في وقت تواجه فيه البلاد أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة وأزمة صحية معولمة، تنشغل الطبقة السياسية التونسية بكل مكوناتها في التجاذب والتدافع فيما بينها.

على الرغم من أن البناء السياسي في تونس يكاد يكتمل بعد 10 سنوات من الثورة بمحطاتها ومنعرجاتها، فإنه لا تزال إلى اليوم بعض العقبات والاستحقاقات تربك مسار الانتقال الديمقراطي، ولكنها مع ذلك لم تتمكن من تقويضه.

وفي ظل ما تعيش على وقعه البلاد التونسية اليوم من صراع امتد ليصل إلى مكونات الحكم ومؤسسات الدولة، يقف الجميع أمام أهم استحقاق للمرحلة وهو استكمال تركيبة المحكمة الدستورية، الذي جوبه بالتعطيل والإرباك للحيلولة دون إنشائها.

صراع صلاحيات بين مؤسسات الدولة

قد يبدو التحوير الوزاري الأخير قضية سياسية أخذت عنواناً دستورياً وقانونياً، إلا أنها في الحقيقة تخفي وراءها تنازعاً وتجاذباً سياسياً كبيراً. حيث إن الرئيس التونسي قيس سعيد يرى نفسه مخولاً اختيار رئيس الحكومة وأعضاء فريقه الوزاري، وذلك بتأويل نصوص الدستور، وانطلاقاً من كونه استاذاً جامعياً مختصاً في القانون الدستوري.

وبالرجوع إلى بدايات الخلاف فقد قام الرئيس التونسي في وقت سابق بتكليف إلياس الفخفاخ برئاسة الحكومة تحت عنوان اختيار الشخص الأقدر في الفعل السياسي، متجاهلاً بذلك مقترحات جميع الأحزاب السياسية، فتكونت بذلك ما أطلق عليها تسمية حكومة الرئيس، إلا أن عمر هذه الحكومة لم يطل كثيراً.

وعلى الرغم من أن الرئيس التونسي قد قام فيما بعد بتكليف هشام المشيشي برئاسة الحكومة وتعيين فريقه الوزاري، فإنه سرعان ما تخلى عن دعمه. ولم تكن أزمة تعطل أداء اليمين أمام رئيس الدولة لتمرير التحوير الوزاري إلا أحد تمظهرات هذا الخلاف.

وفي اجتماع له بمجلس الأمن القومي يوم 25 يناير/كانون الثاني اعتبر الرئيس التونسي التحوير الوزاري الأخير غير دستوري، وذلك لأنه يضم وزراء متهمين بالفساد وشبهات تضارب مصالح.وأضاف أنه من تعلقت به قضية لا يمكن أن يؤدي اليمين، مشيراً إلى أن أداء اليمين ليس إجراء شكلياً بل هو إجراء جوهري.

تباينت آراء الخبراء والمراقبين من موقف الرئيس التونسي بين مؤيد ومعارض، إلا أن الغالبية تكاد تجمع على ضرورة حلحلة الأزمة وتجاوزها. وفي هذا الإطار قالت أستاذة القانون الدستوري بالجامعة التونسية منى كريّم، في تصريح سابق لها لـTRTعربي إن أداء الوزراء اليمين أمام رئيس الجمهورية إجراء جوهري لا يمكن لأيّ وزير المباشرة من دونه، واعتبرت أن تعبير رئيس الجمهورية عن رفضه قبول الوزراء الجدد لأداء اليمين لا يستقيم دستورياً لأن رئيس الجمهورية في اختصاص مقيد، والدستور لم يترك له حرية القبول أو الرفض.

وفي السياق ذاته، قال عياض بن عاشور وهو قانوني تونسي متخصص في القانون العام ورئيس الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي، "لا يمكن حل مشكلة تضارب السلطات بين رئيسي السلطة التنفيذية إلا عن طريق الحل السياسي، في غياب المحكمة الدستورية. إذا تمسك كل من الأبطال بمواقعهم بقوة، فلن نخرج من النفق". ويرى بن عاشور أن الرئيس لا يمتلك سلطة الاختيار ما دام الشرط الأساسي لتشكيل الحكومة قد تم بالفعل من خلال التصويت على الثقة. والقيام بخلاف ذلك هو انتهاك للدستور.

وأضاف الخبير القانوني، أن امتناع الرئيس عن الوفاء بالتزام دستوري، بغض النظر عن إمكانية الاحتجاج بمواد من الدستور، سيكون قادراً على تمهيد الطريق لتطبيق نظرية الشكليات المستحيلة على حد تعبيره.

من جانبه لجأ رئيس الحكومة التونسية هشام المشيشي إلى رأي "استشاري" غير ملزم للمحكمة الإدارية بشأن ملف التحوير الوزاري،والتي بينت بدورها أن لا مؤول للدستور غير المحكمة الدستورية وأن الحل يكون بالإسراع في إرسائها.

وفي سياق متصل قال رئيس البرلمان التونسي ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي في تعليقه على تعطيل أداء اليمين: "رغم أن الدستور لا يعطي لرئيس الجمهورية الحق في رفض وزراء تحصلوا على تصويت الأغلبية في البرلمان، ولكننا في نفس الوقت لم يبلغنا ولم يبلغ للحكومة بشكل رسمي بتفاصيل هذه التحفظات أو من المعني بها بالضبط. طبعاً القضاء هو الوحيد المخول بتحديد صحة اتهامات الفساد من عدمها".

وبالتالي فإن الجدل السياسي في تونس اليوم يكاد يرجع إلى المربع الأول، بل يكاد يبدو أعمق من تجاذبات سنة 2013، وذلك حسب تقييم غالبية الفواعل السياسية في تونس.

لا يخفى على أحد أن الرئيس التونسي قيس سعيد قد عبر تصريحاً أو تلميحاً في أكثر من مناسبة عن عدم اقتناعه بالنظام السياسي وبالدستور الحالي للبلاد وبالبرلمان أو الأحزاب السياسية، و يعتبر مراقبون ومحللون أنه يسعى إلى نظام سياسي رئاسي في معركة الصلاحيات الحالية التي يخوضها.

والدستور الحالي للبلاد التونسية يعطي الصلاحية للرئيس في السياسات الخارجية والدفاعية، ويقوم على توزيع السلطة بين مؤسسات الحكم، إذ إنه لا توجد صلاحيات موسعة أو مطلقة لأي طرف، ويعتبر إحدى لبنات الثورة.

مآلات الصدام بين مؤسسات الحكم

تكاد تتقاطع الرؤى أن مشكلة تونس الأساسية سياسية وليست دستورية، وأن تنصيب المحكمة الدستورية يعد أهم منافذ الخروج من هذا المأزق، ويبقى ذلك تحت مظلة الدستور الحالي.

وفي بيان له وجه الرئيس التونسي الأسبق محمد منصف المرزوقي نداء للرئاسات الثلاث، مطالباً بـ"وضع الأهمّ فوق المهمّ، ومصلحة الدولة والشعب فوق كل اعتبار مهما بدا شرعياً، لا حل اليوم للأزمة إلا بهدنة سياسية توقف كل صراع حول صلاحيات واضحة المعالم في الدستور، على الأقل لحد انتهاء الأزمة الصحية، وعدم تضييع مزيد من الوقت في سجالات لا طائل من ورائها لأحد وخاصة للبلاد، وإنهاء الخلاف الحالي بخصوص تركيب الحكومة يحفظ ماء الوجه للجميع، ويمكّن هذه الحكومة من التفرغ لأهم مهامها أي محاربة الوباء وتخفيف المعاناة الاقتصادية عن الشعب".

من جانبه وفي ضوء الحديث عن إمكانية استقالة الحكومة الحالية قال راشد الغنوشي: إن "استقالة الحكومة مستبعدة وليست في مصلحة البلاد في شيء، خاصة ونحن في قلب أزمة صحية واقتصادية غير مسبوقة. كلمة السر في التجربة التونسية هي الحوار، لذا دعمنا مبادرة اتحاد العام التونسي للشغل لتنظيم حوار وطني لمعالجة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، ولتقريب وجهات النظر بين جميع الأطراف. لا نحبّذ ولا نؤيّد أيّ خيار متصلّب، ونأمل في الوصول قريباً إلى الخروج من التّعطيل الحالي".

إن في تشكيل الحكومة الثالثة منذ انتخابات أكتوبر/تشرين الأول أي خلال فترة قصيرة، دليلاً واضحاً على عمق الأزمة السياسية في تونس، وحجم الخلاف بين الفرقاء السياسيين ومؤسسات الحكم. وزاد من تأكيد ذلك قضية التحوير الوزاري الأخير وتعطيل أداء اليمين من قبل رئيس الجمهورية.

وعلى الرغم من أن كثيرين يرون أن الأزمات تعد من طبيعة المراحل الانتقالية، فإن الوضع الدقيق الداخلي والإقليمي الذي تعيشه البلاد التونسية يحتم على الجميع تغليب المصلحة الوطنية والجلوس على طاولة الحوار، لتجاوز هذه الأزمة، وتحرير الفعل المعطل وعدم تبديد الطاقات في التجاذبات السياسية.

TRT عربي