عندما أطلقت تركيا بالتعاون مع الجيش الوطني السوري، حملة لتطهير منطقة شرقي نهر الفرات من مسلحي تنظيم YPG الإرهابي لتأمين الحدود وتوفير منطقة آمنة لعودة طوعية للاجئين السوريين، قابلت الجامعة العربية هذه العملية بالمعارضة والاستنكار.

لطالما كانت سوريا وشعبها منذ عهد الاستقلال عموداً من أعمدة التعاون العربي، وداعماً قويّاً للشعوب العربية الأخرى في معارك استقلالها وتحررها ورافداً مهمّاً في ازدهارها. هذا الدور التاريخي النابع من قيم الشعب السوري لم يقابله دور مماثل من الدول العربية خلال سنوات الثورة السورية.

عندما تَعرَّض الشعب السوري لحرب لا هوادة فيها من قبل النظام الحاكم، ابتداء من شهر مارس/آذار 2011 لم تتحرك جامعة الدول العربية، وهي المنصة التي تتحدث باسم هذه الدول وتمثل سياستها المشتركة كما ينبغي، وأطلقت مبادرات لحل الأزمة سرعان ما فشلت، واتخذت قرارات خجولة لمعاقبة نظام الأسد ما لبثت أن تناستها، وصمتت عن مجازر النظام وفظاعاته بحقّ الشعب السوري سنوات طويلة، قبل أن يساورها الندم، كما يبدو، على تلك القرارات.

تحركت الجامعة العربية للتعامل مع القضية السورية في عاميها الأولين فقط، عبر بعثتين للمراقبين العرب، ثم ومع تدويل القضية السورية لم يعُد للجامعة أيُّ تحرُّك يُذكر تقريباً طوال السنوات التالية، رغم استمرار المجازر وقتل المعتقلين تحت التعذيب وتدمير المدن واستهداف المدنيين بصورة ممنهجة ومتعمدة، وحصول عمليات متعددة للتهجير القسري.

ومن جهة أخرى، ومع تصاعد وتيرة التدخل الدولي والإقليمي في الشأن السوري ولا سيما ميدانيّاً، ابتداءً من إيران ومليشياتها، ومروراً بروسيا ومرتزقتها، وانتهاء بالولايات المتحدة والدول الغربية وجيوشها الرسمية وقواعدها العسكرية، لم يصدر عن الجامعة العربية نفسها أي بيانات تدين أو تستنكر هذه التدخلات.

عندما أطلقت تركيا بالتعاون مع الجيش الوطني السوري، حملة لتطهير منطقة شرقي نهر الفرات من مسلحي تنظيم YPG الإرهابي لتأمين الحدود وتوفير منطقة آمنة لعودة طوعية للاجئين السوريين، قابلت الجامعة العربية هذه العملية بالمعارضة والاستنكار، ووصل بها الأمر حد دعوة أعضائها إلى تعليق التعاون مع تركيا، وهو ما يثير التعجُّب والتساؤل حول الأسباب التي أخرجت هذه المنظمة من سباتها، واتخاذها هذا الموقف إثر عملية نبع السلام، وحقيقة موقفها والدول النافذة فيها من مصالح الشعب السوري.

بين العجز والفشل

عقدت الجامعة العربية أول اجتماع لها بخصوص الأزمة السورية في شهر آب/أغسطس 2011، أي بعد نحو 5 أشهر من انطلاق الثورة، وذلك بعد أن سقط مئات الشهداء وآلاف الجرحى، وَفْقاً للسياسي والكاتب السوري ياسر العيتي، في حديث له مع TRT عربي.

ويشرح العيتي هذا الموقف بالقول: "كان هذا الاجتماع للتعامل مع قضية أصبح محرجاً عدم التعامل معها، ولا أعتقد أن الدافع كان رغبة حقيقية في حل القضية السورية، بقدر ما هو رفع الحرج والعتب".

ويرى أن الجامعة اتخذت مبادرات لم تكُن جدية بما يكفي لتعبِّر عن رغبة حقيقية لديها في الضغط على النظام السوري من أجل وقف المجازر التي كان يرتكبها.

وأضاف: "صحيح أن النظام لم يتجاوب مع مبادرات الجامعة، لكن الأخيرة لم يكُن لديها ولدى الدول النافذة فيها الرغبة أو القدرة للضغط على النظام للاستجابة. كانت مبادراتها نوعاً من العمل السياسي والدبلومسي لرفع الحرج عنها، وهذا سبب توقف الجامعة لاحقاً عن العمل والمبادرة".

من جهته يعتقد الباحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية معن طلاع، أن تدويل الملف السوري وتحويله إلى الأمم المتحدة بعد عامين من الأزمة "عنوان فشل ذريع للجامعة في حل أزمات المنطقة العربية"، مذكّراً بأن الملف السوري كان مشتركاً في البداية بين الجامعة العربية والأمم المتحدة، إذ كان المبعوث الخاص إلى سوريا عندئذ يسمى المبعوث المشترك.

ويضيف طلاع، في حديث مع TRT عربي، أن "فشل بعثتَي المراقبين العرب، بالإضافة إلى ترهُّل الأداء ونمطيته ساهم في زيادة التباينات في الجامعة، مِما أدَّى إلى إعلان غير رسمي لفشلهم عبر نقل الملف إلى الأمم المتحدة، ثم الانسحاب من الملفّ كاملاً".

ويقول: "بعد ذلك بدأت الانقسامات تتّضح أكثر فأكثر بحكم تغلُّب مقاربة الثورات المضادة وانقسام الدول وتخوُّفها من امتداد ثورات الربيع العربي إليها أو من استثمار المناخات التي أفرزتها الثورات، ما حدا بها إلى دعم قوى مناهضة للقوى التي وصلت إلى السلطة".

مناكفة تركيا

لم يكُن موقف الجامعة العربية المعارض لعملية نبع السلام والمناوئ لتركيا الأول من نوعه، فالأمين العامّ للجامعة العربية هاجم تركيا سابقاً في أكثر من موقف، لكن الجديد هذه المرة هو العزف على وتر "السيادة" الوطنية لسوريا، الأمر الذي لم تتفطن له الجامعة ولا مسؤولوها ولا أعضاؤها عندما تدخلت روسيا إلى جانب النظام السوري عندما لم يكُن يسيطر على أكثر من 30 بالمئة من مساحة البلاد، وفي وقت كان المجتمع الدولي فيه مُجمِعاً تقريباً على فقدان نظام الأسد شرعيته، ومِن ثَم بطلان حقّه في استدعاء أي دولة أجنبية.

وحول موقف الجامعة العربية من عملية نبع السلام التركية، يرى الباحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية معن طلاع، أنه يندرج في إطار "مناكفة تركيا"، ولفهمه بصورة أعمق يحيلنا إلى ثلاثة "مداخل".

يكمن المدخل الأول، حسب الباحث، في أن "العملية تأتي في سياق ما يُعرف بمراحل ما قبل حل النزاع، إذ وجدت الجامعة في العملية التركية فرصة في أن تبحث عن دور ما عبر معارضتها للوجود التركي، ومِن ثَم هي تبعث بإشارة جديدة بأنها تريد أن تكون في هذا الملف، بخاصة بعد تغلُّب منطق القوى المنادية بعودة النظام السوري إلى الجامعة".

أما المدخل الثاني، حسب طلاع، فيكمن في فهم مواقف الدول الفاعلة في الجامعة العربية التي اتسمت علاقاتها بالاضطراب والتأزُّم مع تركيا، وهي عدة دول.

في حين أن المدخل الثالث يتعلق بمحاولة بعض الدول في الجامعة العربية صدّ النفوذ التركي في المنطقة عموماً لا في سوريا فقط. ويستدرك الباحث السوري بالقول: "لكن يتّسم هذا الموقف في مكان ما بازدواجية المعايير، إذ لا يرى إلا باتجاه واحد. لا يمكن تفسير هذا الموقف ما دام لا يلحظ الوجود الروسي والإيراني والقواعد العسكرية الأجنبية المنتشرة في سوريا، وعلى رأس ذلك كله الوجود النوعي للولايات المتحدة الأمريكية".

ولاحظ مراقبون سابقاً أن الموقف العربي من العملية التركية يأتي انعكاساً لرغبة سعودية، على خلفية العلاقات المتوترة بين الرياض وأنقرة، إثر عملية اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بمدينة إسطنبول، وتداعيات هذه العملية.

إلا أن الباحث معن طلاع يرى أن موقف الجامعة العربية من عملية نبع السلام لا يرتبط بشكل مباشر بهذه العلاقات، مشيراً إلى دولة أخرى ذات مصلحة في التصعيد ضدّ تركيا وتدفع الجامعة العربية نحو هذه المواقف المتشنجة.

يقول طلاع: "مصر هي التي تدفع بشكل مباشر بهذا الموقف، إذ يربطها بتركيا نزاع على عديدٍ من الملفات"، وذلك من قبيل دعم تركيا للحراك المعارض للانقلاب الذي قاده الرئيس عبد الفتاح السيسي على الرئيس المنتخب الراحل محمد مرسي، وكذلك ملف الطاقة شرقي البحر المتوسط في المنطقة.

ويشير طلاع إلى بروز الدور المصري مؤخراً في سوريا، لا سيما في مناطق شمال شرق سوريا الخاضعة لسيطرة YPG الإرهابي، كأحد الملفات المثيرة للتوتر في العلاقات المصرية-التركية.

لا تعبّر عن شعوبها

السياسي والكاتب السوري ياسر العيتي، يؤكّد أن الجامعة العربية منذ نشأتها حتى اليوم، هي جسمٌ عاجز عن التدخل بشكل فعَّال لصالح القضايا العربية، متسائلاً: "ما الذي فعلته الجامعة العربية تجاه القضية الفلسطينية؟ ما الذي فعلته الجامعة العربية تجاه الغزو الأمريكي للعراق؟ ما الذي فعلته تجاه المشكلة والصراع المصري-الإثيوبي على مصادر النيل؟ ما الذي فعلته تجاه المشكلة الخليجية؟".

وذكّر العيتي بالعجز المزمن الذي يطارد الجامعة العربية في جميع الأوقات وإزاء قراراتها القديمة والجديدة على حدّ سواء، موضحاً ذلك بقوله: "قبل وبعد الثورة كانت الجامعة العربية عاجزة عن التعامل مع كثير من القضايا التي يمكن أن تخدم الشعوب العربية، والقرارات التي اتخذتها بالفعل وظلّت حبراً على ورق، بسبب خلل بنيوي في الجامعة والأنظمة المشكّلة لها، مثل السوق الاقتصادية المشتركة ومعاهدة الدفاع العربي المشترك".

وحسب السياسي السوري، فإن الجامعة العربية مكونة من أنظمة تمثل النظام العربي القديم الذي قامت الثورات العربية عليه، مضيفاً: "الأنظمة المشكِّلة للجامعة هي أنظمة غير منتخبة ولا تعبِّر عن إرادة شعوبها، ومِن ثَم لا تدافع عن مصالح الشعوب. لذلك علينا أن لا نتوقع من هذه الجامعة وبنيتها الحالية أداءً مختلفاً. يمكن أن يحصل عمل عربي حقيقي مشترك في خدمة القضايا العربية عندما تكون لدينا أنظمة عربية منتخبة ديمقراطيّاً تعبِّر عن إرادة شعوبها وتدافع عن مصالح هذه الشعوب".

دعم تركيا للحراك المعارض للانقلاب الذي قاده الرئيس عبد الفتاح السيسي على الرئيس المنتخب الراحل محمد مرسي جعل مصر تدفع بموقف الجامعة العربية من تركيا (AP)
بدأت الانقسامات تتّضح في الجامعة بحكم تغلُّب مقاربة الثورات المضادة وانقسام الدول وتخوُّفها من امتداد ثورات الربيع العربي إليها أو من استثمار المناخات التي أفرزتها الثورات (TRT World)
عندما أطلقت تركيا بالتعاون مع الجيش الوطني السوري، حملة لتطهير منطقة شرقي نهر الفرات من مسلحي تنظيم YPG الإرهابي، قابلت الجامعة العربية هذه العملية بالمعارضة والاستنكار (وزارة الدفاع التركية)
وجدت الجامعة في العملية التركية فرصة في أن تبحث عن دور ما عبر معارضتها للوجود التركي (وزارة الدفاع التركية)
عندما تَعرَّض الشعب السوري لحرب لا هوادة فيها من قبل النظام الحاكم، ابتداء من شهر مارس/آذار 2011 لم تتحرك جامعة الدول العربية (AP)
TRT عربي