تعرف جزيرة غوادلوب الفرنسية احتجاجات وأعمال عنف انطلقت شراراتها بعد فرض إلزامية "الجواز الصحي" (Lara Balais/AFP)

منذ أكثر من أسبوع تصحو غوادلوب، الجزيرة الفرنسية بأرخبيل الأنتيل، على وقع عد خسائر المواجهات الليلية بين المحتجين عن تطبيق إلزامية "الجواز الصحي" والشرطة والدرك الفرنسيين، إذ يرفض شباب الجزيرة القرار ويعتبرونه مساساً بحريتهم، ومن أجل ذلك ينفّذون إضراباً واسعاً ومظاهرات سرعان ما تتحول إلى صدامات عنيفة.

ويرى أولئك الشباب أن الجواز ليس إلا النقطة التي أفاضت كأس سخطهم على الواقع التي تفرضه عليهم حكومة ماكرون، إذ يتفشى في أوساطهم الفقر والبطالة وضعف البنية التحتية والتهميش التامّ، فيما لم يكن لباريس ردّ على هذا السخط إلا تكريس القبضة القمعية ونهج سياسة الآذان الصماء إزاء المطالب الشعبية المشروعة.

من رفض "الجواز الصحي" إلى رفض البؤس

لم يشمل تطبيق قرار إلزامية "الجواز الصحي" الذي أقرته الحكومة الفرنسية في سبتمبر/أيلول الماضي، جزيرة غوادلوب، لتأخُّر حملة التلقيح فيها. وانتظر ذلك شهرين كاملين، لم يحولا في المقابل دون انتفاضة شعبها ضد القرار الذي اعتبروه جائراً.

مع ذلك لا تزال حملة التطعيم ضد وباء كورونا متأخرة، إذ لم يتلقَّ إلى الآن سوى 40% من سكانها جرعات اللقاح مقارنة بـ89% في باقي فرنسا. وتتسع رقعة رفض تطبيق "الجواز الصحي" على كل الأراضي الفرنسية "ما وراء البحار"، حيث أُعلنَ عن إضرابات جديدة مرتقبة في كل من جزر المارتينيك وكاليدونيا الجديدة، تُضاف إلى الحراك الذي تعرفه غوادلوب.

فيما يرى المحتجون أن "الجواز الصحي" ليس إلا القشة التي قصمت تماسكهم أمام سنوات من التهميش والإقصاء الممنهج الذي تمارسه عليهم الحكومة المركزية في باريس، إذ تعرف غوادلوب نسباً مرتفعة من البطالة والفقر، وضعف البنية التحتية وانسداد أفق العيش لشبابها.

وقالت النقابية الغوادلوبية مايتي هوبير في تصريح لها لجريدة "ليبراسيون"، إن "تهديد موظفي قطاع الصحة بالطرد لم يكن إلا النقطة التي أفاضت كأس الوضع المتردي"، هذه الاحتجاجات تمتدّ إثر "غياب تامّ للرعاية الحكومية" يتمثل في "مشكلات في الولوج إلى المياه الصالحة للشرب، والتربة المسممة، وغياب البنية التحتية".

"غياب لرعاية الدولة" لم ينكره حتى منتخبو المجالس المحلية للجزيرة، إذ قال رئيس جهة غوادلوب آري شالو، في حديث لإذاعة "فرانس إنفو": "نرى الرعاية التي يحظى بها سكان البر الفرنسي على عكس سكان الأنتيل المهمشين"، وأضاف أن "ما نريده من الدولة هو أن تصغي لمعاناة الغوادلوبيين، ونشتغل معاً لحلّها".

لا استجابة سوى القمع!

على ما يبدو يبقى ذلك الإصغاء المأمول الذي تحدث عنه السياسي الغوادلوبي بعيد المنال، إذ تستجيب حكومة ماكرون بتعزيز المقاربة الأمنية في مواجهة احتجاجات سكان الجزيرة.

إذ قال وزير الداخلية جيرالد دارمانان عقب اجتماع الأزمة الذي عقده مع وزير أراضي ما وراء البحار سيباستيان لوكورنو بشأن الوضع في غوادلوب، إن "الرسالة الأولى (للحكومة الفرنسية) هي أن الدولة ستتعامل بحزم"، وأعلن أن فرنسا سترسل نحو 50 من أعضاء قوات النخبة التابعة لمجموعة تدخُّل قوات الدرك والشرطة إلى المقاطعة، مما يعزز عدد أفراد الشرطة والدرك فيها إلى 2250.

وفرض حاكم غوادلوب ألكسندر روشات، الذي يمثّل الحكومة الفرنسية في الأرخبيل، يوم الجمعة حظر تجول من السادسة مساء إلى الخامسة صباحاً بعد الاضطرابات التي شهدتها المنطقة والاحتجاجات والمواجهات التي نتجت عنها بين المتظاهرين وقوات الأمن.

في المقابل خاض الرئيس ماكرون مساراً آخر في ضرب المطالب المشروعة للغوادلوبيين الذين نعتهم بـ"الكذابين والمتلاعبين"، ودعا في خطاب له يوم الإاثنين إلى "الهدوء" و"عدم الاستسلام للأكاذيب والتلاعب من البعض بهذا الوضع"، مضيفاً أنه "لا يمكننا استخدام صحة الفرنسيات والفرنسيين لشنّ معارك سياسية. من الضروري الحفاظ على النظام العامّ".

ولا يزيد سلوك الحكومة الفرنسية إزاء الاحتجاجات المتفجرة إلا احتقان الوضع هناك مع تصاعد غضب السكان، فهم بقرارتهم تلك "يصبُّون الزيت على النار" حسب وصف النقابية الفرنسية مايتي هوبير.

TRT عربي
الأكثر تداولاً