على خلفية اتهام الرئيس المعزول عمر البشير بارتكاب جرائم إنسانية في دارفور وإصدار مذكرة توقيف بحقه سنة 2009، قررت الجهات الرسمية في السودان تسليم البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي ما أثار تبايناً كبيراً في المواقف من بين ترحيب ورفض.

عقب لقائها بالمدعي العام للجنائية الدولية كريم أسد خان، أعلنت وزيرة الخارجية السودانية مريم الصادق المهدي بأن مجلس الوزراء قرر تسليم الرئيس المعزول عمر البشير وعدد من أعوانه من رموز وأركان النظام السابق، إلى المحكمة الجنائية الدولية، التي أصدرت في حقه مذكرة توقيف سنة 2009، بسبب اتهامه بارتكاب إبادة وجرائم إنسانية في دارفور منذ عام 2003، أودت بحياة أكثر من 300 ألف شخص.

وبينما كانت محاكمة البشير مطلباً مهماً لطالما انتظره السودانيون، وسط تخوف من إفلاته من العقاب أو حدوث أي نوع من التلاعب في مسار القضاء، فوجئ الكثير بقرار تسليمه لمحكمة لاهاي. وأثار بذلك الخبر جدلاً واسعاً لدى الأوساط القانونية والسياسية، التي اعتبر جزء منها أن في ذلك إهانة وتعدياً على السيادة الوطنية.

ترحيب دولي بالقرار

يقبع الرئيس السوداني المعزول عمر البشير في سجن كوبر بالعاصمة السودانية الخرطوم منذ أبريل/نيسان 2019، بعد الاحتجاجات الشعبية الواسعة التي أطاحت بحكمه. ومنذ ذلك الحين والجميع ينتظر مثوله أمام القضاء ومحاكمته بسبب التهم التي وجهت إليه وتتعلق بملفات وقضايا عدة.

وقد ساهمت الأزمة السياسية التي تعصف بالسودان منذ فترة في تعثر مسار المحاكمة، إلى أن وقع المجلس الوزاري مؤخراً على قانون روما الأساسي للمحكمة الجنائية، وقرر حينها المجلس تسليم البشير وأعوانه إلى المحكمة الجنائية الدولية، مبدين بذلك التعاون مع المحكمة لتحقيق العدالة لضحايا حرب دارفور، وذلك وفق ما صرحت به وزيرة الخارجية السودانية.

من جانبه، أكد رئيس مجلس الوزراء عبد الله حمدوك، خلال زيارة وفد المحكمة الجنائية بأن السودان ملتزم بتحقيق العدالة استجابة للمطالب الشعبية ووفاء للالتزامات الدولية، واعتبر في الوقت ذاته أن زيارة وفد محكمة لاهاي تعد دليلا واضحا على التغيير وعمليات الإصلاح الشامل التي يشهدها السودان الجديد، على حد تعبيره.

وفي هذا السياق اعتبر حاكم إقليم دارفور مني اركو مناوي، قرار السلطات السودانية بتسليم البشير للمحكمة خطوة جادة ومهمة لإنصاف ضحايا دارفور.

وبدورها رحبت الولايات المتحدة الأمريكية على لسان المتحدث الرسمي باسم الخارجية الأمريكية نيد برايس بالقرار، الذي اعتبرته تقدماً كبيراً للسودان في مكافحته عقوداً من الإفلات من العقاب.

إلا أن السلطات الرسمية في السودان وإن أبدت حرصها على إنفاذ القانون وتحقيق العدالة بتسليم البشير، فإن ذلك لم يمنع اعتراض طيف واسع من السودانيين الذين اعتبروه تعدياً على السيادة الوطنية.

هل يسلَّم البشير فعلاً للجنائية؟

اعتبر عدد كبير من الناشطين والمغردين على مواقع التواصل الاجتماعي، قرار تسليم البشير للمحكمة الجنائية الدولية تدخلاً خارجياً في القضايا الداخلية للسودان وانتهاكاً للسيادة الوطنية، وانتقاصاً من قدرة القضاء السوداني في البت في هذه القضايا.

فيما شدد آخرون على أنه من الضروري أن تكون هناك هيئات ومؤسسات منتخبة لاتخاذ مثل هذه القرارات الحاسمة. ويعد حزب الأمة القومي، من أشد المعارضين لقرار تسليم البشير ومحاكمته خارج السودان، ويقترح في ذلك أن تتم محاكمته إلى جانب بقية المدانين عبر محاكم مختلطة أو هجينة داخل السودان.

وفي السياق ذاته، اعتبر محمد الحسين الأمين محامي البشير، خطوة تسليمه لمحكمة لاهاي أمراً مستبعداً، إلا إذا قُدم في ذلك مبرر واضح، وقال الأمين في تصريح إعلامي بأن: "المواد الأولى و17 مقروءة مع الفقرة العاشرة من ديباجة ميثاق روما، تجعل منه نظاماً تكميلياً للقضاء الوطني، ما لم يكن منهاراً أو غير موجود، أو أن تكون الحكومة غير راغبة، أما بخلاف ذلك فيعني أنه لم تعد هناك مقبولية للمحكمة الجنائية ".

ولا يتشارك الأمين الرأي ذاته مع خبراء وأخصاء قانونيين آخرين يرون أنه في ظل عدم إجراء إصلاحات حقيقية وتعثر القضاء، وخاصة ما كشفت عنه تعطيلات محاكمة البشير على خلفية قضية انقلاب 1989، ستدفع حتماً بعض القوى الشعبية أجهزة الحكومة الانتقالية المسؤولة إلى تسليم البشير وأعوانه إلى الجنائية.

فيما اعتبر كثيرون أن التأخير في تسليمه يتعلق أساساً بالإرادة السياسية وبعض القوانين التي يجب على القضاء أن يمر بها، والتي سيذللها توقيع السودان على ميثاق روما.

TRT عربي