ما إن دخل لبنان المرحلة الثانية لتخفيف إجراءات الإقفال العام في البلاد من جراء جائحة كورونا، حتى سجلت الليرة اللبنانية انهياراً غير مسبوق في سعر الصرف.

انعكس ذلك في حالة غليان شعبي عمت مختلف الشوارع اللبنانية، تجسدت في مظاهرات غضب وقطع للطرقات الرئيسية رُفعت فيها دعوات من قبل المحتجين لتغيير الطبقة السياسية الحاكمة، محملينها المسؤولية الكاملة عن تردي الأوضاع الاقتصادية وتدهور قيمة العملة المحلية أمام سعر الصرف.

تطبيقات تحدد سعر الصرف

"هناك رابط ميكانيكي، كلما فتحت البلاد مؤسساتها زاد الطلب على الدولار"، بهذا التحليل يجيب الخبير الاقتصادي اللبناني جاسم عجاقة عن تساؤلات الكثير من المواطنين حول ارتفاع سعر صرف الدولار بالتزامن مع تخفيف إجراءات التعبئة العامة في لبنان.

وخلال حديثه لـTRT عربي، يبرر عجاقة "ارتفاع سعر الصرف بوتيرة كبيرة باحتمالية التلاعب بالسوق من قبل أشخاص يسيطرون على تطبيقات تصريف الأموال الموجودة على الهواتف الخلوية. فالأرقام ليست نتيجة السوق، إنما السوق يتّبع الأرقام الموجودة على تطبيقات الهواتف، وبالتالي فالمسؤولون عن هذه التطبيقات هم من يضعون الأرقام ويتحكمون بسعر الصرف" .

ويرى أن "إغلاق الطرقات اللبنانية خيار غير منطقي وغير اقتصادي. مثلاً لو زاد سعر صرف اليورو مقابل الدولار فلن يقوم الشعب الأمريكي بالنزول إلى الشوارع وبإغلاق الطريق ليضغط على اليورو حتى ينخفض! هذا طرح ليس دقيقاً. يمكننا أن نقول إن الناس يقومون بهذا الفعل لأنهم جائعون".

ويلفت عجاقة إلى أن "هناك قرارات تم اتخاذها في قصر بعبدا خلال اجتماع أمني واقتصادي ومالي، على أساسه سيتم ملاحقة من يضاربون بسعر صرف الدولار على تطبيقات الهواتف، وهذا القرار اتُخذ نتيجة التظاهرات التي حصلت على الأرض، وبالتالي سيتم التخفيف من المضاربة على الدولار، ما يمكن أن ينعكس في انخفاض قيمته قليلاً".

الليرة اللبنانية في خطر

ومنذ انطلاق الاحتجاجات اللبنانية في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2019 وصولاً إلى يومنا هذا، فقدت الليرة اللبنانية أكثر من 80% من قيمتها المصرفية. الأمر الذي يؤثر سلباً في الواردات التي يعتمد عليها لبنان بشكل كبير منذ الحرب الأهلية الممتدة ما بين 1970 و1990.

يعزو الصحافي اللبناني المتخصص في الشأن الاقتصادي، خالد أبو شقرا، ذلك إلى أن "الليرة اللبنانية أصبحت كأي سلعة معرضة للعرض والطلب. ونحن اليوم 90% من حاجاتنا تعتمد على الاستيراد من الخارج، لذا نحن بحاجة إلى الدولار بشكل ضروري. أعتقد أن التُّجار يحولون كل ليرة من الزبائن إلى دولار حتى يعودوا ليستوردوا بعد ذلك من الخارج بضائع بدل التي باعوها".

#HFT77 : الليرة اللبنانية تسجل انخفاضاً قياسياً أمام الدولار (AFP)

ويضيف خلال حديثه لـTRT عربي: "المنصات التي تتم ملاحقتها اليوم والتي رفعت الأسعار إلى 11000 ليست مرتكزة على أرقام حقيقية، وهذا يلعب دوراً أساسياً بسعر صرف الدولار. كما أننا نصرف كل ما لدينا من دولار، وبالتالي فإن كل العوامل التي تساعد على أن تبقى الليرة اللبنانية متماسكة لم تعد موجودة".

ويتابع: "مصرف لبنان لا يملك دولارات ليضخها في السوق لتهدئة أحوال الليرة، وقد وصل عجز ميزان المدفوعات خلال عام 2020 إلى نحو 10.5 مليارات دولار خرجت من لبنان، وبالتالي فإنها أكثر من قيمة الدولارات التي دخلت البلاد. كل هذه العوامل تؤدي إلى أن تبقى الليرة في صعود مستمر، وفي حال انخفضت يكون انخفاضها اصطناعياً غير مبني على دراسات واقعية ودقيقة".

وتعليقاً على مقطع الفيديو الذي يظهر مشادة كلامية وعراكاً بالأيدي بين سيدة ورجل، حينما حاول الأخير شراء أكثر من كيس من "الحليب المدعوم" من الدولة، ولم يبق للسيدة ما تشتريه، وما أحدثه من جدل على وسائل التواصل الاجتماعي المحلية والعربية، يرى أبو شقرا أن "الوضع الخطير هو ارتفاع الأسعار رغم ارتفاع أو انخفاض سعر الدولار بين الحين والآخر. فالتجار لا يعرفون على أي تسعيرة سيبيعون، تلقائياً يسعرون على القيمة العليا، وبالتالي فإن هذه العملية لا تساعد على تخفيض سعر الدولار بالأسواق".

الأجور اللبنانية في أدنى معدلاتها عالمياً

وعلى وقع أسوأ انهيار اقتصادي في تاريخ البلاد وتراجع قيمة العملة المحلية أمام سعر الصرف، انضم لبنان إلى قائمة الدول الأكثر انخفاضاً في الحد الأدنى للأجور ضمن مستويات غير مسبوقة عالمياً.

ويعد "لبنان وأفغانستان وسيريلانكا وأنغولا من بين المجموعات الأكثر انخفاضاً في الحد الأدنى للأجور، تليها مجموعة أخرى تضم غامبيا، واليمن، ومالاوي، وإثيوبيا وإريتريا والسودان"، بحسب تقرير لشركة "الدولية للمعلومات" اللبنانية المتخصصة بالإحصاء.

ويفيد التقرير بأنه "قبل ثورة تشرين كان يبلغ الحد الأدنى للأجور 675 ألف ليرة لبنانية (أي ما يعادل 450 دولاراً أمريكياً على سعر الصرف الرسمي). وما إن بدأت قيمة الليرة اللبنانية تهبط أمام سعر صرف الدولار حتى تدنت معدلات الحد الأدنى لأجور اللبنانيين إلى مستويات غير مسبوقة منذ ثمانينيات القرن الماضي، لتنخفض إلى نحو 70 دولاراً شهرياً".

بالمقابل أكدت "الدولية للمعلومات" تراجع أعداد العمال العرب والأجانب في لبنان، من جراء الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي زاد من حدتها تفشي فيروس كورونا في البلاد، وانهيار سعر الليرة اللبنانية.

وشهدت اليد العاملة الغانيّة في لبنان تراجعاً بنسبة كبيرة لامست الـ93.9%، ثم الفليبينية بنسبة 86.3%، وتليها البنغلاديشية بنسبة 85.3%.

في حين انخفض معدل سمات العمل التي منحها الأمن العام اللبناني للعمال الأجانب في لبنان من 57957 سمة عمل في عام 2019 إلى 9780 سمة عمل مع حلول عام 2020، أي ما يعادل نسبة انخفاض قدرت بـ 83%، وفقاً لـ"الدولية للمعلومات".

بحسب الصحافي أبو شقرا، فإن "هذه الظاهرة تعتبر صحية، فالعمالة الأجنبية في السابق وتحديداً الخدمة المنزلية لم يكن لها أثر إيجابي على الاقتصاد اللبناني. بل كانت تساعد في إخراج الدولار من البلد. من وجهة نظري انخفاض العمالة الأجنبية في لبنان وتحديداً العمالة في الخدمة المنزلية هو شيء مفيد للاقتصاد اللبناني، ويحد من خروج النقد الصعب".

وحول انخفاض الحد الأدنى لأجور اللبنانيين، يقول: "اليوم هناك نسبة كبيرة من اللبنانيين يتقاضون الحد الأدنى من الأجور، واستناداً إلى دراسة أجرتها الجامعة الأمريكية تقول إن متوسط رواتب اللبنانيين اليوم هو 180$ للقطاعين العام والخاص، وهو رقم قليل جداً ولا يكفي لسد كل الحاجات المطلوبة للأسر، فهناك عائلات تستطيع فقط شراء المواد الغذائية كحد أقصى".

ويؤكد أنه "في حالة رفع الدعم عن السلع دون أن يقابَل ذلك بخطة اقتصادية فعلية قائمة على استئناف المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، والإصلاحات في القطاع العام، وتفعيل دور القطاع الخاص والتخفيف من الهدر والفساد، يرافقه إعادة هيكلة الوضع المصرفي مع التدقيق بمصرف لبنان وإعادة هيكلة إدارته، سيؤدي ذلك إلى مخاطر كبيرة جداً لناحية عدم قدرة الأفراد على تأمين حاجاتهم الأساسية، الأمر الذي ينذر بأوضاع معيشية أخطر بكثير من الآن".

طريق التفاوض لخلاص لبنان

يرى الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة أن "التفاوض مع صندوق النقد الدولي من قبل حكومة تقود لبنان نحو بر الأمان هو طريق الخلاص لأزمة الانهيار السائدة، وبغير ذلك بالتأكيد سنذهب إلى المجهول".

ويرى عجاقة أن "الحلول المفترضة تتجسد أولاً في تشكيل حكومة تكتسب ثقة المجتمع اللبناني وعليها رضا دوليّ للحصول على مساعدات من الخارج. ثانياً يجب أن تقوم هذه الحكومة بتفاوض إلزامي مع صندوق النقد الدولي، لأن المشكلة تخطتنا ولم تعد داخلية لناحية السيطرة على الوضع الاقتصادي والنقدي، أصبحنا بحاجة إلى مساعدة أساسية للخلاص. ثالثاً الحكومة يجب أن تكون قادرة على القيام بإصلاحات، إذا لم تستطع فلن نستحصل على تمويل وسنبقى في أسوأ ممَّا نحن عليه اليوم".

أرقام معيشية واجتماعية صادمة تلوّح بمزيد من الارتفاع غير المسبوق خلال الفترة المقبلة، حال ما بقيت الليرة اللبنانية تشهد هبوطاً حاداً مقابل سعر الصرف بالدولار الأمريكي. ما ينذر بحالة غليان شعبية قد تحول إلى ظواهر معيشية لا تحمد عقباها.

TRT عربي