مثلما جرت العادة، لم يفوّت اليمين المتطرف هذه المرة فرصة تصاعد الأزمة بين باريس والجزائر ليزيد شحن الأجواء ويحرّض السلطات على مزيد من التضييق على الجزائريين القادمين والمقيمين في فرنسا.

على خلفية التصريحات الأخيرة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، التي اعتبرتها الجزائر مسيئة لها بشكل استفزازي تاريخاً وشعباً، ومساساً غير مقبول بذاكرة الشهداء الذين قاوموا الاستعمار الفرنسي، اشتعل فتيل أزمة دبلوماسية بين البلدين، استدعت على أثره الجزائر سفيرها في باريس، وقررت في الوقت نفسه منع الطائرات العسكرية الفرنسية من دخول أجوائها للوصول إلى الساحل الإفريقي في إطار عملية "برخان".

وعلى الرغم من أن ماكرون اختار بعد ذلك اللجوء إلى التهدئة في خطابه مع الجزائر، مؤكداً في الوقت ذاته العلاقات الودية والدبلوماسية التي تربط بين البلدين، وداعياً إلى إنهاء التوتر الدبلوماسي بينهما في أقرب وقت ممكن. إلا أن معسكر اليمين المتطرف الفرنسي سارع في الاستثمار في الأجواء المشحونة بين باريس والجزائر، للتحريض على إقرار مجموعة من الإجراءات التي تساهم في مزيد التضييق على الجزائريين، سواء القادمون إلى فرنسا والمقيمون فيها، ردّاً على القرارات والتصريحات الجزائرية الأخيرة.

لوبان.. هجوم وتحريض على الجزائريين

مع اقتراب الموعد الانتخابي لرئاسيات 2022 في فرنسا، يلتفّ الخصوم والمتنافسون من مختلف التيارات والأحزاب، حول الأزمة مع الجزائر كوقود لحملاتهم الانتخابية، وسط تباين واختلاف شديد في الرؤى والتوجهات.

ولم تتردّد زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان في شنّ حملة عدائية وتحريضية على الجزائر والجزائريين في فرنسا، إذ دعت في مقطع فيديو نشرته على صفحتها الرسمية على فيسبوك، إلى حرمان السلطات الفرنسية الجزائريين من التأشيرات ووقف تحويلاتهم البنكية، قائلة: "الجزائر تعتقد أن فرنسا مدينة أبدية يمكن لمواطنيها دخول أراضيها في أي وقت، لذا على بلادنا أن تتخذ لغة صارمة جداً وأكثر وضوحاً، فرنسا هي مَن يقرر من يدخل إليها ومن يخرج منها" .

وأضافت لوبان: "يجب مراجعة تصاريح تحويل الأموال التي يرسلها الجزائريون إلى بلدهم والتي تقدر قيمتها بـ1.5 مليار يورو سنوياً، لأن هذه الأموال لا تساهم في تنمية الاقتصاد الفرنسي"، على حد تعبيرها.

ويرى خبراء ومحللون أن خطاب لوبان العدائي تسعى من خلاله في الأساس لاستمالة أصوات المعسكر اليميني خلال السباق الانتخابي القادم.

ولن تسنح فرصة أمام لوبان وأنصار التيار اليميني كافة، في سكب مزيد من الزيت على النار حول ملف الهجرة، أفضل من الأزمة الحادَّة التي اشتعل فتيلها بين باريس والجزائر، والتي مثلت قضية التأشيرات إحدى حلقاتها المهمة.

وبينما توجّه لوبان الأنظار إلى ملف الحوالات المالية والتأشيرات للجزائريين، يثار سؤال جادّ عما إذا كان من الممكن أن تخضع السلطات الفرنسية للضغط وتلوّح بالتالي بهذه الورقة خلال الأزمة الدبلوماسية الراهنة مع جارتها الجنوبية.

هل تستجيب فرنسا للضغوط؟

تُعتبر الجالية الجزائرية في فرنسا من أكبر الجاليات الجزائرية في الخارج، إذ يُقدَّر عددهم في آخر إحصائية رسمية بنحو 5 ملايين جزائري. وقد بدأ توافد عديد منهم للعيش في فرنسا منذ حصول بلادهم على الاستقلال، بحثاً عن فرص أفضل للعمل والدراسة، وذلك في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها بلادهم، والمتواصلة إلى اليوم.

وتَمكَّن الجزائريون خلال عقود طويلة، من الانخراط في سوق العمل وتأسيس مشاريع وشركات خاصة، وتقلُّد عديد من الوظائف والمسؤوليات، والاندماج في المجتمع الفرنسي إلى حد ما، على الرغم من كل الحملات العنصرية والعدائية التي ترتفع وتيرتها يوماً بعد يوم، لا تجاه الجزائريين فقط بل تجاه المهاجرين كافةً تقريباً.

وفي السابق، وبسبب نقص حادّ في العمالة، بخاصة اليد العاملة المختصة والماهرة، سنّت السلطات الفرنسية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي عدة قوانين وتشريعات للتشجيع على استقبال الكفاءات لسدّ الشغور في عديد من الوظائف والاختصاصات، فتوافد عديد من الجزائريين خريجي الدراسات العليا والمهنيين المختصين، واختاروا بعد ذلك الإقامة في فرنسا، وتَحصَّل بعضهم على الجنسية الفرنسية.

وبينما تتصاعد اليوم الدعوات والخطابات العدائية إلى مزيد الضغط على الجزائريين، ينفي خبراء ومحللون إمكانية رضوخ السلطات الفرنسية لهذا الضغط، لأن بإمكان الجزائر الذهاب في هذا الصراع إلى أبعد من ذلك، واستخدام ورقة الضغط الاقتصادية بخاصة في ما يتعلق بواردات النفط والغاز، كما أن الجزائريين الذين امتدُّوا إلى الجيل السابع في فرنسا حالياً أصبحوا جزءاً من العجلة الاقتصادية والأكاديمية والاجتماعية للبلاد، على حد تعبير خبراء ومحللين.

TRT عربي
الأكثر تداولاً