إن الأهمية ذات الأوجه المتعددة التي حظي بها العراق جعلته موضع اهتمام أمريكي وإيراني، فالسيطرة عليه تعني التحكم بمفصل جغرافي مهم في المنطقة وما حولها، لذلك يشتد الصراع بين الدولتين بهدف الهيمنة على بلد غني بالنفط والموارد الاقتصادية.

الحكومة العراقية الجديدة برئاسة مصطفى الكاظمي تبحث القضايا الشائكة بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية وتدرس التدخلات الإيرانية في المنطقة، إذ طرح العراق على طاولة الحوار أبرز الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية.

إن الأهمية ذات الأوجه المتعددة الجيوسياسية والاقتصادية التي حظي بها العراق جعلته موضع اهتمام أمريكي وإيراني، فالسيطرة عليه تعني التحكم بمفصل جغرافي مهم في المنطقة وما حولها، لذلك يشتد الصراع بين الدولتين بهدف الهيمنة على بلد غني بالنفط والموارد الاقتصادية المتنوعة.

كما تسعى الدولة العراقية إلى إعادة تقييم شامل لمستويات العلاقة الثنائية بين البلدين ولا سيما بعد تسلم الكاظمي رئاسة الوزراء، وهذا ما كان واضحاً في بيان الحكومة، إذ ورثت حكومته عدة تراكمات خطيرة من سابقتها، ينبغي معالجتها ووضع حلول مناسبة لتجاوز أزمات عانت وما زالت تعاني منها البلاد، أبرزها ملف وجود القوات الأجنبية في معسكرات داخل الأراضي العراقية، بالإضافة للدور الإيراني عبر الأحزاب المتنفذة على أهم وزارات الدولة ومشاريعها الاستثمارية.

الحوار الثنائي الاستراتيجي

دعا وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في السابع من أبريل/نيسان 2020 إلى حوار استراتيجي بين الولايات المتحدة والعراق لبحث مستقبل العلاقة بين البلدين.

وحدث اللقاء فعلياً في أغسطس/آب 2020 ضمن سلسلة اجتماعات بين كبار مسؤولين أمريكيين وعراقيين، وحسب خبراء فإن للعراق أهميةً استراتيجية كبيرة بالنسبة إلى الولايات المتحدة من أجل ضمان الاستقرار في الخليج ومدّ الاقتصاد العالمي بالنفط والحدّ من خطر اندلاع حرب شعواء مع إيران.

بهذا الصدد صرّح المتحدث باسم وزارة الخارجية العراقية أحمد الصحاف لـTRT عربي قائلاً: "جدّد العراق والولايات المتحدة تأكيدهما المبادئ المتفق عليها في اتفاقية الإطار الاستراتيجي، إضافة إلى المبادئ التي وردت في تبادل المذكرات الدبلوماسية، ومراسلات جمهورية العراق إلى مجلس الأمن الدولي المرقمة (S/2014/440)، وقد جددت الولايات المتحدة تأكيدها احترام سيادة العراق، ووحدة أراضيه، وصيانة القرارات ذات الصلة الصادرة عن السلطات التشريعية والتنفيذية العراقية".

وتابع: "فيما يخص الجوانب السياسية، أعربت الولايات المتحدة عن وقوفها إلى جانب جمهورية العراق، ليس من خلال التعاون الثنائي الوثيق على المستويين الأمني والسياسي فقط، ولكن من خلال دعمها للبلاد والحكومة الجديدة برئاسة الكاظمي".

وأكدت الولايات المتحدة أهمية مساعدة العراق في تطبيق برنامجه الحكومي والإصلاحي بالشكل الذي يلبي طموحات الشعب، بما في ذلك مواصلة الجهود الإنسانية، واستعادة الاستقرار، وإعادة إعمار البلد، وتنظيم انتخابات حرة وعادلة ونزيهة".

كما أضاف الصحاف: "أشارت الولايات المتحدة إلى التزامها التعاون مع شركائها الدوليين، بهدف دعمها المتواصل للتحضيرات التي يجريها العراق للانتخابات، وجهود دعم سيادة القانون، وحقوق الإنسان، وإعادة النازحين وتسهيل عملية اندماجهم، ولا سيما الأقليات في المجتمع العراقي التي تعرضت للإبادة على يد تنظيم داعش الإرهابي".

وفيما يتعلق بقضايا الاقتصاد والطاقة، تحدث المستشار المالي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح لـTRT عربي قائلاً: "قريباً ستشارك شركات أمريكية في عديد من مشاريع التنقيب عن النفط بالعراق، إذ وقعت الحكومة العراقية 5 عقود مع كبرى الشركات الأمريكية، بينها شيفرون، وجاءت هذه الاتفاقيات مع حكومة بغداد بهدف تعزيز التبادل التجاري بين الولايات المتحدة والعراق في مجال الطاقة".

كما تابع صالح: "يبلغ إجمالي قيمة الاتفاقيات الموقعة بين العراق والشركات الأمريكية 8 مليارات دولار، وهذه الخطة الاستثمارية ستخفف خسائر العراق جراء هبوط أسعار النفط بسبب جائحة كورونا، إذ بحثت الولايات المتحدة تزويد العراق بالمستشارين الاقتصاديين للعمل بشكل مباشر مع حكومة العراق من أجل المساعدة على تعزيز مستوى الدعم الدولي لجهود حكومة العراق الإصلاحية، بما في ذلك الدعم المقدم من المؤسسات المالية الدولية فيما يخص خطط تشريع إصلاحات اقتصادية جوهرية".

التعاون العسكري والاستخباراتي

منذ مقتل قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني بغارة أمريكية قرب مطار بغداد الدولي، في 3 يناير/كانون الثاني عام 2020، تعمل إيران بجهد واسع النطاق على زيادة الضغط على القوات شبه العسكرية والكتل والأحزاب السياسية العراقية الحليفة لها. هذا الضغط الإيراني دفع حلفاء طهران في بغداد إلى الضغط بدورهم على الحكومة الاتحادية، لطلب إخراج القوات الأجنبية، الأمريكية بالمقام الأول، وكذلك زيادة الضغط العسكري على قوات التحالف الدولي والقوات الأمريكية عبر تنفيذ هجمات على مراكز وجودها بالعراق، لإرغامها على مغادرته.

لكن نتائج الحوار الأخير بين الكاظمي وترمب أظهرت مساراً معاكساً لمخططات إيران، وبهذا الخصوص تحدث وزير الدفاع جمعة سعدون لـTRT عربي بقوله: "التفاهم الاستراتيجي بين العراق والولايات المتحدة ينصّ على بقاء القوات الأمريكية في العراق خلال المرحلة المقبلة، بالإضافة إلى تعهُّد العراق بتوفير الحماية لأفراد التحالف الدولي والمنشآت الدبلوماسية الأجنبية".

وتابع سعدون: "فيما يخصّ الشراكة الأمنية أقر البلدان بأنه في ضوء التقدم المتميز بشأن التخلص من تهديد تنظيم داعش الإرهابي، ستواصل الولايات المتحدة خلال الأشهر المقبلة تقليص عدد قواتها والاتفاق مع الحكومة العراقية حول وضع القوات المتبقية".

وأضاف: "كما أكدت الولايات المتحدة أنها لا تسعى لإقامة قواعد دائمة أو وجود عسكري دائم في العراق، كما اتُّفق عليها مسبقاً في الاتفاقية الأمنية لعام 2008، التي تنصّ على أن التعاون الأمني يتم على أساس الاتفاقات المتبادلة، والحكومة العراقية لن تتنازل عن مبدأ الحفاظ على سيادة العراق، وتثبيت الجهد العسكري والأمني بالتعاون مع الولايات المتحدة".

ولفت وزير الدفاع إلى أن "الولايات المتحدة لها وجود عسكري في نحو 14 قاعدة جوية ومعسكراً بمناطق مختلفة من شمال وغرب بغداد، وفي إقليم كردستان العراق، من أهمها التاجي وبلد في إطار حدود العاصمة بغداد، والنصر قرب مطار بغداد الدولي، والتقدم وعين الأسد في الأنبار، والقيارة بمحافظة صلاح الدين، والقصور الرئاسية بمركز مدينة الموصل، وقاعدة حرير في أربيل".

وأكمل حديثه بقوله: "هذه القواعد ضمن الاتفاقية الرسمية مع الحكومة العراقية، والوجود الأمريكي في البلاد يتمثل ضمن خطوات لتدريب القوات العسكرية وتطوير جهاز استخباراتي في العراق، وبالتالي فالولايات المتحدة في العراق من أجل مهمة واضحة وحسب اتفاق محدد".

موقف الأحزاب الحاكمة

أعادت الأحداث الأخيرة بين الولايات المتحدة وقوات الحشد الشعبي، طرح موضوع الاتفاقية الأمنية بين واشنطن وبغداد، فطالب عدد من القوى السياسية الموالية لإيران بإلغائها عبر إقرار قانون في البرلمان ينهي الوجود الأمريكي في العراق، وقد أُثير هذا الحدث بعد المباحثات الأخيرة بين الولايات المتحدة والعراق تحت قيادة الكاظمي.

استنكر النائب عن تحالف سائرون التابع للتيار الصدري رعد المكصوصي، وقال لـTRT عربي: "أغلب الكتل السياسية طالبت بإلغاء الاتفاقية لأنها بمثابة احتلال للبلد، فأمريكا تسلب مقدَّرات العراق بذريعة الحماية الأمنية والتعاون العسكري، وهذا ما يهدد سيادة العراق".

وتابع المكصوصي: "على رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي أن يستجيب للكتل الكبرى التي تشكّل البرلمان العراقي، وأبرزها سائرون والفتح وائتلاف دولة القانون، إذ اتفقت هذه الكتل على إلغاء الاتفاقية الأمنية الأمريكية والاعتماد على القوات العراقية فقط".

من جانب آخر قال النائب حسين عرب المتحدث باسم تحالف عراقيون بزعامة عمار الحكيم، لـ TRT عربي: "إن أبرز ما ناقشه الكاظمي خلال زيارته إلى واشنطن هو ملفات أمنية واقتصادية وملف النفط والغاز، وتسليح القوات الأمنية العراقية وتدريبها، وهذه الزيارة مهمة جداً لترتيب أوضاع العراق، خصوصاً فيما يتعلق بالوضع المالي الخانق، أما من الناحية العسكرية فمن مصلحة العراق وأمريكا وجود صورة حقيقية لمعرفة عدد تلك القوات والقواعد التي هي فيها".

أما القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني ماجد شنكالي، فقد تحدث لـTRT عربي قائلاً: "مباحثات حكومة بغداد مع واشنطن ستكون لها انعكاسات كبيرة داخل العراق خصوصاً مع وجود معلومات بأن الإدارة الأمريكية ستقدم دعماً كبيراً للعراق، مقابل إبعاده عن إيران وتقويض نفوذها، فقد يقبل الكاظمي بكثير من الشروط مقابل حصوله على الدعم الأمريكي لكونه يدرك استحالة عبور الأزمات الحالية دون دعم دولي كبير له".

إبعاد سيطرة إيران عن العراق

حمل الكاظمي ملفات مهمة وحساسة فيزيارته الرسمية الأولى إلى واشنطن، وسط توجس من حلفاء طهران السياسيين والأذرع المسلحة الموالية لها في العراق من المباحثات التي كان من أبرز نتائجها إعادة توازن القوى ومناقشة المعسكرات الإيرانية والتفاتها الاقتصادي على عقوبات الخزانة الأمريكية.

بهذا السياق تحدث رئيس مركز التفكير السياسي إحسان الشمري وقال لـTRT عربي: "إن توقيت زيارة الكاظمي واشنطن قد لا يدفع إلى انعكاسات كبيرة في نتائجها على الداخل العراقي، مع قرب الانتخابات الرئاسية الأمريكية، بل الهدف الأمريكي من استقبال الكاظمي هو إبعاد العراق كثيراً عن إيران، لهذا ستضغط واشنطن عبر كثير من الملفات، منها إعادة توصيف ومهامّ القوات الأمريكية في العراق، وتخفيف هيمنة إيران ونشاطها الاقتصادي والعسكري".

وأضاف الشمري: "الولايات المتحدة سوف تضع التزامات وخارطة طريق لحسم قضية سيطرة الفصائل المسلحة بعد انتهاء حرب داعش، وعملية حماية قوات التحالف الدولي في الأراضي العراقية. ولكن هذه الملفات الحساسة تضع الكاظمي في موقف حرج، لأنه لا يريد أن يخلق أزمات سياسية داخلية، فهو يدرك أن الاتفاقيات الثنائية بين العراق والولايات المتحدة ستضرّ المصالح الإيرانية في العراق، بل وعلى مستوى المنطقة".

وأشار بالقول: "تسعى الحكومة العراقية إلى إيجاد حل وسط مع عدم إعطاء الولايات المتحدة وعوداً طويلة الأمد، لأن إيران ستحارب سياسياً وحتى عسكرياً كي تحمي مشاريعها الاقتصادية المتمثلة بتجارة النفط والعملة الصعبة وتصدير المنتجات الغذائية والصناعية إلى العراق، كي تنقذ وضعها المالي بعد العقوبات الأمريكية على حكومتها ورجال أعمالها في داخل وخارج العراق".

من جهته قال المحلل الأمني أحمد هاتف: "إن السعي الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط يأتي في إطار تركيز ترمب على إبعاد العراق عن إيران، إذ تحاول واشنطن عزل النفوذ الاقتصادي الإيراني في العراق، لأن النفوذ السياسي لا يمكن تقليصه، لوجود أحزاب عراقية تلقت مساعدات من إيران طيلة سنوات المعارضة، بالإضافة إلى وجود أحزاب سياسية مؤمنة بولاية الفقيه".

وتابع هاتف: "المليشيات المدججة بالسلاح التي اخترقت الدولة العراقية، وأنشأت لوبيات تمثل الدولة العميقة، أزعجت الولايات المتحدة، لذلك رّدت أمريكا بضربات عسكرية على معسكرات الفصائل المسلحة كي ترسل رسالة جريئة بعدم تدخُّل الأحزاب السياسية الموالية لإيران في شؤون العراق دون التفاهم السياسي والأمني مع الولايات المتحدة، لذلك شعرت أمريكا بتجاوز المسلحين ومحاولتهم تقويض الوجود الأمريكي، وهذا هو سبب دعم الولايات المتحدة حكومة الكاظمي كي يعيد بناء السلطة الأمريكية داخل العراق".

يحتل العراق موقعاً مركزياً في رؤية إيران الجيوسياسية الإقليمية، إذ شكل النفوذ الإيراني المتصاعد في الساحة العراقية بعد عام 2003، فرصة كبيرة لإيران للتمدد نحو أغلب دول الشرق الأوسط، وهذا ما استدعى تدخُّل الولايات المتحدة الأمريكية، فهي ترى في العراق قاعدة مركزية عسكرية من جهة، وجسراً إقليمياً اقتصادياً من جهة أخرى، إذ تميل الحكومة الجديدة إلى تقوية علاقتها مع أمريكا بالشكل الذي يتناسب مع توازن القوى وإعادة الدبلوماسية السياسية إلى موقعها الصحيح عبر الحوار الاستراتيجي مع الإدارة الأمريكية في سبيل اتخاذ إجراءات للتقليل من قدرات إيران الحزبية والعسكرية في داخل العراق.

المصدر: TRT عربي