في أجواء شديدة التوتر والاضطراب في منطقة القرن الإفريقي على خلفية المعارك في إقليم التيغراي، قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالتوجه إلى جنوب السودان في زيارة هي الأولى من نوعها يوم السبت 28 نوفمبر/تشرين الثاني، لبحث سبل التعاون بين البلدين.

وكان التقى الرئيس المصري نظيره سلفاكير ميارديت، وأجرى الطرفان مباحثات حول عدة قضايا وملفات، كان من أبرزها سبل تعزيز وتطوير العلاقات الثنائية بين البلدين على مختلف المستويات، وعلى رأسها التنسيق السياسي والعسكري وذلك حسب المؤتمر الصحفي الذي عقده الجانبان بُعيد اللقاء.

كما تناول اللقاء بين الرئيسين ملف سد النهضة، وجرى التفاهم فيه حول أهمية التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ومتوازن حول ملء وتشغيل السد.

وأوضح بسام راضي المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية المصرية في بيان له، أن المباحثات شهدت مناقشة أطر وآفاق التعاون المشترك بين مصر وجنوب السودان، حيث أُعرب عن الارتياح لمستوى التعاون والتنسيق القائم بين الدولتين، مع تأكيد دعمه لصالح البلدين والشعبين الشقيقين، وذلك بالاستغلال الأمثل لجميع الفرص المتاحة، وتعزيز الزيارات المتبادلة بين كبار المسؤولين بالدولتين. 

دلالات الزيارة المصرية إلى جنوب السودان 

وقد أثارت زيارة الرئيس المصري لجنوب السودان عدة استفسارات حول الأسباب الحقيقية التي تقف وراء الزيارة في هذا التوقيت، والمساعي التي ترمي إلى تحقيقها. 

ويرى الأكاديمي والباحث في الشؤون الإفريقية، الدكتور محمد أحمد ضوينا، أن مصر تسعى لبناء علاقات إستراتيجية مع دول حوض النيل، لاسيما أن نجاح سد النهضة في تحقيق النهضة لإثيوبيا سيشجع دولاً كثيرة على إنشاء سدود، الأمر الذي سيكون كارثة حقيقية على مصر.

وصرح أيمن السيسي نائب رئيس تحرير جريدة الأهرام، لقناة اكسترا نيوز، أن الزيارة في هذا التوقيت تحمل دلالة على اهتمام مصر الشديد بجنوب السودان باعتبار كونه أصبح حلقة من حلقات الاستقرار في المنطقة وداعماً لكل حوارات السلم، على حسب رأيه.

في حين اتجهت آراء أخرى، وبحسب مصادر مصرية إلى أن الزيارة جاءت لتباحث ملفين رئيسيين وهما إعادة إحياء مشروع قناة جونقلي المتوقف، والوجود العسكري المصري في جنوب السودان.

وقد سعت الأجهزة المصرية في وقت سابق إلى إعادة إحياء مشروع قناة جونقلي، للاستفادة أكثر من المياه التي تعبر من خلالها إلى مصر، وبالتالي تأمين حصة مصر من المياه، بعد التهديد المتواصل بسبب سد النهضة. 

وتتقاطع التصريحات الرسمية للبلدين مع تحليلات وتوقعات وآراء المتابعين والمراقبين على حد سواء، وتتمحور حول ملف سد النهضة وأنه يتربع على قائمة أولويات التباحث بين البلدين، خاصة وأن السد يقع على الحدود مع دولتي السودان وجنوب السودان، وكان من الضروري على الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي العمل على كسب ود الدول التي تشكل الطوق لسد النهضة بعد تعثر مسار المفاوضات مع إثيوبيا. 

هل تنجح الزيارة المصرية إلى جوبا في تحقيق مساعيها؟ 

يشهد القرن الإفريقي موجة نزاعات وحروب داخلية، وخلافات بين قادة دوله، ما جعل المفاوضات حول سد النهضة تتعثر بشكل متواصل، مع غياب آفاق لحلول مستقبلية قريبة الأجل.  

وفي ظل الأوضاع الأخيرة والتوترات التي تشهدها إثيوبيا، تخطو مصر خطوة في سبيل عرض وساطتها بالإضافة إلى الدعم الفني والعسكري لتعزيز السلام في جنوب السودان، وهو ما تباحث حوله الطرفان بشكل معمق خلال الزيارة الأخيرة، وجرى التصريح به خلال المؤتمر الصحفي. 

ويرى مراقبون أن هذا التعاون من شأنه أن يعزز موقف مصر في ملف سد النهضة المتعثر، خصوصاً مع ارتفاع حدة القلق المصري على مستقبل حصتها من مياة النيل.  

كما ناقش السيسي وسلفاكير ضرورة البحث في مزيد من الآليات والمشاريع لزيادة إيرادات النيل، ومنع الضائع من مياه حوض النيل، خاصة وأنه يمكن أن تفكر دولة جنوب السودان بعد تجاوز أزماتها الداخلية في إنشاء سدود على النيل الأبيض الذي يعتبر رافداً كبيراً لنهر النيل.

ويأمل الجانب المصري عبر محاولات التقارب مع القادة الإفريقيين، في الوصول إلى حل لهذه الأزمة، والدفع بمسار المفاوضات بخصوص سد النهضة، والذي يعتبر من أهم الملفات الإقليمية الإفريقية حالياً. 

فإن كانت إثيوبيا تنفي تهديد المصالح المصرية، فإن القاهرة في قلق دائم من تهديد حصتها المائية، وفي سعي متواصل لإقرار حل دائم وفق قانون ملزم لجميع الأطراف. 

في سياق متصل، تنظر إثيوبيا بعين الريبة إلى هذه الزيارة والتي تتزامن مع التوتر في إقليم تيغراي، فمن المؤكد أن الحرب الدائرة هناك سيكون لها تداعيات على خطط إثيوبيا تجاه بناء وتشغيل سد النهضة والتي كانت تمضي فيها منفردة، بيد أن التصريح الأخير لرئيسة إثيوبيا سهلي زودي بأن إثيوبيا سوف تتعاون مع دول حوض النيل في موضوع السد يشير إلى أن إثيوبيا ربما تعمل على انتهاج استراتيجية جديدة للتعامل مع دول حوض النيل.  

TRT عربي
الأكثر تداولاً