الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (Others)
تابعنا

تعاني إثيوبيا صراعاً دمويّاً دامَ عامين بين جيشها الفيدرالي والمتمردين في منطقة تيغراي، مما أضرّ بالحياة الاقتصادية للبلاد وأدّى إلى نقص حادّ في الغذاء. وقد أدى الصراع إلى تفاقم أزمة الجوع في البلد الذي ضربه الجفاف، وهو موطن ثاني أكبر عدد سكان في إفريقيا إذ يبلغ عدد سكانه 117 مليون نسمة.

لكن الطرفين استطاعا الجلوس إلى طاولة المفاوضات أخيراً في بريتوريا بجنوب إفريقيا، وهو أول اتصال رسمي بينهما منذ اندلاع الصراع.

يهدف الحوار إلى إيجاد وقف دائم لإطلاق النار وتمكين الجهات المختصة من إعادة تفعيل الخدمات الأساسية في بلاد بات ينتشر فيها انقطاع الكهرباء والإنترنت باستمرار. وتستمر محادثات السلام الإثيوبية تحت رعاية فريق الوساطة التابع للاتحاد الإفريقي.

زادت تركيا، ثاني أكبر دولة مستثمرة في إثيوبيا بعد الصين، مساعداتها الإنسانية لتقليل التداعيات الإنسانية في المناطق المتضررة من الصراع. لطالما حثّت أنقرة الجانبين على التصالح، معتبرة المحادثات التي تستضيفها جنوب إفريقيا خطوة في الطريق الصحيح.

الجهود الإنسانية التركية

يلفت مصدر في وزارة الخارجية التركية، يرغب في عدم الكشف عن هويته لأسباب دبلوماسية، الانتباه إلى الاتجاه المتزايد للمساعدات الإنسانية التي ترسلها تركيا إلى إثيوبيا.

شهِد بعض الأوقات صعوبة في إرسال المساعدات الإنسانية إلى تيغراي. في ذلك الوقت كانت تركيا نشيطة للغاية لتسهيل المساعدات الإنسانية الوصول إلى تيغراي، وإرسال رسائل إلى الحكومة الفيدرالية لفتح ممرات إنسانية، على حد قول المصدر، مضيفاً: "نحن دائماً على استعداد لبذل مزيد".

وقال المصدر إن المنظمات غير الحكومية التركية من الهلال الأحمر إلى إدارة الكوارث والطوارئ وغيرها، عملت بجدّ لتقديم المساعدات الإنسانية لتيغراي وغيرهم من الإثيوبيين.

يقول المصدر: "كان الحصار الذي تعرضت له تيغراي من أشد الحصارات صرامة في التاريخ الحديث"، في إشارة إلى أزمة الغذاء ونقص الكهرباء على نطاق واسع وانقطاع الإنترنت وتعليق الأنشطة المصرفية.

يقول يونس تورهان، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة حاجي بيرم فيلي في أنقرة وخبير شؤون إفريقيا، إنه من خلال تقديم المساعدة لكل من تيغراي والإثيوبيين الآخرين، أظهرت تركيا للجميع نهجها المختلف.

"ليس فقط من خلال قول (السلام)، ولكن أيضاً من خلال تقديم المساعدات الإنسانية لكلا الجانبين، مما ساعد الأطراف المتحاربة على التحرك نحو حلّ سلمي".

زادت الجهود الإنسانية التي تبذلها تركيا لإثيوبيا تدريجياً بالتوازي مع الدور الرائد لأنقرة من حيث المساعدات الدولية، التي لا تزال واحدة من أكبر الجهات المانحة في جميع أنحاء العالم. في عام 2020 استحوذت تركيا على 26 في المئة من المساعدات الإنسانية العالمية، إذ أنفقت 8.04 مليار دولار، وفقاً لمبادرات التنمية التي تتّخذ من المملكة المتحدة مقرّاً لها.

ويضيف المصدر: "بلا أي خوف، جلبت المنظمات غير الحكومية التركية المساعدات التي وصلت إلى جميع أنحاء إثيوبيا".

"تحييد نشط"

تركيا تريد بالتأكيد السلام والاستقرار في إثيوبيا لأسباب مختلفة، أولاً وجود علاقات تاريخية وودية مع إثيوبيا، وثانياً وجود كثير من الاستثمارات في البلاد، "كما يقول المصدر التركي، استثمرت أكثر من 150 شركة تركية في جميع أنحاء إثيوبيا في قطاعات مختلفة، من البناء إلى النسيج".

بالنسبة إلى تركيا، فإن إثيوبيا تشكل جزءاً من مفهومها الاستراتيجي لبناء "شرق أوسط أكبر"، حسب المصدر التركي.

يقول المصدر لـTRT World: "أي حالة من عدم الاستقرار في إثيوبيا يمكن أن تنتشر إلى مناطق أخرى، ولها عواقب في جميع أنحاء الشرق الأوسط".

يشير المصدر أيضاً إلى حقيقة مهمة مفادها أن كثيراً من الاستثمارات التركية في إثيوبيا جاء خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وهي الفترة التي سيطر فيها حزب تيغراي من خلال جبهة تحرير تيغراي الشعبية، وهو حزب سياسي رائد، على الائتلاف الحاكم في البلاد في تلك الفترة.

أنهى صعود الرئيس آبي أحمد إلى السلطة في 2018 حكم الجبهة الشعبية لتحرير تيغري، مما أدى إلى اندلاع صراع على السلطة. آبي هو مناصر قويّ للنظام المركزي، في حين أن جبهة تحرير شعب تيغراي TPFL تُعَدّ مدافعة عن التعدُّدية.

من وقت إلى آخر، شهد الصراع الذي استمرّ عامين انقلاباً مفاجئاً في مصير كلا الجانبين. في العام الماضي، عبرت TPFL الأراضي الإثيوبية بالقرب من أديس أبابا، لكن في الآونة الأخيرة حققت القوات الفيدرالية مكاسب كبيرة، حتى إنها استولت على عديد من المدن الكبيرة في منطقة تيغراي، مما أجبر TPFL على إطلاق دعوة من أجل السلام.

يقول مصدر وزارة الخارجية التركية إن تركيا تتعامل مع جميع الأعراق المختلفة في إثيوبيا من مسافات متساوية.

يصف تورهان السياسة التركية تجاه الصراع الإثيوبي بأنها "الحياد النشط"، الذي يصل إلى كلا الجانبين لإقناعهما بالتحرك نحو تسوية سلمية.

جهود الوساطة

في العام الماضي في ذروة التوترات الإثيوبية، زار آبي تركيا والتقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، كما أجرى وزير خارجية إثيوبيا محادثات مع نظيره التركي على فترات متكررة، حسب المصدر، الذي أشار أيضاً إلى أن الدبلوماسيين الأتراك في إثيوبيا أظهروا اتساقاً ملحوظاً في التواصل مع طرفَي الصراع في مراحل مختلفة من الصراع.

كانت زيارة أبي في أغسطس/آب حاسمة لتطوير عملية سلام بين الجانبين لأنه كان إلى حد كبير معزولاً في ذلك الوقت. خلال الزيارة، نصح أردوغان آبي بالنظر في حلّ سلمي للصراع.

قال تورهان لـTRT World: "على عكس الدول الأخرى، التي فضّلَت عزل رئيس الوزراء آبي، أبقت تركيا قنوات الاتصال مفتوحة معه، وأثبت هذا النهج تأثير أنقرة على القيادة الإثيوبية ودفع أبي أحمد إلى التفكير جديّاً في حلّ سلمي مع تيغراي".

من ناحية أخرى كان الدبلوماسيون الأتراك "على الأرض" دائماً، يقصدون مناطق مختلفة من عفار إلى أمهرة والصومال، والبقاء على اتصال مع السلطات الإقليمية في تيغراي، حسب المصدر في وزارة الخارجية.

"رسالتنا إلى الجميع كانت دائماً هي نفسها: الرجاء صنع السلام"، يضيف المصدر.

وقال المصدر إن أنقرة عرضت مساعيها الحميدة على الجانبين ودعتهما إلى تركيا لإجراء محادثات سلام. في الآونة الأخيرة، في النزاع الأوكراني، سهّلَت جهود الوساطة التركية بعض الخطوات الحاسمة التي مهدت الطريق في النهاية لصفقة حبوب تاريخية في إسطنبول، وكذلك تبادل الأسرى بين الأطراف المتحاربة.

يقول المصدر: "أخبرنا الحكومة الفيدرالية والتغراي أن تركيا مستعدة لكل شيء"، يقول المصدر إن لدى تركيا كثيراً من الخبرات والعلاقات مع كلا الجانبين على عكس عديد من الجهات الفاعلة الأخرى.

بعد عديد من المناقشات الخلفية، قرّر الإثيوبيون إجراء محادثات تحت رعاية الاتحاد الإفريقي، الذي يقود فريق الوساطة التابع له الرئيس النيجيري السابق أولوسيغون أوباسانجو، بدعم من الرئيس الكيني السابق أوهورو كينياتا ونائب رئيس جنوب إفريقيا السابق فومزيل ملامبو-نجوكا.

ويشارك ممثلون من الأمم المتحدة والولايات المتحدة والهيئة الحكومية الدولية للتنمية (إيغاد)، وهي مجموعة تجارية إفريقية من ثماني دول، في محادثات السلام بصفة مراقب. وبينما أراد الاتحاد الأوروبي أن يكون مشاركاً في محادثات بريتوريا، لم يسمح لهم الإثيوبيون بحضور الاجتماعات.



TRT عربي