منذ أكثر من خمس مائة عام، ومنذ بدأت رحلة نهوض أوروبا وهيمنة الحضارة الغربية، كان الصراع والتنافس الدوليين ينحصران بين القوى الأوروبية العظمى التي تمركزت بشكل عام في غرب الصفيحة الأوراسية.

فمنذ القرن السابع عشر حتى القرن العشرين كانت حروب الهيمنة تجري بين الإمبراطوريات العثمانية، والروسية، والهولندية، والبرتغالية، والإسبانية، والفرنسية، والبريطانية.

ومع انتقال مراكز القوى إلى الدول الأطراف، كالولايات المتحدة على سبيل المثال، لم يتغير كثيراً واقع الصراع الدولي، فما حدث هو تمدد الجغرافيا لا أكثر، أما جوهر الصراع فقد بقي محكوماً ضمن الفضاء الغربي. فإذا أردنا أن نستثني صعود اليابان لفترة قصيرة، وهو الصعود الذي لم يحظَ باعتراف من الدول العظمى حينذاك، فإن الصراع الدولي بقي محصوراً بين الولايات المتحدة وما تمثله من نموذج رأسمالي، والاتحاد السوفيتي بما يمثله من نموذج اشتراكي، وهما قوتان تمثلان نموذجين مختلفين للحضارة الغربية، وهو الأمر الذي يفرض علينا إعادة النظر في ما كان سائداً في السابق في خطاب الحرب البادرة بأنها تمثل صراعاً بين معسكرين واحد شرقي، والآخر غربي، وهما في الأساس معسكرين غربيين بنموذجين مختلفين.

تنافس داخل الفضاء الغربي

ولذلك فإن تصوير أن "الغرب"، مع انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي، قد انتصر على "الشرق" فيه اختزال كبير لجوهر الصراع. فالشرق، بمفهومه الجغرافي والثقافي، لم يكن ضمن اللعبة قط إلا من خلال الدوران فقط ضمن واحد من الفلكين السوفيتي والأمريكي في أثناء الحرب الباردة. ولذلك فما حدث، عندما تفكك الاتحاد السوفيتي، لا يعدو كونه انتصار الغرب على ذاته، ووضع حد للتضارب الذي أحدثته الثورة البلشفية في الجسد الغربي الرأسمالي، من خلال تأكيد سيادة النموذج الرأسمالي الغربي على النموذج الاشتراكي الغربي.

وعلى الرغم من الخطر الذي شكله الاتحاد السوفيتي على النموذج الرأسمالي الغربي الذي وظفته الدول الغربية للسيطرة على ثروات العالم منذ عصر الاكتشافات، فإن الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين كانوا على معرفة جوهرية بكيفية التصدي لهذا الخطر، سواء على الناحية الجيوسياسية أو الفكرية والأيديولوجية.

فمع انطلاق الحرب البادرة اتخذت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون سياسة الاحتواء، وهي سياسة اتسمت بالثقة بالنفس، وبقيت فعالة حتى انهيار المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي. ومنذ الإعلان عن هذه الاستراتيجية بتوقيع الكاتب X في مجلة الفورين بوليسي (تبين لاحقاً أن كاتب المقال هو جورج كينان الملحق الدبلوماسي في السفارة الأمريكية في موسكو)، واعتمادها رسمياً في واشنطن، لم يحد عنها أي رئيس أمريكي مطلقاً. فقد بقيت طيلة سبعة عقود هي المحرك الأساسي، والنظام الأول لسياسة الولايات المتحدة العالمية.

هذه الخلفية في النظر إلى الصراع الدولي مهمة لمعرفة حجم التحدي الذي تفرضه الصين على النموذج الغربي. فصعود الصين اليوم إلى مصاف الدول العظمى يمثل أول صعود لقوة غير أوروبية لتنافس القوى الأوروبية على الهيمنة العالمية من خارج الحاضنة الجغرافية والأيديولوجية الغربية. وإذا كان الصراع العالمي طيلة خمسة قرون يقع في الشطر الغربي من الصفيحة الأوراسية، فإن الصين، ولأول مرة منذ قرون، تُدخل الشطر الشرقي من الصفيحة الأوراسية إلى حلبة المنافسة الدولية.

صعود مختلف

من هنا ينبع مصدر القلق الأمريكي، وهو قلق يؤثر بشكل واضح على ثقة الولايات المتحدة بخياراتها تجاه التصدي للصعود الصيني. ومن هنا فالكثير من الاستراتيجيين يميلون إلى استحضار الماضي في محاولة لتعزيز الثقة بالنفس والحديث من جديد عن حرب باردة ثانية ستندلع، أو ربما اندلعت، بين الصين والولايات المتحدة.

ولكن التطورات والمتغيرات التي طرأت على النظام الدولي منذ انتهاء الحرب الباردة "الأولى" حتى اليوم، فضلاً عن طبيعة القوى المتنافسة، تدحض فكرة اشتعال حرب باردة جديدة. فمن ناحية، كانت الحرب الباردة ضمن الفضاء الغربي لنموذجين مختلفين، وثانياً، كانت امتداداً للحرب العالمية الثانية، فأولى ساحات الحرب الباردة كانت أوروبا وتحديداً ألمانيا، وما جرى لها من تقسيم على خطوط التنافس بين القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية.

أما في حالة الصين فالأمر مختلف تماماً. فمن ناحية الجغرافيا، فنحن نتحدث عن منطقة كانت عبر قرون تقع على هامش المنافسة الدولية، وملحقة بواحدة من القوى العظمى الغربية. الصين نفسها كانت أجزاء مهمة منها خاضعة للاستعمار الغربي، فمقاطعة هونغ كونغ على سبيل المثال لم تعد إلى السيادة الصينية إلا في القرن العشرين. إن صعود الصين، اليوم، يخرج منطقة شرق آسيا من هامشيتها على الساحة الدولية ليجعلها واحداً من مراكز التنافس الدولي. وبعد أن كانت القوى الغربية، من عصر الاكتشافات زمن الإمبراطورية الإسبانية، حتى الإمبراطورية الأمريكية في الوقت الحالي، تتمتع بهيمنة مطلقة على منطقة شرق آسيا، تخرج اليوم قوة محلية لتنافس القوى الغربية، وتفرض قواعد جديدة للعبة، وربما المثال الأبرز على ذلك هو سعي الصين إلى إعادة تعريف مفهوم السيادة على البحار من خلال خلق جزر صناعية وإخضاعها لمبدأ السيادة الوطنية.

منطق الحرب الباردة

لذلك فإن منطق الحرب الباردة الذي ارتكز بالأساس على سياسة الاحتواء لا يمكن أن يثمر في حالة الصين. بداية علينا أن نستذكر أن سياسة الاحتواء كانت تعتمد على بعدين: أولهما جغرافي، والثاني مثالي أو نموذجي. وقد نجحت سياسة الاحتواء في بعدها الجغرافي مع الاتحاد السوفيتي نظراً لموقعه في شمال الصفيحة الأوراسية. فمن خلال الاعتماد على ركائز جيو-استراتيجية كأوروبا وتحديداً ألمانيا في غرب الصفيحة الأوراسية، وتركيا واليونان في وسطها، وكوريا الجنوبية واليابان بالقرب من حدودها الشرقية، استطاعت الولايات المتحدة حشر الاتحاد السوفيتي في الشمال بالقرب من المياه المتجمدة.

في ما يخص الصين يتلاشى البعد الجغرافي من سياسة الاحتواء. فدول كالصين التي لها سواحل تمتد لآلاف الكيلومترات على البحار المفتوحة، وامتداد جغرافي إلى شرق ووسط الصفيحة الأوراسية لا يمكن احتواؤها بمجرد الارتكاز على نقاط جيو-استراتيجية. فإغلاق المنافذ البحرية في منطقة شرق آسيا في وجه الصين، على سبيل المثال، أمر لا يمكن حدوثه من الناحية المنطقية والمصلحية، لأن الضرر الذي سوف ينتج لن يشمل الصين وحدها بل الولايات المتحدة وحلفاءها في المنطقة والنظام الاقتصادي العالمي ككل، حيث إن 60 بالمئة من التجارة الدولية تعبر من خلال الممرات المائية للبحار في منطقة شرق آسيا، وإغلاقها في وجه الصين من قبل الولايات المتحدة وحلفائها يصبح كمن يطلق النار على قدميه.

وهذا يقودنا إلى البعد الثاني، ألا وهو البعد المثالي أو النموذجي. فعلى عكس الاتحاد السوفيتي الذي حاول أن ينشئ نموذجاً مغايراً للنموذج الديمو-رأسمالي الغربي من خلال فرض نموذج شيوعي سياسياً، واشتراكي اقتصادياً، فإن الصين تسعى نحو التكامل مع/ والاعتماد على النظام الدولي السائد في صعودها ونهضتها. وفي الوقت الذي كان الاتحاد السوفيتي يقيم السواتر الحديدية بينه وبين الغرب، فإن الصين تمد طريقها الحريري الجديد من حدودها الشرقية حتى عمق أوروبا مروراً بجميع السهوب الأوراسية الوسطى، باستثمارات صينية صرفة تصل إلى مئات المليارات من الدولارات.

يبرز هذان البعدان، الجغرافي والمثالي/النموذجي، كأبرز محددين يدحضان فكرة الداعين إلى نشوب حرب باردة جديدة بين الصين من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى. هناك محددات أخرى بكل تأكيد، ولكنها في مجملها تنضوي تحت هذين البعدين.

ومن هنا فإن شكل الصراع بين الصين والولايات المتحدة سوف يأخذ شكلاً آخر من المنافسة لا يخضع لمنطق الحرب البادرة، كما لن يخضع لمنطق الحرب التقليدية نظراً لامتلاك القوتين مخزوناً ضخماً من القنابل النووية، ما يجعلهما تتمتعان بردع متبادل. وهو ما يفتح الباب أمام نموذج آخر من التنافس لم تتشكل معالمه بعد، ولكنه بالتأكيد سيكون محل اهتمام كبير في الأعوام المقبلة.

TRT عربي
الأكثر تداولاً