يومان من الصخب الروسي في دمشق لم ينجحا في رسم صورة ناعمة لبشار الأسد، ولم تتمكن موسكو خلالهما من تصوير العاصمة السورية على أنها مكان آمن للسوريين اللاجئين في كل أصقاع الأرض، فقد طغت مشاهد طوابير الخبز على خطابات المشاركين في المؤتمر.

كان واضحاً أن روسيا تريد عقد المؤتمر في ذروة انشغال أمريكي بالانتخابات الرئاسية مما قد يخفف الضغط على بعض الدول فتشارك في المؤتمر الذي انعقد يومي 11-12 نوفمبر/تشرين الثاني الحالي، ولكن ذلك لم يحصل، فجاء الحضور باهتاً من دول غير معنية بقضية اللاجئين، ولا تستضيف أعداداً مؤثرة منهم باستثناء لبنان الذي يتمتع فيه حزب الله -حليف النظام السوري- بنفوذ كبير.

فشل منذ البداية

المواقف الدولية كانت واضحة في رفض عقد المؤتمر قبل إنجاز حل سياسي متوافق مع القرارات الدولية، وتأمين عودة آمنة وكريمة لملايين اللاجئين السوريين، وهذا لم يتحقق بسبب التعنت الروسي في إبقاء نظام الأسد.

الكاتب والصحفي السوري حسين عبد العزيز يرى أن روسيا فشلت في إدارة الملف السوري سياسياً فالتفتت إلى الشأن الإنساني علّه يكون مجدياً. يقول عبد العزيز لـTRT عربي إنه "بعد محاولتها الفاشلة بثّ الروح في مسار أستانة عبر تلويحها بإنعاش ملف المعتقلين، ومحاولتها الفاشلة الأخرى استمالة الإدارة الذاتية الكردية، اتجهت روسيا إلى الجانب الإنساني على أمل تحريك المياه الراكدة في الملف السوري".

أما عن أسباب الفشل الروسي الذريع في المؤتمر فيتابع عبد العزيز بأن الموقف الأمريكي والأوروبي الحازم من هذا الملف، جعل المؤتمر يقتصر على دول ليس لها علاقة نهائياً بملف اللاجئين باستثناء لبنان، الأمر الذي يعني أن المؤتمر لم تكُن له أي قيمة على مستوى الهدف الذي أقيم لأجله، ناهيك بأنه لم يحقق أي قيمة سياسية.

بازار مالي

أقل الأهداف المرتجاة التي كانت روسيا تعوّل على تحقيقها من عقد المؤتمر هي الضغط على الدول الفاعلة في الملف السوري لفك الحصار عن النظام، وجمع الأموال اللازمة لإعادة الإعمار دون المرور بأي تحوُّل سياسي يرضي السوريين.

لكن هذا الأمر لاقى فشلاً ذريعاً على الرغم من افتتاح البازار المالي بمليار دولار وعد بها رئيس مركز التنسيق الروسي-السوري لإعادة اللاجئين ميخائيل ميزينتسيف في كلمته بافتتاح المؤتمر، وهي مخصصة حسب قوله لإعادة إعمار الشبكات الكهربائية والصناعات وأغراض "إنسانية" أخرى في سوريا.

عدنان عبد الرزاق صحفي سوري مقيم بإسطنبول، قال لـTRT عربي إن "المؤتمر فشل سياسياً واقتصادياً وإعلامياً، ولم تستطع روسيا جلب المال الذي كانت تتوقعه من حضور بعض الدول، وهي التي أسهمت مع إيران والنظام في تحويل سوريا إلى دولة فاشلة، وإيصال شعبها إلى الفقر والجوع".

يضيف عبد الرزاق أن الأهداف الواضحة للمؤتمر تحت عباءة اللاجئين عُبّر عنها من خلال كلمة رئيس النظام في افتتاح المؤتمر، إذ "دلت بشكل واضح على الغايات الاقتصادية، فكان التركيز على الحصار والعقوبات والبنى التحتية المدمّرة في أنها معوقات تقف في وجه عودة اللاجئين مع أنه وحلفاءه هم من كان وراء مغادرة الملايين سوريا بكل الوسائل ورغبة بقية من يحكمهم بالخروج".

أصوات محلية ساخرة

المؤتمر حظي بكمّ هائل من السخرية في أوساط السوريين على اختلاف انتماءاتهم الاجتماعية والسياسية، ورأوا أنه كان من الأجدى وضع نفقاته المالية في دعم الفقراء السوريين الذين باتوا يشكّلون أغلبية في وطنهم.

اقرأ أيضاً:
دمشق وريفها.. مشاريع إيرانية تتمدد والسوري يحلم ببيت

صحفي سوري مقيم في دمشق طلب عدم ذكر اسمه قال لـTRT عربي إن "المفارقة العجيبة التي لم ينتبه لها النظام وروسيا هي طغيان صور الطوابير التي تجمعت أمام الأفران على مواقع التواصل الاجتماعي وإهمال المؤتمر حتى على الصفحات الأشد موالاة، وهذا يعكس موقف السوريين في فشل هذا المؤتمر وعدم جدواه".

أما الأكثر سخرية فكان المنشور الأكثر اتساعاً حول المؤتمر: "الذي اتفق عليه سوريو الداخل، هو الطلب من اللاجئين العودة بشرط خروجهم هم من سوريا".

في الغوطة الشرقية التي يسيطر عليها النظام رُفعت شعارات تطالب بتأمين حاجات الناس قبل عودة اللاجئين، ومن هذه الشعارات ما رُفع باسم أحرار الغوطة الشرقية: "قبل عودة اللاجئين وزعوا على الأفران طحين" مرفقاً بها صورة لطابور خبز طويل في قلب العاصمة.

عودة مشروطة

معارضو لنظام الأسد في الخارج اتفقوا على توحيد شعارهم "العودة تبدأ مع رحيل الأسد"، وأضاف البعض مطالبات أخرى حول محاسبة مجرمي الحرب وإطلاق المعتقلين.

المحامي المعارض إدوار حشوة كتب على صفحته: "أكذوبة عودة اللاجئين! تمثيلية تثير القرف أن يدعو الروس إلى مؤتمر في دمشق التي هجّر نظامها الفاشي هؤلاء بالملايين! الأصل أن إعادة اللاجئين جزء من القرار الدولي 2254 الذي نصّ صراحةً على عودتهم بإشراف دولي".

الصحفي المعارض حكم البابا طالب من باب حسن النية بالإفراج عن المعتقلين قبل الدعوة إلى عودة اللاجئين: "قبل أن تطالبوا بعودة اللاجئين أظهروا حسن النية وأفرجوا عن المعتقلين".

عودة إلى أحضان الجحيم

فلسطينيو سوريا جزء من الهمّ السوري لكونهم في هذه الحرب أصبحوا لاجئين مرة ثانية بعد الهجرة الكبرى من فلسطين المحتلة، ولهم حصتهم في الموت والتشرد على يد النظام السوري.

المحامي الفلسطيني أيمن أبو هاشم أعرب عن دهشته من وقاحة من تسبب بالتهجير في عقد مؤتمر يدعو فيه مَن هجّرهم إلى العودة. يقول أبو هاشم لـTRT عربي "يشكل هذا المؤتمر سابقة تتجاوز كل مقتضيات المنطق البشري والأخلاقي، فلم نشهد في مختلف قضايا اللجوء في العصر الحديث، أن يدعو المسؤولون عن معاناة ملايين اللاجئين والمهجرين قسرياً، إلى عودتهم لوطنهم، مع استمرار نفس السياسات والأساليب القهرية التي أدّت إلى ولادة مأساتهم ومعاناتهم"

أما عن الكارثة التي تتبع عقد مثل هذه المؤتمرات فيرى أبو هاشم أن الغاية منها تتجلى في "إدراك الفلسطينيين السوريين الذين اختبروا نكبتهم الثانية على يد نظام الأسد وحلفائه طوال السنوات الماضية، لدور هذا المؤتمر في تضليل الرأي العامّ، والتغطية على الوقائع المأساوية الصارخة، التي تدفع مَن تبقى من اللاجئين الفلسطينيين في الداخل السوري، إلى البحث عن طرق الهروب من جحيم العيش تحت مطرقة القمع الأمني وسندان الفقر والحرمان والعوز".

لا تختلف حال الفلسطيني السوري عن السوري في معاناته اليومية للحصول على لقمة عيشه، لذلك يرى أبو هاشم في المؤتمر مفارقة تدعو إلى الألم. يقول: "إنها مفارقة تدعو إلى الألم والسخرية بالنسبة إلى السوريين والفلسطينيين على السواء، حين يدعو المؤتمر إلى عودة اللاجئين إلى أحضان الجحيم، فيما يتجه تفكير وأنظار القابعين في طوابير الخبز والغاز والمازوت لمغادرة جحيم الذل والمهانة ويومياته المريرة. وهو ما يفسر توجه أعداد كبيرة من فلسطينيي سوريا خلال هذا العام إلى الأراضي التركية، وتحملهم عناء ومخاطر التهريب في رحلة بحثهم عن ملاذ آمن يصون كرامتهم ويوفر لقمة عيشهم".

نتائج مخيبة.. وبيان ختامي مكرَّر

لم يحقق المؤتمر الغايات المرجوة منه على كل الصعد، وبعض المتابعين يرى أنه عاد بنتائج عكس المتوقع، خصوصاً أن الدول المعنية باللاجئين لم تحضر مثل تركيا والأردن في الجوار، ودول الاتحاد الأوروبي وفي مقدمتها ألمانيا التي وضعت شروطاً واضحة لإعادة السوريين إلى بلدهم، في مقدمتها حصول التغيير السياسي.

وكالة الأناضول التركية عبّرت عن الموقف التركي من المؤتمر إذ قالت: "موسكو تثبت أنها عاجزة عن ابتكار حلول سياسية واقعية معقولة، تُرضي أطراف الأزمة السورية، من خلال طرح الأفكار نفسها بنسخ متعددة".

اقرأ أيضاً:
أزمات تتوالد.. السوريون والحياة في طابور يومي

البيان الختامي أعاد طرح المطالب نفسها التي يريدها النظام وحلفاؤه، وهي أن النزاع في سوريا لا يمكن حله عسكرياً، وأن الحل سياسي يقوده السوريون دون تدخلات خارجية، وعلى ضرورة المساعدة في "العودة الآمنة والطوعية" للاجئين السوريين إلى بلدهم، وإعادة تأهيل البنى التحتية ومساعدة النظام على تنفيذ مشاريع إعادة الإعمار، واستنكار ما سماه "نهب النفط السوري"، ورفع العقوبات الاقتصادية.

في الجانب السياسي أيضاً دعا البيان إلى دعم سيادة ووحدة الأراضي السورية، ومحاربة الإرهاب، وأن لا يشمل اتفاق وقف إطلاق النار "الجماعات الإرهابية".

ووفقاً لآخر الاحصائيات الصادرة عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين فإن عدد اللاجئين السوريين يبلغ نحو 6.6 مليون سوري يتوزعون على دول الجوار كالتالي: في تركيا 3.6 مليون، ثم يأتي لبنان ثانياً بنحو مليون لاجئ، ثم الأردن بنحو 655 ألفاً، فيما يبلغ عددهم في العراق 245 ألفاً، وفي مصر 130 ألف لاجئ.

وتتصدر ألمانيا قائمة الدول الأوروبية بنحو 600 ألف لاجئ، تليها السويد بـ113 ألفاً، واللافت أن كل هذه الدول لم تشارك باستثناء لبنان الذي يحكمه حزب الله شريك النظام في المعركة ضدّ الشعب السوري.

المصدر: TRT عربي