يتغنى الغرب بالمساواة الجندرية المزعومة في صفوف مليشيا YPG الإرهابي ويغضون الطرف عن جرائمه العنصرية في حق السكان العرب والتركمان الأصليين في المنطقة.

سقوط قذائف هاون أطلقتها المنظمة الإرهابية YPG/PKK في المناطق المحتلة في سوريا على مركز مقاطعة أكشاكالي
سقوط قذائف هاون أطلقتها المنظمة الإرهابية YPG/PKK في المناطق المحتلة في سوريا على مركز مقاطعة أكشاكالي (AA)

لا يهم عدد المدنيين الذين قتلوا، لا يهم التهجير، أو الاعتقال أو التنكيل، المهم فعلاً من يقف وراء ذلك، عندها فقط يمكن التحديد إن كانت هذه انتهاكات بحق مدنيين أم أنها نتيجة طبيعية لأي عملية عسكرية.

هذا منطق بعض الأشخاص في الحكم على الأمور، لكن المصاب يبدو أكبر عندما تنتهجه وسائل الإعلام والشخصيات الحكومية في بلد ما تجاه حدث ما، وهذا ما تفعله بالضبط وسائل إعلام غربية وعربية حيال عملية "نبع السلام" التي أطلقتها تركيا شرق الفرات.

صحيفة "فورين أفيرز" الأمريكية عنونت مقالاً نشرته قبل أيام بـ"ماذا وراء التوغل التركي في سوريا؟" تحدثت فيه عن رغبة تركيا في إحداث تغيير ديموغرافي للإثنية الكردية شمال سوريا، وهدم الحكم الذاتي للأكراد في المنطقة، بينما غفلت عن الإشارة إلى أن مليشيات YPG الإرهابية هي من هجّرت آلاف العوائل شمال سوريا ودمرت قرى وجرفت مئات البيوت العربية والتركمانية بشكل كامل.

وقد وثق الكاتب السوري "إبراهيم حبش" وهو أستاذ في التاريخ معظم انتهاكات عناصر YPG الإرهابية المرتكبة في حق المدنيين العرب والتركمان في محافظات الرقة والحسكة وحلب ضمن كتاب حمل اسم "جرائم حزب الاتحاد الديموقراطي في سوريا"، لم تتوفر منه نسخة إلكترونية بعد.

وكتب حبش "في أكتوبر/تشرين الأول عام 2013 أقدم عناصر حزب الاتحاد الديموقراطي على مهاجمة قرية الأغيبش التابعة لبلدة تل تمر غرب مدينة الحسكة، وعندما تجمّع البعض من أهالي القرية ليستطلعوا تلك القوة القادمة إليهم، وجهت الوحدات الكردية YPG نيران رشاشاتها المتوسطة نحوهم، دون سابق إنذار أو معرفة السبب، فقُتل على إثرها 18 مدنياً". وقد جرى توثيقهم بالاسم صفحة 18-19 من الكتاب، مشيراً إلى تهجير مليشيا YPG الإرهابية لأغلب سكان القرية ثم إحراق منازلهم بالكامل، ويمر الكتاب على معظم القرى التي تم إحرقتها وتهجير أهلها العزّل.

ولم تكن صحيفة "فورين أفيرز" الأمريكية هي الوحيدة في مهاجمة عملية نبع السلام، فصحيفة "لوس أنجلوس تايمز" وصفت العملية التركية أيضاً "بالاجتياح"، متجاهلة حق الدولة التركية في دخول الأراضي السورية لحماية أمنها القومي بموجب اتفاق أضنة الموقع عام 1998.

في حين ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" الخميس الفائت أي بعد بدء عملية نبع السلام بيوم واحد، أن "الرئيس التركي أردوغان تسبب في نزوح 60 ألف سوري"، في وقت أكّد أهالٍ من داخل مدينة تل أبيض ورأس العين بقاءهم في مدنهم وعودة من نزح منها خلال يومين على الأكثر، لا سيما أن العملية التركية كانت بوتيرة سريعة ودقيقة استطاعت السيطرة على المدينتين خلال ساعات من بدء المعارك في محاورها.

وتتابع المقالات والتقارير الغربية المهاجمة للعملية العسكرية شرق الفرات، لا سيما في الإعلام الفرنسي مثل صحيفة "ليبراسيون" و"لوموند"، التي وصفت الدخول التركي بأنه "احتلال"، في حين أكدت الحكومة التركية أنها حريصة على وحدة الأراضي السورية وعدم تقسيمها، وأن العملية جاءت لدحر المليشيات الانفصالية بعيداً عن الأكراد السوريين.

وتجدر الإشارة إلى أن أغلبية المنتمين إلى منظمة YPG الإرهابية هم تابعون لتنظيم PKK الإرهابي، ومعظمهم غير ناطق باللغة العربية، حسب شهادة مدنيين من أهالي المناطق الشرقية في سوريا.

الغرب وجرائم YPG الإرهابية؟

آلاف الانتهاكات قامت بها عناصر YPG الإرهابية في حق مدنيي المناطق الشرقية في سوريا، لكن ما ظهر منها للعلن ربما القليل مما جرى تسريبه.

وقد وقفت TRT عربي على شهادات حقيقة لمدنيين عاشوا وشهدوا على جرائم YPG الإرهابية.

يقول أحد المدنيين من مدينة تل أبيض "كان قريبي أيمن طحري حميدي المصطفى (43 عاماً) في حالة صحية سيئة جداً، لم تقدم له الرعاية أو أي مساعدة طبية، على الرغم من علمهم أنه مريض سكري، وقد تعرض لأقسى أنواع التعذيب والتعنيف الجسدي والمعنوي. لقد وصل إلى المشفى بعد أن نقلوه وقد فارق الحياة. تهمته الحقيقية أنه كان معارضاً بارزاً لنظام الأسد وهذا ما كرهته YPG".

ويضيف قريب المصطفى الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه، أن اعتقال أيمن كان مع ابن أخيه أيضاً الذي أطلق سراحه فيما بعد وروى لعائلته حقيقة ما يحدث في سجون عناصر YPG الإرهابية من جرائم بحق الإنسانية، مشيراً إلى أن أيمن ترك وراءه طفلة كانت لم تولد بعد.

ربما أبرز ما عانى منه المعتقلون في سجون المليشيات الإرهابية "التعنيف اللفظي والإذلال والإهانة، إلى جانب التعنيف الجسدي والتعذيب، وكان التجويع أيضاً نهجاً اتبعته YPG مع المعتقلين"، حسب شهادة الناجي من عائلة المصطفى.

وفي حكاية ألم أخرى، لا يزال الشيخ أبو عادل، وهو أحد شيوخ العشائر في قرية خفيسان بريف الحسكة، ينتظر عودة أفراد عائلته المغيبين قسراً.

"عبد فيصل الفندي، وراغب عبد الفندي، وبشير عبد الفندي، ومحمد عبد الفندي، وفهد بدر الصايل، ورامي فهد الصايل" هم ليسوا أسماء في ذاكرة الشيخ أبو عادل، هم أحبابه الغائبون الذين اعتقلتهم عناصر YPG الإرهابية من مشروع زراعي لهم كانوا يعملون فيه خلال شهر مارس/آذار عام 2016 من منطقة جبل عبد العزيز في قرية الخفيسان، ولم يعرف عنهم شيئاً إلى أن بدأت عملية "نبع السلام".

ويضيف الشيخ أبو عادل لـTRT عربي: "سمعنا أن مليشيا YPG نقلتهم إلى مدرسة الصناعة القديمة في مدينة الحسكة مع 300 من أهالي المنطقة بعد العملية التركية شرق الفرات".

كما تروي نعمة (50 عاماً) وهي سيدة سورية من مدينة الحسكة، أن أكثر ما أخاف الأهالي في المدينة بعد سيطرة عناصر YPG الإرهابية عليها، أخذُها الشباب للتجنيد الإجباري، و"كان منهم أطفالاً لم يتجاوزوا 14 عاماً من أعمارهم" لذا -تضيف نعمة- "أنا وأولادي خارج سوريا الآن".

"دفعنا ألفَي دولار حتى استطعنا أن نُخرج أخي من معتقل YPG، ابتزونا وسألوه عنا لأننا موجودون في تركيا، لم تكن تهمته أكثر من عمله مع شاب إدلبي في دكان قبل ستة أشهر من الحادثة، لكنهم لم يقتنعوا أن الشاب ترك العمل منذ شهور، حتى دفعنا لهم"، يقول عبد العزيز من محافظة الحسكة.

وكانت الشبكة السورية لحقوق الإنسان وثقت في تقرير لها صدر سبتمبر/أيلول الفائت، مقتل 3037 مدنياً بينهم 924 طفلاً، و656 امرأة على يد قوات التحالف الدولي منذ تدخلها العسكري في سوريا حتى تاريخ التقرير، وحلّت محافظة الرقة كأكثر المحافظات حصيلة لوقوع ضحايا، تلتها محافظتا حلب ودير الزور، وتسبّبت المعارك بتلك المناطق في نزوح أكثر من 560 ألف نسمة، تتحمّل كل من قوات التحالف الدولي ومليشيا YPG الإرهابية مسؤولية تشريدهم، حسب التقرير.

وتفننت عناصر YPG الإرهابية في جرائمها بحق المدنيين في كل من الحسكة والرقة وحلب، وارتكبت مجازر في حق عرب تلك المناطق، ودمّرت منازلهم وهجرت آخرين، في حين يغفل المجتمع الغربي عن هذه الانتهاكات ويغمض بعض الأكراد أعينهم عن رؤية ما حل بمدنيين مثلهم، خلُص بهم الحال في سجون YPG الإرهابية أو مقابر جماعية.

المصدر: TRT عربي