ألحقت ولاية الرئيس الأمريكي المُنتهية صلاحيته دُونالد ترمب أضراراً بالغة بالعلاقات الجزائرية-الأمريكية، وكان عُنوان تدهور العلاقات الجزائرية-الأمريكية اعترافه المُفاجئ بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، مُقابِل اتفاقية السلام مع إسرائيل.

وعلى الرغم من تأكيد الطرفين الجزائري والأمريكي أن العلاقة بين البلدين مُتميزة، فإن الجزائر بقيت خارج حسابات ترمب، وكانت تطفو على السطح بين حين وآخر تقاطُعات معقدة واختلاف حادّ في وجهات النظر حول القضايا الأمنية والإقليمية، وبرز أول صراع غير معلن بين البلدين في الملف الليبي بعدأن رفضت واشنطن تأييدخلافة الجزائري رمطان لعمامرة للبناني غسان سلامة الذي استقال من منصبه كمبعوث أممي إلى ليبيا مطلع مارس/آذار الماضي لأسباب صحية.

وكان ملف الصحراء الغربية القطرة التي أفاضت الكأس بعد أن ضرب ترمب الذي لم يتبقَّ على رحيله سوى أيام معدودة، عُرض الحائط بالدعم الأمريكي لحقّ الشعب الصحراوي في تقرير المصير، واعترف بمغربية الصحراء الغربية، وهو القرار الذي سيفجر العلاقات بين البلدين في حالة ما إذا قرر الرئيس المنتخب جو بايدن التمسك به.

فتور في العلاقة

الفتور بين واشنطن والجزائر، كان يشملُ أيضاً التعاون بين البلدين في المجال العسكري، إذ كانت صفقات التسليح بين البلدين منعدمة في وقت تُصنَّفُ فيه الجزائر في خانة المشترين الخمسة الأوائل للأسلحة الروسية، إذ تفوق نسبة المعدات التي تتلقاها البلاد من روسيا ما يقرب 80 بالمئة، فيما يُصنَّف المغرب كأول زبائن السلاح الأمريكي في منطقة شمال إفريقيا.

ولم تحقّق الاستثمارات الأمريكية في الجزائر المُستوى المطلوب للأمريكيين بسبب المنافسة الشرسة التي تواجهها مع الصين وروسيا وحتى تركيا التي دخلت على الخط في السنوات الأخيرة، إذ تكشف إحصائيات رسمية أن حجم الاستثمارات الأمريكية في الجزائر بلغ 14 مليار دولار فقط منذ 2014.

وبمُجرد أن تأكدت الجزائر من فوز المُرشح الديمقراطي جو بايدن، قدم الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون "تهانيه الحارة لرئيس أمريكا الجديد"، وأكد له في برقية تهنئة استعداده للعمل معه على "توطيد العلاقات الثنائية" و"رفع التحديات" التي تواجه البلدين في إطار الحوار الاستراتيجي بينهما.

وخاطب تبون بادين قائلاً: "إن اختيار شخصكم لتقلد هذا المنصب الرفيع لهو شهادة عرفان وتقدير لالتزامكم الدؤوب لخدمة الشعب الأمريكي وللروح الوحدوية التي تتّسمون بها، وكذا قيم الانفتاح والتسامح التي يرتكز عليها مشروعكم السياسي الذي حظي بتأييد مواطنيكم. فتجربتكم الطويلة والغنية ومعرفتكم بالقضايا الدولية وتمسُّككم بفضائل الدبلوماسية والحوار تمنحكم رصيداً كبيراً لتفعيل دور الولايات المتحدة على الساحة الدولية من أجل بناء عالم أكثر أمناً وعدلاً واستقراراً".

اليوم وبعد فوز بايدن يتساءل الشارع الجزائري عن مُستقبل العلاقات الجزائرية-الأمريكية التي لم تأخذ حيزاً واسعاً من الاهتمام، في وقت صوّبت فيه الجزائر بوصلتها نحو الدب الروسي والعملاق الصيني اللذين باتا يشكّلان مصدر قلق كبير لأمريكا.

تباين في الآراء

وقد اختلفت أراء الخُبراء والمتابعين للمشهد الدولي حول آفاق العلاقات بين البلدين، بين من يرى أن الطريق لن تكون مفرُوشة بالورود وسيسير بايدن على خطى سلفه الذي نسف العلاقات مع الجزائر في آخر أيام من حكمه، ومن يعتقد أن بايدن سيكون أكثر مُرونة وعقلانية لتحقيق المصالح الاستراتيجية الأمريكية الأساسية والتصدي لصعود خصومها في البلاد مثلروسيا والصين.

ويعتقدُ المُحلل السياسي والإعلامي في الجزائر أحسن خلاص، أن عدم اتضاح الرؤية السياسية بعد الحراك الشعبي بالجزائر والظروف التي مرت بها البلاد في العامين الأخيرين، وراء الانخراط الأمريكي المحدود في الجزائر.

ويقول أحسن خلاص لـTRT عربي، إن التواصل الدبلوماسي مع الجزائر كان متدنياً أو حتى معدوماً، ما عدا الزيارة الأخيرة التي أجراها وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2020، في أول زيارة لمسؤول عسكري نافذ منذ 15 عاماً.

ويتوقع المتحدث أن ينتهج بايدن نفس الاستراتيجية التي تبناها سلفه في البيت الأبيض دونالد ترمب، فاهتمامه انصبّ بصورة أساسية على الحفاظ على الاستثمارات والعلاقات التجارية التي شكّلها الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما.

أما المحلل الاقتصادي البروفيسور عبد القادر بريش، فيتوقع أن تكون السياسية الخارجية الأمريكية بقيادة بايدن أكثر هُدوءاً مُقارنةً بعهد سابقه ترمب.

ويُقول بريش في تصريح لـTRT عربي، إن الرئيس الأمريكي القادم سيعمل على الحفاظ على العلاقات الاقتصادية الاستراتيجية، بخاصة في قطاع الطاقة والصناعات الثقيلة. ويمثّل هذا تحدياً صعباً لبايدن بالنظر إلى المنافسة القوية التي سيواجهها من دول انتزعت من أمريكا الريادة في هذه المنطقة على غرار الصين وتركيا، وبالأخص روسيا.

وعام 2019 نشر معهد واشنطن دراسة تحت عُنوان "رُوسيا تشقّ طريقها في شمال إفريقيا"، أوصى فيها إدارة دُونالد ترمب بضرورة منح الجزائر أولوية من ناحية تحقيق انفتاح اقتصادي وسياسي، ودعاها إلى التخلي عن الحذر التقليدي في علاقات واشنطن مع الجزائر، حتى إنه حذّرها من التوسع الرُّوسي المُتنامي في جميع دُول المغرب العربي، ووصف هذا بـ"التحدي الكبير للمصالح الأمريكية الاستراتيجية".

وذهب المحلل السياسي والخبير في القانون الدولي إسماعيل خلف الله في نفس الاتجاه، وعلّق بالقول إن العلاقات الجزائرية-الأمريكية قد شهدت فُتوراً على ضوء تباين المواقف إزاء ما يجري في ليبيا والصحراء الغربية، إذ تَبيَّن أن أمريكا كانت تقف وراء مُعارضة تعيين وزير الخارجية السابق رمطان لعمامرة كمبعوث أممي إلى ليبيا، وقبلها بسنوات وبالتحديد سنة 2015 سحبت جولات الحوار بين الأشقاء الليبيين من الجزائر ونقلتها نحو مدينة الصخيرات المغربية.

ويقول إسماعيل خلف الله لـTRT عربي، إن حدة التنافر تفاقمت بعد اعتراف ترمب بسيادة المغرب على إقليم الصحراء الغربية، وهو القرار الذي زاد الطين بلة وأظهر تخندق الإدارة الأمريكية مع المغرب في هذا الملف.

ويتوقع الخبير في القانون الدولي إمكانية تغيير إدارة بايدن طريقة التعامل مع الجزائر وإنهاء القطيعة والجفاء الحاصل، واستدل خلف الله بتصريحات الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن، التي قال فيها إن أمريكا ستكون مُستعدة للقيادة مجدداً على الساحة العالمية، كما أنه تعهد بالعمل مع حلفاء واشنطن في الخارج، حتى أنه أبدى نيته بعد توليه السُّلطة إبعاد الولايات المُتحدة الأمريكية عن النهج الوطني أحادي النزعة الذي تبنَّاه الرئيس دُونالد ترمب.

ويُؤكد خلف الله أنه من مصلحة أمريكا أن تكون لها علاقات جيدة مع الجزائر، لأن أمريكا تناور من أجل مواجهة المد الروسي والصيني، والجزائر تربطها علاقات وطيدة مع هاتين الدولتين.

ويوافقه في الرأي الباحث في الشؤون السياسية والأمنية في منطقة الساحل الإفريقي مبروك كاهي، إذ يقول لـTRT عربي إن الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة بايدن ستسعى لتطويق توغل منافسيها الأقوياء في الجزائر وجميع بلدان المغرب العربي التي تشكّل مصدراً مهمّاً للنمو الذي لم يُسلَّط عليه الضوء كما ينبغي، إذ كشف صُندوق النقد الدولي في عام 2019 أن حصة التبادلات التجارية بين بلدان المنطقة أقل من 5 في المئة من مجموع التبادلات التجارية لبلدان المغرب العربي.


TRT عربي
الأكثر تداولاً