شاع في ذاكرة الشعوب وعاداتهم وتقاليدهم أنّ للإنسان "نصيباً من اسمه" يتّصف بصفاته ويتطبّع بخصائصه في أغلب الأحيان، كذلك كان "مخيّم الهَول" الذي امتصّت خيامُه وأحجاره "اسمه"، وتشرّبت وتطبّعت بصفات. الهول والخوف والرعب...

"لا تقربيهنّ إلّا من وراء سياج أو قضبان حديدية تحجز بينكما حفاظاً على حياتك وخشية ضربك"، إنّ هذه ليست وصية إدارة حدائق المحميات الحيوانية في أدغال إفريقيا، بل هي توجيهات إدارة "مخيم الهول الإنساني" لرولا الخطيب مراسلة قناة الحدث عندما همّت بإجراء مقابلة تلفزيونية مع المحتجزات اللواتي كنَّ برفقة أرباب أسرهن الذين انضموا لتنظيم داعش الإرهابي واحتجزتهم وأطفالهم قوات PYD الإرهابية.

"نعم.. أكدوا لي أنّهنّ سيقاتلن الكفرة واصفيَّ بالكافرة، ومرددين على مسامعي بعض الآيات القرآنية التي تعطيهم الحق في قتلي لخروجي عن المنهج ولمجرد شكلي"، أي لأنّها سافرة حاسرة الرأس. هذه الكلمات ليست من مسرحية عادل إمام الكوميدية الهادفة إلى مكافحة ما يشار إليه بـ"الإرهاب الإسلامي" بشكل ساذج، بل هي لمراسلة الحدث رولا الخطيب أثناء تغطيتها الإخبارية لواقع مخيم الهول المعتقل الإنساني في القرن الحادي والعشرين حسب محللين.

تتسابق وسائل الإعلام الثورية والسياسية في تسليط الضوء على خطاب التطرف لبعض النساء دون غيرهن بغية استجداء الدعم المالي أو الشرعية السياسية للقنوات المدعومة، ويتضح الأمر من خلال ملاحظة تركيزهم الدائم على الكلمات المفتاحية المثيرة لحفيظة المجتمع الدولي والرأي العام، والتي تتمثل بدورها في الجلابيب والنقاب والدين والخلافة الإسلامية والتنظيم السرّي وقمع الحريات وغيرها من التهم البيّاعة.

يتجاهلون أنّ الأيديولوجيا ليست العنصر المستقل والأكثر تأثيراً في استنبات الإرهاب، فالمتغيرات البيئية الاجتماعية المتحكمة بحاجيات الناس هي الفاعل المسؤول عن استنبات التطرف، فهناك حسب إدارة المخيم" كاميرات مراقبة في كل أنحائه"، لكن ما يبدو حسب شهادات الأهالي لوسائل الإعلام والمنظمات الدولية أنه لا يتوفر بالمقابل الخبز ولا الدواء ولا المراكز التعليمية ولا حتى الحد الأدنى من الحاجيات الأساسية.

ينقسم المخيّم إدارياً إلى 7 قطاعات؛ 3 منها للاجئين العراقيين وتضم 30 ألف شخص، وآخر للسوريين يضم حوالي 10 آلاف، والثلاثة الباقية تضمّ عائلات تنظيم داعش.

من الواضح _حسب مراقبين_ أنّ باستطاعة إدارة المخيم أن تضبط القانون والسلوك المتطرف فيه إن أرادت بشتى أنواع الوسائل المتوفرة، لكن ما يبدو أنّ هناك استراتيجية خفية تسعى لتحويل مخيم الهول لمركز تجارب اجتماعي مراقب بالكاميرات أشبه بسجن تدمر السوري، وتحويل الإنسان العربي لفأر تجارب لا أكثر، متجاهلين الحقيقة الكبرى وهي أنّ صناعة والإرهاب ليس إلا نتاج البيئة، وليست الأيديولوجية الدينية إلّا العنصر الأقل تأثيراً في معادلة التطرف.

الهول!

شاع في ذاكرة الشعوب وعاداتهم وتقاليدهم أنّ للإنسان "نصيباً من اسمه" يتّصف بصفاته ويتطبّع بخصائصه في أغلب الأحيان، كذلك كان "مخيّم الهَول" الذي امتصّت خيامُه وأحجاره "اسمه"، وتشرّبت وتطبّعت بصفاتِه لِتُعجَن بكل حروفه حرفاً حرفاً، ليتحوّل هذا "المعتقل الإنساني" _حسب مراقبين_ إلى مكمن الفزع والخوف والذعر والابتزاز وعدم الاستقرار، وليصبح منبتاً ومناخاً مؤهلاً لأن يكون أحد أخطر وأهول الحواضن والمصانع البشرية المسؤولة عن استنبات التطرف داخل البيئة الاجتماعية بذريعة الحقوق والإغاثة والإنسان.

هو أحد مخيمات اللجوء السوري الواقعة على المشارف الجنوبية لمدينة الهول في الحسكة بالقرب من الحدود السورية العراقية، ويضم مخيم الهول أشخاصاً مشردين بلا مأوى وكذلك الفارين والمهجرّين من الأراضي التي كانت خاضعة لحكم تنظيم داعش الإرهابي.

وحسب مصادر مطلعة أكّدت لـTRT عربي أنّ الغالبية العظمى من سكان المخيّم هم من الأطفال والنساء، إضافة إلى زوجات وأبناء مقاتلي تنظيم داعش الإرهابي، الذين تم احتجازهم من قبل قوات PYD الإرهابية المسؤولة عن إدارة المخيّم.

وينحدر الأعم الأغلب لهؤلاء من سوريا والعراق، وهناك ما يقارب 10 آلاف ينتمون لـ 50 جنسية كانوا برفقة أرباب أسرهم الذين أتوا بغية الانضمام لتنظيم داعش الإرهابي.

هذا، وذكرت تقارير ومصادر متطابقة أنّ المخيّم يحتوي على 74 ألف شخص بينهم 49 ألف طفل، موزعين على 13 ألفاً من الخيم.

وينقسم المخيّم إدارياً إلى 7 قطاعات؛ 3 منها للاجئين العراقيين وتضم 30 ألف شخص، وآخر للسوريين يضم حوالي 10 آلاف، والثلاثة الباقية تضمّ عائلات تنظيم داعش، وفيها قطاع المهاجرات المنفصل تماماً عن باقي القطاعات الأخرى.

مخيم الهول تم تأسيسه في 1991 خلال حرب الخليج الثانية بهدف إيواء اللاجئين العراقيين ليُعاد افتتاحه بعد الغزو الأمريكي للعراق وتدفق اللاجئين والمهجّرين العراقيين إلى الدول المجاورة في 2003.

يذكر أنّ مخيم الهول تم تأسيسه في 1991 خلال حرب الخليج الثانية بهدف إيواء اللاجئين العراقيين، ليُعاد افتتاحه بعد الغزو الأمريكي للعراق وتدفق اللاجئين والمهجّرين العراقيين إلى الدول المجاورة في 2003، حيث كانت سوريا آنذاك أحد أكبر الحواضن الحضارية التي احتوت موجات اللجوء العراقي، وأوكل للنظام السوري حينها دولياً إدارة اللجوء الاجتماعي في المنطقة لأسباب سياسية انكشفت دوافعها في الوقت الراهن.

الطفولة تذبح بصمت!

وصفت لجنة الأمم المتحدة المعنية بالتحقيق في الانتهاكات المرتكبة في سوريا واقع المخيّم بأنه "مروّع"، داعيةً العالم إلى وجوب التحرك الفوري لإنقاذ الإنسان، وقال باولو بينيرو رئيس اللجنة المعنية: "هناك ما يصل إلى 70 ألف شخص تم احتجازهم في ظروف مزرية وغير إنسانية في مخيم الهول وغالبيتهم العظمى من النساء والأطفال دون سن 12".

متسائلاً باستغراب "إن الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و18 عاما هم أطفال ومراهقون، ونعتقد أن ذلك أمر غريب جدا ... هل نعرف مكان هؤلاء الأطفال؟ لا، لا نعرف؛ ربما يمكنكم أن تسألوا الدول الأعضاء أين هؤلاء الأشخاص ولماذا يُعتبرون إرهابيين إذا كانوا لا يبلغون من العمر أكثر من 12 عاما؟!. نحن نرى كلجنة مسؤولة أنّ هذا الأمر مروّع ".

من جانبه اعتبر مضر حماد الأسعد مدير الرابطة السورية لحقوق اللاجئين وعضو الهيئة العامة لمجلس القبائل والعشائر السورية في إفادته لـTRT عربي أنّ ما يجري في المخيم انتهاك للطفولة ولقدسية الإنسان، مشيراً إلى "إنّها لجريمة إنسانية أن نحمّل الأطفال ذنب الكبار والصراع السياسي. وإنّ الإصرار على إهمالهم وحجزهم هو شروع بتحويلهم لمشروع متطرف وإرهابي!".

لذا على الأمم المتحدة حسب الأسعد "التدخل مباشرة وتحمل مسؤوليتها في مكافحة الإرهاب، من خلال العزل الفوري لقوات "PYD" والإشراف على المخيم وتأمين التعليم والإرشاد النفسي والطبابة والمأكل والمشرب، ومنع كل عمليات التجنيد الإجباري والإبقاء القسري للأهالي، والتحرش الجنسي، والاغتيال، واختطاف النساء والأطفال والابتزاز بحق هؤلاء القصّر الذين لا حول لهم ولا قوة في كل ما يجري".

كواليس الهول..

عبد العزيز تمو رئيس رابطة الكرد السوريين المستقلين كشف لـTRT عربي أن لا علاقة للكرد السوريين بإدارة المخيم، ولا يعدو الهدف من وجود بعض القوى منهم تشريعَ الوجود الخارجي حيث قال:" هناك معلومات مؤكدة لدينا تفيد بأنّ التحالف الدولي أعطى وكالة حصرية لعناصر PKK لإدارة المخيم بشكل فعليّ ومباشر، ولا علاقة لأكراد سوريا بذلك على الإطلاق".

السلوك الأرعن لوحدات PYD الإرهابية و PKK هو المسؤول المباشر عن إحداث الشرخ الاجتماعي بين مكونات الشعب السوري بالكامل وبشكل مقصود.

عبد العزيز تمو رئيس رابطة الكرد السوريين المستقلين

ويضيف المتحدث ذاته، أنّ السلوك الأرعن لوحدات "PYD" وPKK هو المسؤول المباشر عن إحداث الشرخ الاجتماعي بين مكونات الشعب السوري بالكامل وبشكل مقصود "سواء بين العرب والكرد أو بين الكرد والكرد أو بين الكرد والسريان، وغير ذلك من زرع الشقاق الاجتماعي بين الأعراق والطوائف والأديان المتباينة في سوريا".

ويصف عبد العزيز تمو واقع المخيم وتجارة البشر والتطرف فيه بقوله: "إنّه لأمر مروع ما يشهده مخيم الهول؛ فهناك حالات تعذيب وجرائم إنسانية، وانتهاكات بحق النساء والأطفال المحتجزين، وهناك تنظيمات مسؤولة عن تسهيل البيع والشراء وتهريب البشر مقابل رشىً ومبالغ مالية تعطى للحرّاس والجهات المعنية".

هذا وفي إفادته لـTRT عربي يؤكد المتحدّث نفسه أنّه على اطلاع تام أنّ أغلب العائلات الموجودة في مخيم الهول اليوم هي عائلات سورية بامتياز. أمّا العائلات الأجنبية حسب تمو فقد"تمّ إخلاؤها كلّها أو أغلبها. وتم تسليمها إلى الحكومة العراقية وقوات الحشد الشعبي، والمتبقي اليوم هو 48 ألف شخصٍ من العائلات السورية."

في السياق ذاته يؤكد مضر حماد الأسعد مدير الرابطة السورية لحقوق اللاجئين لـTRT عربي: "أنّ قوات PYD تستغل موقعها الإداري لمخيم الهول في فرض التجنيد الإجباري على المحتاجين، فالبعض تجعلهم في صفوفها الأمنية داخل المخيم، والبعض تستخدمهم لتفجير المناطق التي تسعى للسيطرة عليها، وعليه تم إدارة هذا الأمر بخبث سياسي من خلال إطلاق سراح البعض عن سابق إصرار والادعاء أنّهم هربوا".

في السياق ذاته رأى الأسعد أثناء حديثه لـTRT عربي "أنّ هناك تفاهمات واتفاقات بين الجهات الخارجية وقسد بدأت منذ توكيل الأخير بإدارة المخيم، لكن ما يبدو أنّه عندما زادت تسعيرة الابتزاز من جانب "PYD" في المهام الموكلة لها، قامت "PYD" بتسهيل تهريب الناس من السجن بغية الضغط على المجتمع الدولي، وبدافع إضفاء شرعية سياسية على دوام وجودها، من خلال إحياء داعش مجدداً في المنطقة لعلمها اليقيني أنّ وجودها مرتبط ببقاء تنظيم داعش الإرهابي واستمراره. باختصار مخيم الهول هو النازية بكل ما تعنيه الكلمة!".

المصدر: TRT عربي