تبايُن في الآراء حول ما يتعلق بالدور الروسي في الصراع الدائر في ليبيا، ودعم مليشيا خليفة حفتر على حساب حكومة الوفاق الوطني الليبية المعترف بها دوليّاً بقيادة فايز السراج.

في وقت تتهم فيه الولايات المتحدة روسيا بتأجيج الصراع الدائر في ليبيا وأنها تسعى لتوطيد نفوذها في ليبيا والاستيلاء على منابع وآبار النِّفْط هناك، تنفي روسيا تلك الاتهامات وتعتبر نفسها أنها تفعل ما يلزم لمساعدة الليبيين على التغلب على خلافاتهم الحالية، والتوصُّل إلى اتفاق مستقرّ للمصالحة بين الجانبين، على حدّ تعبير دبلوماسييها.

في حين يرى مراقبون أن روسيا تحاول أن تلعب في ليبيا دوراً دبلوماسيّاً من خلال علاقتها بالأطراف، سواء الداعمة لمليشيا حفتر كمصر والإمارات والسعوديّة وفرنسا، إضافة إلى علاقتها بتركيا الداعم الرئيسي لحكومة السراج المعترف بها أمميّاً.

ولم تقتصر الاتهامات الموجهة إلى روسيا على ما يتعلق بنيتها الاستحواذ على حقول النِّفْط، بل طالتها اتهامات وفق تقارير إعلامية أمريكيّة بأنها أرسلت مرتزقة تتبع لمجموعة يطلق عليها اسم "واغنر" (مدرجة على القائمة الأمريكيّة السوداء) للقتال إلى جانب مليشيا حفتر، في شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وعددهم نحو 200 مقاتل، الأمر الذي سارعت إلى نفيه الدبلوماسية الروسية.

إلا أن محللين سياسيين وجدوا أن السبب في تصويب روسيا أنظارها نحو ليبيا، هو رغبتها في أن يكون لها أيضاً موطئ قدم في المواني البحرية على السواحل الليبية، كما هو الحال في سوريا، من أجل تحقيق مصالحها في الشرق الأوسط، من بوابة استغلال الصراع الدائر في ليبيا، بما يخالف إرادة الشعب الليبي.

ووسط كل ذلك يأتي ما ذكره الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، خلال لقاء أجراه معه مساء الاثنين، التليفزيون الرسمي التركي، عن نيته إجراء مكالمة هاتفية مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في ما يخصّ المستجدات الأخيرة في ليبيا، وما يتعلق بدعم بعض الأطراف مليشيات حفتر، يأتي ليطرح عديداً من التساؤلات حول الدور الروسي في ليبيا، وحول ما تخشاه تركيا من التحرك الروسي في ليبيا.

يرى مراقبون أن روسيا تحاول أن تلعب في ليبيا دوراً دبلوماسيّاً من خلال علاقتها بالأطراف سواء الداعمة لمليشيا حفتر كمصر والإمارات والسعوديّة وفرنسا.

وتعليقاً على ذلك قال المحلل السياسي المختص بالشأن الروسي محمود الحمزة لـTRT عربي، إن "روسيا منذ أن اعتبرت نفسها ساهمت بإسقاط القذافي والسماح للغرب بذلك، امتنعت عن التصويت بمجلس الأمن ولم تصوّت ضدّ قرار التدخل الدولي في ليبيا، فتضررت الشركات الروسية النِّفْطية، وكانت علاقات روسيا قوية مع ليبيا التي كانت تشتري الأسلحة الروسية، إضافة إلى تدريب الضباط الليبيين في روسيا".

وأضاف أن "روسيا اعتبرت نفسها خسرت كثيراً في ليبيا، وبعد أن تدخلت في سوريا عسكريّاً واعتبرت أن تدخُّلها العسكري في سوريا انتصر وحقّق نتائج على حسب زعمهم، لذلك بدؤوا منذ فترة يتحركون بالنسبة إلى الملف الليبي ويتعاونون مع مصر والإمارات، وهو تحالف لضرب الثورات، لذلك فإن التدخل الروسي في ليبيا حقيقة".

وتابع: "روسيا متورطة في ليبيا بقوة، بخاصة عن طريق الشركات الأمنية الخاصة التي تدافع عن مصالح روسيا النِّفْطية وغيرها".

وفي 7 أبريل/نيسان الماضي وقفت روسيا ضدّ إصدار مجلس الأمن الدولي بياناً كان سيطالب قوات حفتر بوقف هجومها على طرابلس، في حين أصرت موسكو على أن البيان يجب أن يشمل يدفع القوات في ليبيا إلى وقف القتال، الأمر الذي اعتبره مراقبون مؤشراً واضحاً على دعم روسيا الضمني لحفتر.

أما ما أهداف روسيا في ليبيا فقال الحمزة إن "روسيا تريد أن تعيد أمجادها في ليبيا، لأن حفتر وعد روسيا بإحياء اتفاقيات شراء الأسلحة التي كانت تربط روسيا وليبيا من أيام القذافي، والتعاون في مجال النِّفْط والأسلحة والغاز، وبالتالي فالروس يهمّهم ذلك لأن السياسة الروسية بعد تفكُّك الاتحاد السوفييتي هي سياسة براغماتية تنطلق من المصلحة الخاصة للنخب الحاكمة في روسيا كأولوية، لذلك هم مستعدون للتدخُّل عسكريّاً وإشعال الحروب من أجل مصالحهم الاقتصادية".

وكان أردوغان قال مؤخَّراً، إن "الإمارات ودولاً أخرى دعمت حفتر، بعكس تركيا التي وقَّعَت اتفاقية مع الحكومة المعترَف بها دوليّاً، وأرسلت مساعدات للشعب الليبي، وبعقد هذه الاتفاقية فبين الدولتين تعاون عسكري وتدريبي وتسليحي عسكري".

وأشار الحمزة إلى أن "تركيا أيضاً تدخلت في ليبيا إلى جانب حكومة السراج الشرعية، وهي تدعم تلك الحكومة بقوة وتدافع عنها وتساعدها لصَدّ الهجوم العسكري لحفتر المدعوم من الإمارات وروسيا ومصر".

في ليبيا يبدو أن الأتراك شعروا بأنه لا بد من التدخُّل كون حفتر يحظى بدعم مادي وعسكري من روسيا ومن الإمارات ومصر ودول أخرى وهذه دول جميعها تدعم الثورات المضادة بداية من دعم السيسي وصولاً إلى حفتر.

محمود الحمزة، محلل سياسي مختصّ بالشأن الروسي

وأعرب الحمزة عن اعتقاده بأن تكون ليبيا ساحة يتصادم فيها الطرفان الروسي والتركي، وقال إن "من الواضح وجود ساحة أخرى غير سوريا، ففي سوريا تفاهم تركي-روسي ومحافظة على المصالح الكبرى بين الطرفين".

وأضاف الحمزة أنه "في ليبيا يبدو أن الأتراك شعروا بأنه لا بد من التدخُّل كون حفتر يحظى بدعم مادي وعسكري من روسيا ومن الإمارات ومصر ودول أخرى، وهذه دول جميعها تدعم الثورات المضادة بداية من دعم السيسي وصولاً إلى حفتر، ويتمنون أن ينتصر لكي يحوّل ليبيا إلى مصر ثانية تحت حكم جنرال دكتاتور".

ورغم اعتقاده بأن ليبيا من الممكن أن تكون ساحة صراع بين روسيا وتركيا، فإنه أشار إلى أن "الطرفين قد يجدان لغة مشتركة لأن المصالح التي تربط البلدين كبيرة جدّاً لا يمكن التفريط فيها، وبالتالي فهما مضطران إلى إيجاد حل وسط يناسب الطرفين".

ويوم 27 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي وقّع الرئيس أردوغان مذكرتَي تفاهم مع رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني الليبية فايز السراج، تتعلقان بالتعاون الأمني والعسكري بين تركيا وليبيا، ومذكرة تحديد مناطق الصلاحية البحرية النابعة من القانون الدولي، لحماية حقوق البلدين، الأمر الذي أزعج أطرافاً عدة أبرزها مصر واليونان.

بدوره قال رئيس المسار العسكري في مركز طوران للدراسات بتركيا الباحث رشيد حوراني، في حديثه لـTRT عربي، إن "الوجود الروسي يُعتبر مقلقاً لتركيا، لأنه بوابة الروس لزيادة نفوذهم في إفريقيا التي بدأت تركيا تنتشر فيها، في الصومال والسودان، وبالتالي قد ينافس تدخُّل روسيا في ليبيا وجودها في القارة الإفريقية".

كما أن "الروس تَدخَّلوا إلى جانب حفتر الذي يحارب حلفاء الأتراك في ليبيا المتمثلين في حكومة الوفاق الشرعية، وروسيا ترى أنها إن نجحت في تعويم حفتر ورفعت الأمم المتحدة حظر الأسلحة على ليبيا المفروض حاليّاً، فإنها (ليبيا حفتر) ستصبح الزبون الكبير في شراء السلاح من الروس".

وأضاف حوراني أن "الاتفاقيات التي أعلنتها تركيا مع حكومة الوفاق بهدف ترسيم الحدود الاقتصادية البحرية مع ليبيا شرقي المتوسط، شكّلَت معارضة روسية شديدة، وهي التي تحلم بالنفوذ الكبير في المياه الدافئة، وقد تكون واشنطن منحت عضو الناتو (تركيا) الضوء الأخضر كي تحجّم المساعي الروسية لوضع حد لها في حوض المتوسط".

المرتزقة الروس ساهموا في مسألة التوازن الاستراتيجي من خلال الدعم الذي قدمته لقوات حفتر في مساعيه للسيطرة على طرابلس.

رشيد حوراني، رئيس المسار العسكري بمركز طوران للدراسات بتركيا

وتابع حوراني: "من أجل ذلك سارع بوتين إلى التصعيد الجوي في أرياف إدلب بسوريا، مستهدفاً عدة مواقع في العمق المحرَّر، مثل السجن المركزي وسراقب وقرى منطقة أريحا ومحمبل وأورم الجوز وبديتا، بالإضافة إلى كفر نبل ومعرة النعمان التي نالت النصيب الأكبر من التدمير، مُوقِعاً المجازر بعشرات القتلى والجرحى، إضافةً إلى تدمير النقاط الحيوية من المساجد والأسواق والمدارس والمنشآت الإدارية".

ولفت الانتباه إلى أن "المرتزقة الروس ساهموا في مسألة التوازن الاستراتيجي، من خلال الدعم الذي قدمته لقوات حفتر في مساعيه للسيطرة على طرابلس، وبالتالي بدت الحرب أكثر تجسيداً لتضارب المصالح الروسية-التركية".

وكان الرئيس أردوغان حذّر في كلمته خلال اللقاء مساء الاثنين، من أن تركيا لا تريد أن تصبح ليبيا سوريا ثانية، وأنه سيُجرِي المكالمة مع بوتين لأن وجود حفتر غير شرعي ولا قانوني، ودعمه غير قانوني أيضاً.

من جهته رأى الباحث والمختصّ بالشأن التركي مهند حافظ، أن "تركيا بادرت بالاتفاق مع حكومة الوفاق الليبية لأكثر من سبب: أولاً لديها معلومات استخباراتية خاصة عن تحرُّكات عسكرية وأمنية من موسكو في ليبيا، ثانياً تريد أن تحدِّد حركة التفاهمات بين حفتر وروسيا من جهة، وبين حفتر ومصر ومن خلفها الإمارات من جهة أخرى، لأن تركيا تدعم الشرعية الدولية ولا تريد أن تكون اليد الطولى للانفصاليين الليبيين الممثَّلين بجماعة حفتر".

وأضاف حافظ في حديثه لـTRT عربي، أن "تركيا تريد أن تكون خيرات البحر المتوسط مشاركة بينها وبين الحكومة الليبية الشرعية، لتقطع الطريق على إسرائيل وعلى أي اتفاق معها من اليونان أو مصر أو قبرص اليونانية".

وتبقى تركيا الرقم الصعب في جميع القضايا لكونها الطرف الأقوى والمعطِّل لكل القرارات التي تتعارض مع رغبة الشعوب، وهذا ما أكّده أردوغان مؤخَّراً بعد توقيعه الاتفاقية مع السراج، مؤكّداً أن الهدف حماية المصالح الليبية قبل المصالح التركية.

المصدر: TRT عربي