دخل العراق إلى فترة حرجة في مشهد التظاهرات وسط انشقاق التيار الصدر وانسحاب أنصاره من ساحات الاحتجاج بل وانقلابهم ضده، ما أدَّى إلى إثارة الكثير من التساؤلات حول أهداف انسحاب الصدريين تزامناً مع تكليف رئيس وزراء جديد للحكومة العراقية.

يأتي هذا في ظلّ عدم تحقيق المتظاهرين مطالبهم، وازدياد حالات القمع والانتهاكات وارتفاع حصيلة الشهداء والجرحى، وعدم قدرة الحكومة على تقديم حلول إصلاحية تنقذ البلاد من أزمات سياسية واقتصادية خطيرة.

أسباب انسحاب الصدر من المظاهرات

تنقسم الخطابات بين مؤيّد لانسحاب الصدر من المظاهرات العراقية، وتخوينه لاصطفافه مع القوات الأمنية التي تحاول فض الاحتجاجات وتمرير مرشح جديد لرئاسة الوزراء وحلّ الأزمة التي طالت أكثر من 4 أشهُر.

بهذا السياق، أوضح القيادي في التيار الصدري، حاكم الزاملي لـTRT عربي قائلاً: "إن انسحاب أنصار التيار الصدري من ساحات التظاهر كان بسبب عتبه على بعض المتظاهرين، وتشكيكهم المواقف الوطنية للصدر. أما الأمر الثاني فلأن المتظاهرين بدؤوا يخرجون من نطاق السلمية ويعرقلون حركة الحياة، ويغلقون الطرق والجسور".

وأضاف الزاملي: "الكثير من سرايا السلام وأتباع التيار الصدري وأصحاب الدعم اللوجستي وخيم تقديم المؤونة والغذاء عندما يرون الصدر غير داعم للتظاهرات، فحتماً سيبدؤون بالانسحاب من ساحات التظاهر، لأنهم خرجوا في وقت سابق استجابة لخطاب المرجعية الدينية، وفي حال التشكيك بنيتهم الوطنية فلن يستمروا بهذا الدعم".

كما تابع الزاملي: "عاتب الصدر المتظاهرين، كما طلب منهم الابتعاد عن الارتباطات الأجنبية والوقوف بجانبه بتظاهرات ضدّ تدخُّل الولايات المتحدة، ولن يحترم ذلك المتظاهرون، ونسوا موقف الصدر معهم طوال الأشهُر الماضية".

مقتدى الصدر رجل إيران الجديد

بعد مقتل قاسم سليماني في العاصمة بغداد، بدأت التخبطات الإيرانية تنكشف وبدأت القيادة تبحث عن الشخص الذي سيضبط الإيقاع ويحافظ على مصالح إيران في العراق، وعلى أثر ذلك جمعت أبرز قيادات الفصائل المسلحة في مدينة قم، لتبدأ المشاورات حول تنصيب الرجل الجديد خلفاً لسليماني.

وبهذا الصدد تحدث الكاتب السياسي حسن سرداح لـTRT عربي قائلاً: "ما حصل في الاجتماع الذي عُقد بمدينة قم الإيرانية بين السيد الصدر وقادة فصائل المقاومة تحت إشراف خامنئي، أن تمت الموافقة بين الفصائل على تسمية السيد مقتدى الصدر قائداً للمقاومة والذي جاء كقرار استراتيجي من إيران بعد سنوات طويلة سادتها توترات خطيرة في العلاقات والاتهامات المتبادلة بين الفصائل الشيعية في العراق".

وأضاف سرداح: "ما سرّبَته الأخبار والوكالات، بدا لنا معه كمراقبين أن القيادة الإيرانية اتخذت قراراً بإبعاد القيادات السياسية المقربة منها نوري المالكي وهادي العامري، بسبب اغتيال الجنرال قاسم سليماني وتحميلها مسؤولية التقصير، وفشلهم في إخماد التظاهرات، ليكون هدفها السيد الصدر المقيم في إيران لأغراض الدراسة كما يدّعي أنصاره".

كما تابع الكاتب السياسي: "إيران تلعب على أوتار مختلفة بأجنحتها السياسية والعسكرية والاقتصادية، وفي هذه المرحلة ستستند إلى السيد متقدى الصدر، لأنه يمتلك الجرأة على إقناع أنصاره للنزول إلى الشوارع، وتغيير وجهة الخطابات من وطنية إلى مذهبية، بالإضافة إلى أنه يمتلك مهارة السيطرة على تلك الفصائل الشيعية المسلحة التي ولدت أغلبية قياداتها من التيار الصدري".

وختم سرداح بتصريحه لـTRT عربي بأن "إيران وجدت في السيد الصدر الشخص الوحيد القادر على تحقيق ما عجز عنه الآخرون لامتلاكه قاعدة شعبية كبيرة يستطيع من خلالها توجيه الأحداث، واتخاذ القرارات ضد الولايات المتحدة، كما منحت إيران ضمانات لزعيم التيار الصدري لتأييده في حال رغبته في تولِّي المرجعية التي يرغب في قيادتها أسوة بوالده السيد محمد صادق".

موقف المتظاهرين: غضب وإصرار

أطلقت تنسيقية المظاهرات بياناً رسميّاً يعلن استمرارية التظاهرات إلى حين تحقيق المطالب، وأوضحت التزامها مواصلة الاحتجاجات وعدم تسييسها لجهات دينية ولأهداف سياسية.

في هذا الصدد تحدث الناشط المدني من بغداد مقداد رحيم لـTRT عربي قائلاً: "الدعوة إلى التظاهر ضدّ القوات الأمريكية خلطت الأوراق، وأجبرت المحتجين على الحد من مطالبهم في تغيير النظام العراقي حتى لا يُتهموا بالخيانة، ولا نريد أن تتحول خطاباتنا إلى شعارات مذهبية ودينية، لكن السيد الصدر يحاول تسييسها لإرضاء إيران، خصوصاً بعد مقتل قاسم سليماني".

وأضاف رحيم: "تصرفات أنصار الصدر واستيلاؤهم بالقوة على مبنى المطعم التركي المسمى "جبل أحد" يعد خرقاً لحرية التعبير، وهو تصرف غادر بحق المتظاهرين لأنهم وثقوا بالسيد الصدر لكنهم انصدموا من طريقة اقتحام أنصاره وتوصيلهم معلومات إلى الحكومة العراقية تخص بيوت المتظاهرين وأماكن وجودهم وعملهم".

من جانبه قال الباحث الاجتماعي من البصرة صابر الفريداوي في حديثه لـTRT عربي: "ندين إحراق الخيام الذي افتعله أنصار التيار الصدري أصحاب القبعات الزرق، ونعدّ ذلك خذلاناً لدماء الشهداء، وهو بحد ذاته انقلاب أيضاً على مسيرة المتظاهرين السلميين. فأنصار الصدر يريدون حرف الأنظار عن الاحتجاجات الرافضة لممارسات الحكومة العراقية واستغلال المتظاهرين من أجل الاستجابة لمطالب إيران".

كما تابع الفريداوي: "نزلنا إلى الشوارع وتركنا وظائفنا كي ندافع عن حقوق الشعب المظلوم طيلة 17 عاماً، ولن نرضى بركوب موجة الحراك، واستغلاله لتحقيق المكتسبات وإبقاء المحاصصة السياسية بين الأحزاب الحاكمة. ونحن نشعر أن خطابات السيد الصدر تغيرت بعد زيارته الأخيرة لإيران، وهذا ما يضع لدينا الشكوك أن ولاءه ليس للعراق".

مكاسب التيار الصدري

انسحاب التيار الصدري كان صادماً للمتظاهرين، لكون المرحلة التي يمر بها العراق حرجة للغاية، وأن الحكومة تدخل مرحلة الفراغ الدستوري في ظل تكليف محمد توفيق علاوي رئاسة الحكومة، الذي يرفضه المحتجون.

في هذا السياق تحدث المحلل السياسي رشيد غراوي لـTRT عربي مصرحاً بأن "قرار السيد الصدر لم يكن دقيقاً على ما يبدو، والدليل على ذلك معارضة بعض أتباعه، واضطرار بعضهم إلى التخلِّي عن الخط الصدري الذي طالما كان ملهمهم الوحيد ومرشدهم في الكثير من المواقف السياسية والجوانب الدينية. لكن هذا القرار كان نابعاً من صفقة سياسية قادمة مع الحكومة".

وتابع غراوي: "إلى جانب الانسحاب السريع لأنصار مقتدى الصدر، بدأت القوات الأمنية تصعيد حملة فضّ الاعتصامات، كأن هنالك تنسيقاً مع القوات بمداهمة الساحات بمجرد خلوها من العناصر الصدرية، وهذا أمر يثير الريبة في نفوس المراقبين والمرابطين في ساحات الاعتصام معاً".

وأضاف المحلل السياسي أن "انسحاب التيار الصدري يمكن أن يُفسَّر بأنه جاء نتيجة لاتفاق سياسي أُبرِمَ مع المكوّنات السياسية العراقية، بهدف الحصول على امتيازات إضافية تصل في الغالب إلى تسلُّم كتلة سائرون أو مَن يحظى برضاها منصب رئيس الحكومة، وهذا ما شاهدناه جليّاً بمباركة الصدر تكليف محمد توفيق علاوي تشكيل الحكومة".

وختم غراوي بقوله إن "السيد مقتدى الصدر حصل على ثقة إيران بشكل كبير، وأصبح زعيم الفصائل المسلحة باسم المقاومة. وقد كسب منصب رئيس الوزراء بشكل مباشر أو عن طريق حصوله على ولاء المكلف الجديد علاوي، لكنه خسر ثقة الشعب، وهذا ما سيكون له أثر سلبي على النطاق الداخلي، وقد ينعكس على الانتخابات البرلمانية في دورتها الرابعة".

في ظل هذه التطورات تتعقّد أزمة المظاهرات العراقية بعد انسحاب أنصار الصدر، إذ يعيش المتظاهرون بين نارين، فالحكومة العراقية تقمعهم من جهة، والتيار الصدري ينسحب ويحرق خيامهم ويعتدي عليهم بالقتل من جهة أخرى، وتبقى الحقوق المشروعة قيد المطالبة إلى حين تحقيقها، وقد تتصاعد موجة الاحتجاجات بعد فرض الحكومة مرشَّحاً جديداً لرئاسة الوزراء، بما سيزيد فجوة الوصول إلى حلول بين المتظاهرين والحكومة.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كتّابها ولا تعبِّر بالضرورة عنTRTعربي.

المصدر: TRT عربي