الرئيس التركي رجب طيب أردوغان  / صورة: AA (AA)
تابعنا

شهد العام أيضاً بعض مبادرات السلام الحاسمة المنبثقة عن تركيا، العضو في الناتو، التي لها اتصالات مشتركة مع روسيا حول نزاعات مختلفة مثل سوريا وأوكرانيا، وذلك من أجل إيجاد أرضية مشتركة بين كييف وموسكو.

كانت جهود السلام التركية مثمرة مع بعض النتائج المهمة، مثل صفقة الحبوب التاريخية وتبادل أسرى الحرب بين روسيا وأوكرانيا. أطلقت أنقرة أيضاً مبادرات دبلوماسية مهمة أخرى لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل ومصر، وهما دولتان مهمتان في الشرق الأوسط، تدهورت علاقاتها معهما في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

يعتقد غريغوري سيمونز، الأستاذ المشارك في معهد الدراسات الروسية والأوروبية الآسيوية في جامعة أوبسالا، أن عام 2022 كان "لحظة حاسمة" لتركيا، التي "تمكنت من التفاوض بشأن إنجازات لا يمكن لأي بلد آخر إتمامها".

ووفقاً لسيمونز ألفٍ فإن "مثال أوكرانيا باعتبارها مساحة جيوسياسية قلقة بين الولايات المتحدة وروسيا قد شهد أداء تركيا دور الوسيط النزيه في الصراع"، الأمر الذي أعاد تأكيد حكمة البلاد في إنشاء وتطوير دور مستقلّ للتوازن، والوسيط في العصر الحالي الذي يتصف بنزعة عالية من المخاطر وعدم اليقين.

شارك أقار في اجتماع ثلاثي ضم وزراء دفاع ورؤساء أجهزة الاستخبارات في تركيا وروسيا وسوريا (AA)

على عكس عديد من الدول الغربية الأخرى، أدّى عمل أنقرة الجادّ وإصرارها على المسارات السياسية والاقتصادية، إلى إحراز تَقدُّم مثل اتفاقية شحن الحبوب "في صراع جيو-اقتصادي وجيو-سياسي مدفوعاً بنزعات عاطفية حاسمة"، مما يُظهِر موقف أنقرة المتنامي كفاعل رئيسي، حسب ما قال سيمونز لـTRT World.

في عام 2022، برزت تركيا باعتبارها "أهمّ جهة تسعى لتوطيد السلام في العالم، إذ تركت بصماتها على مدار العام"، كما يقول مسعود حقي كاسين، أستاذ القانون الدولي في جامعة يديتيب، مشيراً إلى الجهود التركية لمعالجة الصراع في أوكرانيا.

قال كاسين لـTRT World: "بينما نجحت تركيا في إثبات سياستها الحيادية في حرب أوكرانيا، تماماً كما فعلت في الحرب العالمية الثانية، فقد لعبت دور الوسيط في الصراع كما هو منصوص عليه في المادة 33 من ميثاق الأمم المتحدة". خلال الحرب العالمية الثانية بقيت أنقرة على الحياد بين قوات الحلفاء ودول المحور التي تقودها ألمانيا النازية، وتجنبت بالتالي وقوع أي أضرار.

سياسة أوكرانيا

على الرغم من الضغط الكبير من الولايات المتحدة وأوروبا، رفضت تركيا أن تكون جزءاً من العقوبات الغربية على روسيا، معتقدة أن التحدث مع موسكو أفضل من عزلها. لكن في الوقت نفسه، حثّت تركيا روسيا على الانسحاب من جميع الأراضي الأوكرانية المحتلة، ودافعت بشدة عن وحدة أراضي كييف.

لقد أظهرت حرب أوكرانيا أن "تركيا في القرن الحادي والعشرين تتبع مساراً خارجياً وأمنياً مختلفاً اختلافاً جوهرياً عن المسار الذي لعبته خلال الحرب الباردة"، كما يقول سيمونز. في هذا المسار تعمل أنقرة كجسر بين بين الغرب وباقي العالم، كما يقول.

على عكس الماضي، عندما اتبعت أنقرة سياسة خارجية سلبية، أظهر الرئيس رجب طيب أردوغان تركيا بكل إمكانياتها السياسية والعسكرية للبلاد في الساحة الدولية من أوكرانيا إلى آسيا الوسطى.

يقول كاسين: "الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هو الزعيم الوحيد القادر على التحدث مع كل من فلاديمير بوتين وفولوديمير زيلينسكي، والعمل على تطوير نوع من التقارب بين الجانبين".

إلى جانب جهود الوساطة التركية، اتخذت أنقرة خطوة حاسمة لإغلاق مضايقها أمام كل من السفن الحربية الروسية وحلف شمال الأطلسي بما يتماشى مع اتفاقية مونترو، التي تنظم وضع القنوات التركية المائية. يقول كاسين: "من خلال هذا الإجراء الحاسم، حالت تركيا دون انتشار حرب أوكرانيا إلى مناطق أخرى خاصة في البحر الأسود".

كما أدّى هذا الإجراء بحسم إلى وضع حدود في الصراع بين روسيا والغرب، مما حدّ من التوترات بين الجانبين، وفقاً للأستاذ التركي.

يعتقد يسار ساري، الخبير في مركز حيدر علييف الأوراسي للأبحاث بجامعة ابن خلدون، أن الجهود الدبلوماسية التركية "أبقت الصراع في أوكرانيا محدوداً"، مما منع الحرب من التحول إلى صراع إقليمي.

إلى جانب الصراع في أوكرانيا، أظهرت تركيا مهاراتها في الوساطة في نزاع صعب آخر بين أرمينيا وأذربيجان بشأن نزاع كاراباخ، وحثّت كلّاً من يريفان وباكو على إيجاد أرضية مشتركة لمعالجة خلافاتهما.

في أكتوبر/تشرين الأول الماضي لعب أردوغان دوراً حاسماً لتحقيق محادثات سلام حاسمة بين القادة الأذربيجانيين والأرمن في براغ على هامش اجتماع للاتحاد الأوروبي.

تطبيع في الشرق الأوسط

خلال عام 2022 عملت تركيا جاهدة أيضاً على تهدئة التوترات في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وإعادة تأسيس علاقاتها مع مصر وإسرائيل وتعزيز علاقاتها مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

منذ الغارة الإسرائيلية عام 2010 على سفينة "مافي مرمرة"، وهي سفينة مساعدات تركية متوجهة إلى غزة، التي تواجه منذ فترة طويلة حصاراً من تل أبيب، شهدت العلاقات التركية-الإسرائيلية تدهوراً في مستواها. في عام 2013 قُطعت العلاقات الدبلوماسية التركية-المصرية بعد أن أطاح انقلاب قاده الجنرال الذي تحول إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي بأول حكومة منتخبة ديمقراطياً في البلاد.

لقد كانت المبادرات الدبلوماسية التركية ناجحة للغاية في فتح صفحة جديدة مع جميع القوى الإقليمية في المنطقة. هذا جزء من اتجاه أوسع في المنطقة لمحاولة إبقاء القنوات الدبلوماسية مفتوحة بين اللاعبين الرئيسيين"، كما تقول جاليا ليندنشتراوس، باحثة أولى في معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، وهو مؤسسة فكرية إسرائيلية.

وحسب ليندنشتراوس، فإن تطبيع أنقرة مع إسرائيل يشير إلى عمق الجهود الدبلوماسية التركية المستمرة في الشرق الأوسط.

"كانت عملية التطبيع مع إسرائيل جديرة بالملاحظة، لأنه على عكس جهود التطبيع لعام 2016، كان هذه المرة عديد من الزيارات رفيعة المستوى، مما يشير إلى وجود أرضية أكثر صلابة للتطبيع الحالي"، حسبما قالت ليندنشتراوس لـTRT World .

في مارس/آذار الماضي التقى الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ الرئيس أردوغان في زيارة رفيعة المستوى لتركيا. في سبتمبر/أيول عُقد اجتماع آخر رفيع المستوى بين رئيس الوزراء الإسرائيلي يائير لبيد وأردوغان على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، كما أشار أردوغان إلى رغبته في زيارة إسرائيل بعد انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني.

كان نهج الاجتماعات رفيعة المستوى هذه من أجل توطيد العلاقات بين تركيا والدول الأخرى واضحاً أيضاً في عملية تطبيع تركيا مع مصر. في الشهر الماضي التقى أردوغان مع السيسي في قطر قائلاً إنه "لا ينبغي أن يكون في السياسة استياء"، في إشارة إلى التوترات السابقة بين الدولتين في أعقاب ثورات الربيع العربي.

إنه نهج يمكن أن يذهب أبعد من ذلك في الشرق الأوسط الذي يعاني عدم الاستقرار. وقال الرئيس التركي: "في الفترة المقبلة، مثلما دخلت (تركيا) مسار (التطبيع) مع مصر، يمكنها أيضاً الدخول في مسار (تطبيع) آخر مع سوريا". وكانت العلاقات بين أنقرة ودمشق انقطعت في أعقاب اندلاع الحرب الأهلية السورية، مما أدَّى إلى تدفق ملايين اللاجئين إلى تركيا.

خلال عام 2022 التقى أردوغان أيضاً رئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في أبو ظبي ومحمد بن سلمان في أنقرة، مما أظهر التزامه تعزيز العلاقات المتوترة سابقاً مع البلدين الخليجيين.



TRT عربي
الأكثر تداولاً