ينتشر اعتقاد سائد في المنطقة العربية والعالم بأن اليهود هم من يسيطرون على على صناعة السينما في هوليود، وبالتالي صناعة الرأي. وتذهب بعض الإحصائيات الدّاعمة لذلك الرأي إلى أن أكثر من 90% من إجمالي العاملين في قطاع السينما الأمريكية هم من اليهود.

صحيح أن كبريات شركات الإنتاج السينمائي الأمريكية مثل "يونيفرسال"، أو "بارامونت"، أو "فوكس"، أو "مترو غولدن ماير"، أو "الإخوان وارنر"، أسسها يهود، لكن الصحيح أيضاً أن تلك الشركات لم تعد منذ زمن ليس بالقصير مجرد إقطاعيات لبث وجهات نظر مُلّاكها، بل والأكثر من ذلك أنه تمّ الاستحواذ عليها من طرف شركات أخرى. فعلى سبيل المثال أفلست مؤسسة "مترو غولدن ماير"، ليستحوذ عليها رجل الأعمال، كغرل كيركوريان، الذي يُعدّ أحد مليارديرات صناعة السياحة، وكانت أولى خطواته هي بيع أصولها وأراضي الأستوديوهات، بل وحتى ملابس الممثلين في المزاد العلني. واشترت مؤسسة "الفنون السبعة" شركة "الإخوان وارنر"، ثم ما لبثت أن باعتها لشركة "وارنر للاتصالات". واستولت شركة "الخليج والغرب"، وهي أخطبوط تجاري متعدد الجنسيات، على شركة "بارامونت". ولم يكن مصير شركة "يونيفرسال" أحسن حظاً، إذ استحوذت عليها مؤسسة "أم سي إي"، التي تُعدّ أهم وكالة لرعاية شؤون الفنانين. ونجح مالك الشركة، ليو واسرمان، في فرض عقلية أعمال جديدة من خلال حصول الممثلين الذين يعملون مع وكالته على نسبة من أرباح الأفلام، وهو ما كان مردوده إيجابياً عليهم بعد إنهاء النظام الإقطاعي القديم الذي كان سائداً مع ملّاك الشركة السابقين. أما شركة "كولومبيا هاري كوهن" للإنتاج السينمائي، فلم يكن مصيرها أفضل، حيث سقطت آخر قلاع اليهود الهوليودية لتشتريها مجموعة "كوكاكولا". وقد تناول هذا الموضوع بكثير من التفصيل والتحليل الكاتب والصحفي الأمريكي، نيل غابلر، في كتابه "هوليوود إمبراطورية اليهود".

وبتحوّل ملكية شركات الصناعة السينمائية التي تمتلك القدرة على صناعة الرأي من مؤسسيها اليهود إلى شركات وصناديق استثمار متعددة الجنسيات لا تملك أيديولوجيا سياسية أو خلفية دينية محددة، بقدر ما يهمها تحقيق الأرباح والعائدات المالية، تكون هوليود قد تخلّصت من الهيمنة اليهودية المباشرة.

عارضة الأزياء ذات الأصول الفلسطينية بيلا حديد تتضامن مع فلسطين (Others)

وبما أن شيئاً ما تغيّر في هوليود، ليس فقط على الصعيد المالي بتغيّر ملاك كبريات شركاتها، لكن أيضاً في الجانب الأخلاقي بعد تفجّر فضيحة الاستغلال الجنسي التي أطاحت بأسماء بارزة في عالم الفن السابع أمثال، بن أفليك، وديفيد بلاين، ودستن هوفمن، وستفين سيغال، وجيمس توباك، وكيفن سبيسي، وهارفي واينستين، وإد ويستويك، وغيرهم، فإن هوليود قد دخلت مرحلة تغيير جديدة. أما الهزة الأخلاقية الثانية والتي دفعت هوليود إلى إعادة النظر في هويتها فتمثلت في تحطيم جدار العنصرية والتمييز ضد السود الذي تلقى أول ضربة بمنح ممثلين أسودين وهما، هالي بيري ودينزل واشنطن، أهم جائزتي لأوسكار سنة 2001. وحاولت هوليود بذلك البدء في مسار القطع مع عقود طويلة من العنصرية والتمييز الذي طال الممثليين السود في السينما الأمريكية.

ويكفي التذكير بأنه خلال العقدين الأولين من القرن الماضي، وبينما كانت السينما تتحوّل إلى صناعة وفن مستقل بذاته، كان المخرجون البيض يُطْلون وجوه ممثلين بيض بالأسود لمنع ظهور الممثليين السود. وبالإضافة إلى ذلك، كانت الأدوار التي تُمنح لذوي البشرة السوداء تقتصر على المجرمين والقتلة مع تصويرهم ككسالى ومتشردين. وكفى أن نستشهد هنا بفيلم المخرج، ديفيد غريفيث، سنة 1915 بعنوان "مولد أمة". وتدور فكرة الفيلم حول اغتصاب رجل أسود لفتاة بيضاء، في محاولة لترسيخ صورة نمطية عن السود في أذهان الجمهور.

كانت هذه المحطات الثلاث مفصلية وكفيلة بهزّ عرش هوليوود وجعلها تُراجع مبادئها وقيّمها وحتى تُغيّر سلوكها لتصحيح ما وقعت فيه من أخطاء في الماضي.

ومع العدوان الإسرائيلي على غزة، بدأت إرهاصات المحطة الرابعة من تغيير هوليوود بخروج نجومها من مظلة الخوف والصمت. فعلى غير العادة، عبّر الكثير من نجومها ومشاهيرها عن إدانتهم للعدوان الإسرائيلي على غزة، مُعلنين آراءهم المتضامنة مع الفلسطينيين، وهو ما يتقاطع مع الاعتقاد السائد بسيطرة اليهود على كل مفاصل شركات الإنتاج الفني وخاصة السينمائي في هوليود، وعلى الجوائز العالمية للمهرجانات السينمائية والغنائية.

وفي السياق ذاته، أعلنت الفنانة الأمريكية الحاصلة على جائزة الأوسكار، فيولا ديفيس، عن تعاطفها وتضامنها المطلق مع سكان حي الشيخ جراح بالقدس المحتلة. وأرفقت ذلك الموقف بصور على حسابها في إنستغرام تشرح فيها معاناة أهالي الحي مع التهجير الإسرائيلي.

وسبق للممثل والمخرج الأمريكي، مارك رافالو، أن أطلق عريضة إلكترونية تطالب بفرض عقوبات على الاحتلال الإسرائيلي على غرار العقوبات التي فُرضت على نظام الأبارتهايد في جنوب إفريقيا. وجمع نجم هوليود أكثر من 2.5 مليون توقيع في أقل من ستة أيام. وجاء التضامن مع القضية الفلسطينية من مشاهير آخرين أمثال، إدريس ألبا، وجون كوزاك، وسوزان سراندون، ولانا هيدي، ومايكل بي جوردان وآني ماري.

وقد تداول هؤلاء رسالة مؤثرة باللغة الإنجليزية مفادها أن "المرء لا يستطيع الدفاع عن المساواة العرقية، وحقوق مجتمع الميم، وإدانة الأنظمة الفاسدة والمسيئة وغيرها من أشكال الظلم، ومع ذلك يختار تجاهل الاضطهاد ضد الفلسطينيين. إنه أمر غير معقول. لا يمكنك انتقاء أي من حقوق الإنسان الأكثر أهمية". وعلى سبيل المثال لا الحصر، شارك الممثل الأمريكي من أصول إفريقية، مايكل بي جوردان، تلك الرسالة مع متابعيه على إنستغرام الذين يزيد عددهم على 17 مليوناً.

ومعلوم أنه قبل سنوات، لم يكن إظهار الدعم للقضية الفلسطينية بين أوساط النخب الفنية ومشاهير هوليود أمراً معتاداً، حيث كانت تسيطر عليهم خشية الاتّهام بمعاداة السامية، ناهيك عن معاقبتهم من طرف شركات الإنتاج بإقصائهم. ويبدو أننا أمام تحوّل جديد لا تخطئه العين، وهو ما سيساهم، من دون شك، في كسر القيود والتعتيم المفروض على الفلسطينيين والقضايا العادلة داخل أوساط النخب والمجتمع الأمريكي.

ولا ينقص من تلك المواقف تراجع بعض المشاهير عن مواقفهم التي حذفوها بعد وقت وجيز كما فعلت المغنية الشهيرة ريهانا، باريس هيلتون أو نجم الدوري الأمريكي للمحترفين، دوايت هاورد، إذ ظلّ معظم من أعلنوا عن مواقفهم ثابتين عليها ولم يتزحزحوا قيد أنملة.

وبعيداً عن هوليود، أعرب العديد من النجوم والمشاهير الأتراك عن تضامنهم التامّ مع فلسطين ضد الجرائم الوحشية للاحتلال الإسرائيلي.

وغرّدت الممثلة التركية الشهيرة، هازال كايا، المعروفة في الوطن العربي باسم "فريحة" عبر حسابها في “تويتر”، مخاطبة المستوطنين: “لا دين ولا عرق ولا جنس عندكم إلا الشّر فاغرقوا في شرّكم أنتم ترتكبون جريمة بحق الإنسانية". كما علّق الممثل التركي الشهير، كان يلدريم، على صورة لأحد جنود الاحتلال أثناء اعتقاله لشاب فلسطيني بطريقة وحشية، قائلاً: "العالم الذي تكلم فوراً عند جريمة العنصرية، الآن يمارس أكبر عنصرية"، وهو الموقف ذاته الذي عبّر عنه الممثل الشهير، علي بوراك جيلان.

وعلى ذلك النحو سارت المغنيتان الشهيرتان، هاديسا، وجولبان إرجان، وغيرهما.

وفي المنطقة العربية، أعلن نجوم ومشاهير كبار عن تضامنهم مع الفلسطينيين كمحمد هنيدي وراغب علامة وجورج وسوف وإليسا ومحمد صلاح ومحمد عساف وشكران مرتجى، والقائمة تطول.

TRT عربي
الأكثر تداولاً