مؤسسة التصنيفات الائتمانية الأمريكية "موديز" (AA)

خلال العقود الأخيرة أضحت الحروب غير التقليدية أكثر تأثيراً وتنوعاً واستخداماً، فإلى جانب الحروب العسكرية بشكلها التقليدي طُوّرت أشكال محدثة من الحروب لها تأثير أكبر وأشمل من نظيرتها التقليدية، أبرزها الحروب الاقتصادية الموجهة التي تلعب خلالها مؤسسات التصنيف الائتماني دوراً محورياً.

فالمهمة الأساسية المنوطة بمؤسسات التصنيف الائتماني العالمية، التي تعتبر نفسها شركات خاصة "مستقلة"، هي إصدار تقييمات الجدارة الائتمانية لوصف مدى قدرة دولة أو شركة معينة على سداد ديونها وقابلية الاستثمار بها، الأمر الذي ينعكس إيجاباً أو سلباً على جلب استثمارات خارجية فضلاً عن كلفة استدانتها داخلياً وخارجياً.

ولذلك، فإنّ التقييمات التي تصدرها هذه المؤسسات، أمريكية الأصل والمنشأ، قد تكون مُسيّسة في بعض الأحيان لغرض تشكيل نوع من الضغوط الاقتصادية على الدول التي تستهدفها الولايات المتحدة الأمريكية. ولكون الولايات المتحدة البلد المهيمن على الاقتصاد العالمي وحركة الأموال والاستثمارات، فإنّ لأيّ تقييم سلبي من طرف هذه المؤسسات القدرة على إلحاق ضرر بالغ على الدولة وشركاتها الكبرى من خلال تعسير الاقتراض والدفع بالتدفقات المالية والاستثمارية للخروج من الدول المستهدفة.

أكبر المؤسسات الفاعلة في هذا المجال

في يومنا الحالي يوجد العديد من الوكالات والمؤسسات التي تقدّم خدمة التصنيف الائتماني، إلا أنّ أشهرها مؤسسات أمريكية ثلاثة، هي "موديز" و"ستاندر آند بورز" و" فيتش"، وواحدة صينية هي "داغونغ"، فبينما حصلت الوكالة الصينية على بعض الاعتراف من الدولة الغربية مؤخراً، ما زالت المؤسسات الأمريكية الثلاثة تواصل هيمنتها على سوق التصنيفات الائتمانية في العالم.

حيث تسيطر كلٌّ من "موديز" و"ستاندر آند بورز" على أكثر من 80% من سوق تصنيفات إصدارات الديون حول العالم سواءً للدول والحكومات والبلديات المحلية والشركات، فيما تسيطر "فيتش" على نسبة أقلّ نسبياً تصل ما بين 10% و15% مقارنة بالشركتين الأخريين. وبشكل عام، فإنّ الشركات الأمريكية الثلاثة تسيطر على ما يراوح بين 90% و95% من سوق إصدار الديون والتقييمات على مستوى العالم.

وتاريخياً، ترجع سيطرة الشركات الائتمانية الأمريكية على سوق إصدارات الديون العالمية إلى عام 1975، وتحديداً بعد إصدار "هيئة الأوراق المالية الأمريكية" قراراً يقضي باعتبار هذه الشركات الثلاثة مزوّداً معتمداً لتقديم خدمة التصنيف الائتماني للأفراد والصناديق الاستثمارية التي ترغب في الاستثمار بسندات حكومية وأسهم ذات تصنيف عالٍ، ومع مرور الوقت تمكّنت هذه المؤسسات من احتكار سوق الدّين الحكومي والخاص، الأمر الذي منحها نفوذاً كبيراً، ليس داخل أمريكا وحسب، بل على مستوى العالم أجمع.

طريقة عمل مؤسسات التصنيف

تسعى الدول، إلى جانب كبرى المؤسسات الحكومية أو الخاصة، إلى الحصول على تقييمات مرتفعة تخوّلها الحصول على ديون وقروض بسعر فائدة منخفضة مقارنة بنظيرتها الحاصلة على تقييمات منخفضة. ولهذا، تمنح مؤسسات التصنيف تقييمات وعلامات معينة توضّح مدى أهلية الدول أو الشركات على الحصول على قروض فضلاً عن قدرتها على التسديد والالتزام بتعهداتها الأخرى المترتبة عليها.

ولأجل ذلك، تستخدم مؤسسات ووكالات التصنيف العالمية أحرفاً وأرقاماً ورموزاً لوصف الجدارة الائتمانية للدول والشركات على حد سواء. والتقييمات بالمجمل تبدأ (AAA) كأفضل تصنيف ائتماني وصولاً إلى أسوء التصنيفات التي يمثلها الرمز (D). كما تقدّم المؤسسات خدمة مراقبة الائتمان، حيث يُستخدم الرمز (+) للدلالة على ترقية الدولة أو الشركة المقترضة إلى صفة "إيجابية"، والرمز (–) لخفض توقّعات التقييم المقبل، فيما قد تُترك دون رموز للدلالة على عدم اليقين، ويمكن شرح ذلك من خلال المثال التالي: (+BBB وBBB و-BBB).

وفيما يخصّ الدول، تعتمد مؤسسات التصنيف الائتماني على معايير أساسية عند تصنيفها وإصدارها تقييمات محددة بحسب حالة كلّ دولة، وبحسب الجهة المقيمة أيضاً. وتتغيّر التصنيفات من عام إلى آخر وفق معايير عدة، أهمّها: موازنة الدولة والعجز التجاري ونمو الاقتصاد والناتج المحلي، فضلاً عن معدّلات البطالة والتضخّم ووضع الديون الخارجية واستقلالية البنك المركزي وغيرها.

تقييمات مُسيّسة

إلى جانب العديد من الدول العالمية والأوروبية، ترى تركيا أنّ هذه المؤسسات ما هي إلا أداة بيد الحكومة الأمريكية تستخدمها من أجل إلحاق ضرر اقتصادي بدول معينة من وقت لآخر، فضلاً عن محاولاتها التأثير سلباً على نموّ الشركات الكبرى المنافسة للشركات الأمريكية.

ففي سبتمبر/أيلول 2016، وعلى إثر تخفيض المؤسسات الأمريكية تصنيف تركيا إلى مستوى "عالي المخاطر"، اتّهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مؤسسات التصنيف الأمريكية، وتحديداً "موديز" بالاكتساء بصبغة سياسية وأنها تعمل وفق دوافع سياسية، كون التقييم حصل بعد أقل من 3 أشهر على محاولة الانقلاب الفاشلة التي قامت بها منظمة كولن الإرهابية والتي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها.

ولم يقتصر استهداف هذه المؤسسات لتركيا وحسب، بل استهدفت أيضاً كلاً من الصين والهند وروسيا في عام 2017، الأمر الذي دفع وزارة المالية الصينية إلى اعتبار قرار "موديز" منهجاً "غير ملائم" لتهويل الصعوبات التي واجهها الاقتصاد الصيني في تلك الفترة.

وفي وقت سابق من عام 2012، تعالت الأصوات الأوروبية المطالبة بتأسيس مؤسسة أوروبية مستقلة للتصنيف الائتماني عوضاً عن تلك الأمريكية التي تُهيمن على السوق بشكل شبه كامل، خصوصاً بعد خفض "ستاندرد آند بورز" بداية العام التصنيف الممتاز لـ9 دول أوروبية وصندوق الإنقاذ المالي الأوروبي من فئة (AAA) إلى فئة (AA). كما اعتمد البرلمان الأوروبي قواعد أكثر صرامة لعمل وكالات التصنيف الائتماني، وذلك من أجل وضع حد لأنشطة مؤسسات التصنيف المُسيّسة.

TRT عربي