه 30 ترليون متر مكعب، وحقل "نورس" شمال شرق الدلتا والذي يبلغ الإحتياط فيه 2 ترليون متر مكعب، "وحقل آتول" شمال دمياط والذي يصل الإحتياط فيه إلى 1.5 ترليون متر مكعب. وفقاً للشوبكي . 

استغلال للأزمات

المتخصص في الشؤون الإسرائيليةحسن البراري، بيّن أن إسرائيل بطبيعة الحال تسورد الطاقة، إلا أنها تحاول استغلال الأزمات المشتعلة بالمنطقة، واستثمار انهيار الترابط العربي للاستحواذ على الامتياز لتكون هي المصدر الأهم لتوريد الطاقة لدول أوروبا ودول المتوسط.

البراري يوضح " لـTRT عربي" أن إسرائيل تعتقد أن بامكانها التلاعب بما يجري في المنطقة العربية، من خلال حالة العداء العربي - العربي، وتحديداً "الأزمة الخليجية"، وتسعى بشكل مباشر إلى الإنظمام للنادي المصري المعادي لتركيا، وتستغل الأزمات التي تعصف في لبنان خاصة مع الذراع الايراني " حزب الله" ، وهذه كلها عوامل تعطي إسرائيل مكان للتحرك ومساحة كافية لمحاولة السيطرة والنفوذ.

يستبعد البراري أن تتمكن إسرائيل من نيل ما تتطلع اليه خلال السنوات القادمة بأن تكون المسيطر الأول على مصادر الطاقة في المنطقة، منوهاً إلى أن مصادر الطاقة وخاصة الغاز ليست فقط تلك الموجودة في المتوسط، مشيراً إلى أن هناك دول الخليج التي تمتلك احتياط كبير، خاصة قطر التي صُنفت على أنها ثالث أكبر دولة لديها احتياط من الغاز الطبيعي. 

مساحة خسرها مصر بعد اتفاقها مع إدارة جنوب قبرص الرومية ومساحة قد تخسرها بالاتفاق مع اليونان
مساحة خسرها مصر بعد اتفاقها مع إدارة جنوب قبرص الرومية ومساحة قد تخسرها بالاتفاق مع اليونان (TRT Arabi)

ويختم الخبير بأن كل تحركات إسرائيل وتوقيعها الإتفاقيات هنا وهناك لن تعطيها القدرة اللازمة خلال السنوات القادمة لتستحوذ على مصير وشريان الطاقة بالمنطقة، لكنها ربما ستستحوذ على الحصة الأكبر والأمتياز الأكثر نمواً. 

مخالفة صريحة للقوانين الدولية 

نقيب المحامين الأسبق والنائب صالح العرموطي قال إن أغلب الإتفاقيات التي يبرمها الإحتلال الخاصة بملف الطاقة مع الدول العربية مخالفة للقانون لعدة اسباب أولها " أنها دولة محتلة سيطرت على أراضي فلسطين بشكل مخالف لكل قرارات الشرعية الدولية". 

وبيّن العرموطي في حديثة معTRT عربي أن الشرط القانوني حول " الرضى والمحل والسبب " غير متوفر باتفاقيات الطاقة المبرمة بين الإحتلال ودول المنطقة، مبيناً أن معاهدة جنيف حددت شروط التعاقد على أن يكون هناك أولاً رضى بين الطرفين، وهذا الشرط مفقود في الإتفاقيات لأنها تمت رغماً عن الحكومات، وتحت الضغط الإمريكي. 

وعن شرط المحل والسبب بيّن أن هناك مخالفة صريحة للقانون لأن الطرف الخاص في الإتفاقية "شركات التنقيب" غير معروفة المالك والأصول ومكان الإقامة، مبيناً في مثال أن شركة "BBA" التي وقعت مع شركة الكهرباء الأردنية، ليس لها أي أصول قانونية، ومقرها في جزر الملاذات الضريبية، وغيرمعرف من هو مالكها، وأن شركة "نوبل انيرجي" هي وسيط و جزء من الإتفاق بنسبة 35%.

وقال إن هناك مخالفات قانونية بهذه الإتفاقيات، لأن بها اعتداء على أملاك الشعب الخاصة، بعد تمرير الأنابيب من أراضيهم رغماً عنهم، وبهذا تعدٍ واضح على حقوق العوام، كما هو الحال في مصر والأردن. 

جودة وقيمة عالمية 

على أرض الواقع ومن منطلق الأمور الفنية يكشف عضو لجنة مقاومة التطبيع ورئيس اللجان الفنية في نقابة المهندسين الأردنيين الدكتور سمير جرادات أن إسرائيل تعمل من خلال شركة "نوبل إنرجي" والتي يملك اللوبي الصهيوني أكثر من 90% من أسهمها، على طرح العطاءات والصفقات في المنطقة للتنقيب عن الطاقة بمختلف اشكالها. 

ويبيّن جرادات " لـTRT عربي:" أن إسرائيل ومن خلال أجهزة المسح الجوي تمكّنت من أكتشاف أماكن وأعماق وكميات تواجد الغاز والنفط بنسب تجارية في المنطقة، خاصة الحقول في حوض الأبيض المتوسط وشبة جزيرة سيناء" .

المسوح الجوية بحسب جرادات، كشفت أن المنطقة الغربية من البحر الميت" اخفض بقعة في العالم" والمحاذية للأراضي الفلسطينية المحتلة، تحتوي على كميات كبيرة من الغاز والنفط، ما دفع إسرائيل إلى الحفر بشكل رأسي وأفقي فيها، بمساحة 94 كلم، حتى وصلت إلى "مصب غازي" موجود هناك تقدر قيمته بـ 1.2 مليار دولار، ويتراوح المخزون فيه من 7-11 مليون متر مكعب، ما دفع الإحتلال إلى بدأ أعمال التنقيب عام 2016، دون وجود معلومات عن كميات الغاز المستخرجه حتى الآن.

ما حصل في لبنان من استحواذ الإحتلال على الغاز في المتوسط ، أن شركات التنقيب الإسرائيلية أخذت حق التنقيب بالمتوسط عنوة، بعد أن دعمتها الولايات المتحدة خلال النزاع مع لبنان واستغلال خطط الترسيم بين مصر وقبرص ولبنان، واستولت على مناطق الإمتياز الثلاثة اللبنانية ، خاصة "بلوك رقم 9 " الواقعقرب منطقة الحدود البحرية اللبناني-الإسرائيلية، وتحديداً "حقل كاريش الغازي" والذي تبلغ حصة لبنان منه 96 تريليون قدم مكعب.

الولايات المتحدة الأمريكية كان لها دوراً في استكشاف هذا البلوك عام 2009، والذي تصل مساحته إلى 83 ألف متر مربع، ضمن 10 بلوكات، تاتي بمنطقة على شكل مثلث، تبلغ مساحتها نحو 860 كيلومتراً مربعاً، وتقع على امتداد ثلاثة أمتيازات طاقة بحرية في لبنان، وقد تم تقسيم المساحة المتنازع عليها إلى 10 "بلوكات" ويمثل البلوك 9 أحد أهمها وأكثرها انتاجاً، حيثتمكن الإحتلال بعد ذلك وبالدعم من الإدارة الأمريكية من بناء مراكز بحوث واستكشاف رئيسة في تلك المنطقة، وأصبح لها حرية الإستخراج والبيع، وبذلك أصبح مصير الطاقة في لبنان مرهون بإسرائيل، وفقاً لجرادات .

بالنسبة لسوريا يوضح جرادات، إنه قدتزايدت أهمية الجغرافيا السورية في معادلة الطاقة، لما في تلك الأراضي من مخزون غاز كبير، لذا ضغطت إسرائيل على مصر لربط حقولها بخط الغاز العربي وصولاً الى الغاز في مدينتي حمص ودير الزور وغيرها، ليكون ذلك استكمالا لخطط السيطرة على الغاز في المنطقة بشكل غير قانوني. 

وقد استغل الإحتلال الإسرائيلي الأوضاع في سوريا خلال الأعوام الماضية من أجل السيطرة على الغاز الطبيعي في كل الحقول التي تصب في"حوض الرقة" والذي يقدر حجم الإحتياط فيه بـ 241 بليون متر مكعب، والحاصل على المرتبة 41 عالمياً، بحسب دراسة لموقعTop 10 Countries By Proven Natural Gas Reserves

التقديرات العلمية تبين أن إحتياجأسواق دول مثل مصر والأردن لا تتجاوز 5% من كميات الاحتياط الموجودة، وأن استحواذ إسرائيل على هذه الثروات سيعزز من ميزانها المالي بمليارات الدولارات لسنوات قادمة، وبالتالي اشتعال فتيل حرب واسعة بالمنطقة لا يحمد عقبها، عنوان فتيلها "الطاقة".

وبحسب احصائية علمية لموقع شركة PRITISH PETROLEUM"برتش بتروليوم"فان احتياط الغاز في سوريا يبلغ 0.3 ترليون متر مكعب، وفلسطين المحتلة 0.4 ترليون متر مكعب، ومصر 2.1 ترليون متر مكعب، والجزائر 4.3 ترليون متر مكعب، قطر 24،7 ترليون متر مكعب.

المصدر: TRT عربي