أعطى برود جبهات المعارك في سوريا، منذ مارس/آذار 2020، فرصةً لروسيا، لمواصلة تجنيد سوريين لحماية مصالحها في البلاد، وهذه المرة بصفة حراسة أمنية في الداخل السوري، عدا عن تلك المستمرة خارج الحدود.

تزايدت المعطيات والتقارير الإعلامية، التي كشفت نشاطاً بارزاً لشركات أمنية محلية، ناطقة باسم شركات روسية، تعمل في مناطق نفوذ النظام السوري، بهدف تجنيد الرجال والشباب لحماية منشآت غاز ونفط تقع تحت إشراف روسيا وسط سوريا.

لقد استثمرت روسيا، الوضع الاقتصادي المتردي للشباب السوري، في إغرائهم للعمل ضمن مشاريع الشركات الأمنية التي تخدم مصالحها في حراسة حقول النفط والغاز بريفي حماة وحمص.

ووفقاً لتسجيل صوتي اطلعت عليه TRT عربي، نشره الإعلامي السوري، "نورس عزيز"، تحدث فيه أحد الوسطاء المحليين، عن تجنيد الشباب السوريين في أعمال حراسة تتبع الشرطة العسكرية الروسية بسوريا، مشيراً في التسجيل إلى أن أعداد المجندين بلغ 3500 شخص من محافظات "السويداء – اللاذقية – حمص – حلب – حماة- ريف دمشق).

وتشير التقارير الصحفية، إلى أن 500 شاب من السويداء، التحقوا بشركات الحراسة، عبر وسطاء محليين، حيث جرى إرسال ثلاث دفعات من محافظة السويداء حتى تاريخ 23 ديسمبر/كانون الأول 2020.

مغريات مالية

وقال أحد المجندين في تسجيل صوتي نُشر في تقرير إعلامي، عن طبيعة عروض روسيا ومخابرات النظام السوري، لإغراء شباب السويداء، وزجهم في شركات الحراسة التابعة لروسيا: "إن مهمتهم هي القيام بحراسات على خط للغاز وبئر نفط قيد التصليح بريف حماة، ويبعد 90 كم عن مركز المدينة، وتجري فيه عمليات صيانة بواسطة عمال روس".

وكشف المجند أن "الراتب أصبح ابتداء من مطلع عام 2021 حوالي 175 ألف ليرة سورية (أي ما يعادل 55 دولاراً أمريكياً) في الشهر الأول من التعاقد، ويرتفع إلى 200 ألف في الشهر الثاني، مع سلة غذائية بقيمة 60 ألف ليرة سورية، ووجبتَي طعام في اليوم، مع 10 أيام إجازة في الشهر يعود فيها الحارس إلى مدينته، مع تأمين حافلات خاصة لنقل الحراس ذهاباً وإياباً".

وتؤكد التسجيلات الصوتية، التي نشرتها صفحات مختصة بأخبار السويداء، أن "المسؤول عن عمليات تجنيد السوريين، هو الجنرال الروسي سيزر، وأن عمليات التدريب لهؤلاء المجندين، تتم على السلاح الثقيل ومدفع 57".

وتقع مراكز تجميع المرتزقة من مختلف المحافظات السورية، للعمل لصالح روسيا، في بيت سحم بريف دمشق، والسلمية بريف حماة، ومنبج وخناصر بريف حلب.

تسهيلات النظام السوري

وتمنح الحافلات التي تنقل هؤلاء المرتزقة إلى نقاط الغاز والنفط التي تشرف عليها روسيا في حماة، تسهيلات بمنع تفتيشها أو إيقافها من قبل حواجز النظام السوري، وذلك تحت مسمى "عناصر المقاومة الشعبية السورية"، وفق ما ورد في كتاب نشرته شبكات محلية سورية.

ويمنح الملتحقين بصفوف الحراسة، في مناطق وجود القوات الروسية لحماية المنشآت والثروات التي تسيطر عليها روسيا في سوريا، بطاقات أمنية، بعد شهر من توقيع العقد.

ووفقاً "لشبكة السويداء 24"، فإن شركة "الصياد لخدمات الحراسة والحماية"، المدعومة روسياً، عملت عبر وكلائها في محافظة السويداء على تجنيد العشرات إلى جانب الشرطة العسكرية الروسية في مواقع حقول الغاز بريف حمص، وفي "خناصر" بريف حلب، ونقاط تفتيش أمنية، في ريف دير الزور، بمعدل دوام 20 يوماً، مقابل عطلة مدتها 10 أيام.

تقرّب روسي

ويجري ضباط من القوات الروسية، اجتماعات دورية، مع شخصيات اجتماعية نافذة في محافظة السويداء الواقعة جنوب غرب سوريا، وذات الأغلبية الدرزية، والتي يقتصر نفوذ النظام السوري فيها على مبان حكومية، وقطع عسكرية بريفها.

وتهدف روسيا من تلك الاجتماعات، إلى محاولة إجراء تسويات للشباب الفارين والمتخلفين عن الخدمة الإلزامية في صفوف قوات الأسد، في محافظة السويداء، التي تسيطر عليها فصائل محلية.

وفي هذا السياق تؤكد شبكة "السويداء 24"، أن "عدد المطلوبين للخدمة الإلزامية في السويداء يبلغ قرابة 12500 شخص، وعدد المطلوبين للخدمة الاحتياطية حوالي 10000 شخص".

عوامل اقتصادية

وأرجع الكاتب والصحفي المنحدر من محافظة السويداء، حافظ قرقوط، في تصريح خاص لـTRT عربي، أبرز العوامل المحلية والأسباب التي تجعل من شباب السويداء عناصر حراسة مأجورين بيد الروس: " لسوء الوضع المعيشي والاقتصادي، بسبب محاصرة السويداء من قبل نظام الأسد، وتربص الأخير بالشبان فيها، المتخلفين أصلاً عن أداء الخدمة الإلزامية".

إضافة إلى: "غياب فرص العمل في السويداء، والصناعات، ومحدودية أماكن الزراعة، فضلاً عن أن الحالة التجارية فيها ضعيفة، ما دفع روسيا لاستغلال كل ذلك لتغري الشباب ببعض المنافع المادية البسيطة، وبحث هؤلاء الشباب عن الراتب المعيشي، وتجندهم لصالحها"، وفق الصحفي قرقوط.

ويرى مراقبون للشأن السوري، أن النظام السوري، استفاد من عمليات تجنيد روسيا للسوريين، سواء في الداخل، أو للقتال في الخارج مثل ليبيا، في ضبط الرافضين للقتال في صفوف قواته، ما يضمن له تنظيم هؤلاء ضمن التشكيلات العسكرية التي ترعاها حليفته روسيا في سوريا.

وعلى الرغم من أن روسيا أسهمت بشكل فعال بمنع سقوط حليفها بشار الأسد، ومكنته من استعادة السيطرة على مساحات واسعة من سوريا، إلا أنها تكبدت نفقات عسكرية كبيرة لتحقيق ذلك، ولم تحصل على عوائد مالية من النظام الذي يعاني لسنوات من تدهور اقتصادي ونفقات عسكرية كبيرة، وزاد الخناق الاقتصادي عليه، بعد أن طبقت واشنطن عقوبات قانون قيصر، في 17 يونيو/حزيران 2020.

وحسب عدد من الدراسات والتقارير، فإن معدل النفقات العسكرية الروسية في سوريا يبلغ بين 3 إلى 4 ملايين دولار يومياً وهذا يعني 5 إلى 7 مليارات دولار منذ تدخلها.

ومن الجهات التي أجرت تلك الدراسات، مؤسسة البحوث الدولية "اي اتش اس" ومركزها لندن، وفي روسيا نفسها، مثل تقرير لحزب "يابلوكو" المعارض وصحيفة غازيتا، وفق ما نقلت وكالة الأناضول.

تكاليف أقل

وفي هذا السياق، عزا الخبير والمحلل العسكري السوري، العقيد أديب عليوي، في تصريح لـTRT عربي، أسباب تجنيد روسيا لشباب سوريين لحماية حقول غاز ونفط في سوريا، لكونها: "هي المحتل رقم واحد في سوريا، وبالتالي هي من تسيطر على مقدراتها، وقرار السلم والحرب، وحتى القرار العسكري والسياسي، والاقتصادي، وضمن هذا تقوم روسيا باستغلال القوة البشرية السورية".

ولفت العقيد خلال حديثه إلى أن "روسيا منذ تدخلها في سوريا أواخر عام 2015، جلبت إلى جانب الجنود والضباط الروس، عناصر من مرتزقة شركة فاغنر القتالية، ونظراً لارتفاع رواتب هؤلاء، فإن روسيا نجحت في تجنيد سوريين بمبالغ مالية قليلة جداً، تتراوح ما بين 50 إلى 100 دولار، لحماية مصالحها في سوريا".

عقود تعويض

ويمكن القول، إن جلّ ما حصلت عليه روسيا اقتصادياً من سوريا، هي عقود طويلة الأجل في مجالي النفط والغاز، فقد عقدت شركات روسية عدة اتفاقيات مع نظام الأسد، للتنقيب واستخراج النفط والغاز من الحقول المتبقية في يد النظام، على اعتبار أن معظم الحقول الغنية وأغزرها تقع في شرق البلاد، وتسيطر عليها مليشيات PPK، وبدعم وحماية أمريكية كبيرة.

كذلك وقعت روسيا مع النظام السوري، اتفاقيات لترميم وتطوير المنشآت النفطية، إضافة إلى عقود لتنفيذ مشاريع لتوليد الطاقة واستخراج الثروات المعدنية.

وفي عام 2019، وقعت وزارة النفط التابعة للنظام السوري عقداً مع شركتي ميركوري وفيلادا الروسيتين، كما حصلت شركة ستروي ترانس على أحقية التنقيب واستخراج الفوسفات من المنطقة الشرقية الواقعة جنوب مدينة تدمر السورية، وعقد تأجير مرفأ طرطوس لشركة STG ENGENEERING لمدة 49 عاماً.

كما وقعت عقوداً في مجال الطاقة، في مدينة حمص، مارس/ آذار 2018 بين النظام وشركات روسية، وعقد آخر لإنشاء خط حديدي يصل مطار دمشق بمركز المدينة.

TRT عربي