كشفت الاشتباكات المميتة بطول الحدود بين أذربيجان وأرمينيا مؤخراً أنّ المشكلات القديمة والجديدة بين دولتي القوقاز تحمل إمكانية خطيرة لانزلاق البلدين في حربٍ إقليمية شاملة.

تبادلت أذربيجان وأرمينيا الأعمال العدائية لأسباب عرقية ودينية وسياسية مُتنوّعة، لكن قضية مرتفعات قرة باغ (قاراباغ) ما تزال أكبر عقبة قائمة بين البلدين.

إذ كشفت الاشتباكات المميتة بطول الحدود بين أذربيجان وأرمينيا مؤخراً أنّ المشكلات القديمة والجديدة بين دولتي القوقاز تحمل إمكانية خطيرة لانزلاق البلدين في حربٍ إقليمية شاملة.

والبلدان بينهما اختلافات تاريخية خطيرة حول قضايا تشمل الدين، والعرق، والسياسة بالطبع. إذ تتمتّع أذربيجان بغالبيةٍ مُسلمة مع وجودٍ تركيٍ مُكثّف، في حين تُعَدُّ أرمينيا دولةً ذات غالبية مسيحية يسكُنها أبناء العرق الأرمني بشكلٍ أساسي.

وفي آخر سنوات الإمبراطورية العثمانية نشب نزاعٌ عرقي بين البلدين، خاصةً داخل مناطق القوقاز وبعض أجزاء شرق الأناضول، على أراضي المناطق المذكورة بشكلٍ أساسي.

وإبان الحرب العالمية الأولى، حاول الأرمن، المدعومون من روسيا وبعض الدول الغربية البارزة، طرد السكان المسلمين من القوقاز وشرق الأناضول أملاً في إنشاء دولةٍ مُستقلة. وأدّى ذلك إلى مواجهةٍ مُسلّحة بين العثمانيين والأرمن.

وبدا كأنّ النزاع توقّف تحت حكم الاتحاد السوفيتي، الدولة الشيوعية الفيدرالية، حين تعايشت جمهوريتا أرمينيا وأذربيجان جنباً إلى جنب.

لكن التخصيص السوفيتي للأراضي بين الأذربيجانيين والأرمن خلق مشكلات أخرى، ونثر بذور النزاعات المستقبلية.

وتُمثّل قضية مرتفعات قرة باغ نزاعاً دولياً كبيراً، على غرار النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي، ونزاع يوغوسلافيا سابقاً، وقبرص حالياً، لكنّها لا تحظى بنفس القدر من الاهتمام العالمي.

أصل النزاع

بعد ضمّ أذربيجان وأرمينيا إلى الاتحاد السوفيتي، أُنشِئت منطقة مرتفعات قرة باغ المستقلة داخل حدود أذربيجان بواسطة الاتحاد السوفيتي عام 1924.

وإبان تفكك الاتحاد السوفيتي أواخر الثمانينيات، تحوّل السؤال حول الوضع المستقبلي للمنطقة إلى مصدر عداء مرةً أخرى، لتندلع الاشتباكات بين الأذربيجانيين والأرمن في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1988. وتواصلت الاشتباكات بشكلٍ مُتقطّع حتى استقلال البلدين عام 1991.

وعقد إقليم قرة باغ استفتاءً في ديسمبر/كانون الأول عام 1991 حول تأسيس دولة مستقلة، ممَّا كان سيعني إعلان استقلالها عن جمهورية أذربيجان أُحادياً. وصوّت غالبية المشاركين في الاستفتاء من أجل الاستقلال، لكن غالبية الأذربيجانيين المقيمين في الإقليم قاطعوا الاستفتاء بحجة عدم شرعيته.

ولا تعترف غالبية الدول بشرعية إعلان استقلال قرة باغ. ويرجع ذلك جزئياً إلى أنّه مسموحٌ لـ15 جمهورية فقط تابعة للاتحاد السوفيتي سابقاً بإعلان سيادتها واستقلالها عن الاتحاد وفقاً للدستور، ولم تكُن قرة باغ مُؤهّلة لذلك بسبب وضعيتها كمنطقةٍ ذاتية الحكم. علاوةً على أنّ إعلانات الاستقلال الأُحادية تُرفض عادةً بسبب انتهاكها القانون الدولي.

وفي أعقاب الاستفتاء تصاعد النزاع بين أذربيجان وأرمينيا ليتحوّل إلى حرب. وأسفرت تلك الحرب عن سقوط 300 ألف ضحية على الأقل، ونزوح ما يُقدّر بمليون شخص من الجانبين بحلول نهاية الحرب عام 1993.

وتوصّلت أذربيجان وأرمينيا إلى اتفاقٍ غير رسمي لوقف إطلاق النار في مايو/أيار عام 1994 بوساطةٍ روسية، في حين تُشير التقارير إلى دعم موسكو قوات الأرمن عسكرياً وسياسياً خلال النزاع.

ومنذ ذلك الحين استمرت الاشتباكات العرضية، كما حدث مؤخراً، بطول حدود البلدين وداخل منطقة مرتفعات قرة باغ.

التدخّل الروسي

بالنسبة إلى المحلل السياسي ماثيو برايزا، الذي كان وسيطاً أمريكياً بين الأرمن والأذربيجانيين في العقد الأول من القرن الـ21 تحت رعاية البيت الأبيض، فهو يرى إشكاليةً في التدخّل والوساطة الروسية في النزاع.

ويعتقد أنّ الروس يُحاولون إثارة النزاع من خلال ساسة مثل قسطنطين زاتولين النائب الأول لرئيس لجنة الدوما لرابطة الدول المستقلة.

وصرّح برايزا لشبكة TRT : "يُعَدُّ زاتولين شخصيةً نارية استفزازية. ومن منطلق خبرتي العملية أجد أنّه يُحاول دائماً توجيه النزاعات لإحداث بعض الخلاف حتى تتمكّن روسيا من التلاعب بالجانبين دائماً والحفاظ على نفوذها (بالكامل داخل أرمينيا وأذربيجان). إذ خرج علينا بتصريحٍ استفزازي للغاية قبل بضعة أيام. حيث قال: ليس من الواضح لمن تعود ملكية مرتفعات قرة باغ، إذ يقول لي رئيس وزراء أرمينيا إنّها ملكهم، في حين يقول الأذربيجانيون إنّها أذربيجانية، فمن يدري أين الحقيقة؟".

وأردف برايزا: "في الواقع كانت روسيا والولايات المتحدة وأرمينيا توافقت حتى وقتٍ قريب على أنّ مرتفعات قرة باغ قانونياً جزءٌ من أذربيجان. لذا فهذا تصريح شديد الاستفزاز من زاتولين، الذي يُفترض به تمثيل بلدٍ يُعتبر وسيطاً مُحايداً".

ولطالما عُرِفَ عن زاتولين موقفه المناصر للأرمن، وهو من أبناء باطوم في القوقاز مثل جوزيف ستالين، الدكتاتور الشيوعي الذي رسم حدود العديد من الجمهوريات ومناطق الحكم الذاتي السوفيتية ومنها أذربيجان وأرمينيا.

وقال زاتولين في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2019، بعد تصاعد التوترات بين باكو ويريفان: "لدينا التزامات كل منا تجاه الآخر بصفتنا من الدول الأعضاء في منظمة معاهدة الأمن الجماعي. وتنظر روسيا إلى أرمينيا باعتبارها دولةً حليفة تنطبق عليها الآليات المنصوصة بواسطة منظمة معاهدة الأمن الجماعي في حال تعرّضها لهجوم".

وتأسّست منظمة معاهدة الأمن الجماعي عام 1992 بواسطة بعض الدول الأعضاء، وعلى رأسها روسيا، لإنشاء منظمة ناتو في منطقة أوراسيا.

وهدّدت الشخصية النارية الروسية: "أود الإشارة إلى أنّ قاعدتنا العسكرية رقم 102 على أرض أرمينيا ليست منشورةً هناك دون جدوى لمجرد تأدية دورٍ تجميلي".

وأصدر زاتولين كذلك بعض التصريحات التهديدية على الفور في أعقاب الاشتباكات الأخيرة.

تهديداتٌ مُبطّنة لتركيا

قال زاتولين، وفقاً لبرايزا: "في حال استخدمت أيّ دولة القوة للرد على هجومٍ أرميني أوّلي ضد أذربيجان، فسوف تستخدم روسيا القوة ضد تلك الدولة لحماية حليفتها أرمينيا".

ويبدو أنّ زاتولين يُهدّد تركيا بقوله هذا، فهي الدولة التي أثبتت أنّها أقوى حلفاء أذربيجان منذ استقلالها.

إذ نشرت أنقرة مؤخراً طائرات من دون طيار مُسلّحة متقدّمة تقنياً جرى اختبارها في المعارك خلال الحرب الليبية من جانب حكومة الوفاق الوطني المعترف بها من الأمم المتحدة، وكذلك في سوريا ضد قوات الأسد النظامية المدعومة من روسيا، إلى جانب استخدامها بطول الحدود التركية الأرمينية لإظهار دعمها لأذربيجان.

وقال بيان وزارة الخارجية التركية: "ستواصل تركيا بكل قدرتها الوقوف بجانب أذربيجان في نضالها لحماية سلامة أراضيها".

كما أعرب الرئيس رجب طيب أردوغان عن دعمه لأذربيجان، قائلاً: "لن تتردّد تركيا في الوقوف في وجه أيّ هجوم ضد أذربيجان".

وأسفرت اشتباكات أذربيجان وأرمينيا مؤخراً عن فتح جبهةٍ جديدة بين أنقرة وموسكو.

وظهرت الخلافات بين تركيا وروسيا مؤخراً في مختلف النزاعات بمناطق الشرق الأوسط، وشمال إفريقيا، وآسيا الوسطى، بدءاً من ليبيا وسوريا ووصولاً إلى أذربيجان حالياً.

وأوضح برايزا، في إشارةٍ إلى النزاع الأذربيجاني الأرمني، أن "الطرفين الرئيسيين في هذا النزاع هما روسيا وتركيا".

هذا المقال مُترجم عن موقع TRT World.

المصدر: TRT عربي