مالي تسقط من يد فرنسا إلى أحضان فاغنر الروسية  (dpa / MAXPPP / Christophe Petit Tesson/DPA)

تستمر نقاط ارتكاز النفوذ الفرنسي في الساحل بالتساقط لصالح الروس وبعد إفريقيا الوسطى جاء الدور على مالي التي أشارت تقارير أخيرة إلى اقتراب سلطاتها من توقيع عقد مع شركة فاغنر الروسية للتعهدات الأمنية بـ10 ملايين دولار شهرياً.

الأمر الذي أثار حفيظة الإيليزيه الذي اعتبر أن الوجود العسكري الفرنسي ووجودَ مرتزقة فاغنر في مالي "غير متوافق". كما هددت وزيرة جيوشه، فلورانس بارلي بالانسحاب الكامل لقواتها من البلاد. انسحاب هو أداة ضغط على سلطات باماكو، وضغط قد يأخذ وسائل أخرى، بما فيها المواجهة العسكرية. في بلاد تعصف بها دوامة عنف دموي منذ سنوات، تتزامن هذه التطورات الأخيرة مع حادثتين استهدف بهما عن طريق كمائن شاحنة نقل مغربية وفرقة للقبعات الزرق، لم يعرف إلى الآن الجهة المسؤولة عنهما.

فاغنر في مالي واحتجاج باريس!

في تقرير لها يوم الثلاثاء قالت صحيفة التايمز البريطانية بأن شركة فاغنر الروسية للتعهدات الأمنية سترسل مرتزقتها إلى مالي لحماية الثلة العسكرية الحاكمة هناك. وكشفت عن اقتراب الشركة من توقيع عقد بموجبه تنشر 1000 عنصر من قواتها لدعم الحكم العسكري في باماكو.

ونقلت الصحيفة عن مصادر دبلوماسية أن الشركة ستحصل على 10.8 مليون دولار في الشهر مقابل نشر قواتها، وستكون مهمة هذه القوات تدريب القوات المالية، وتوفير الحماية للمسؤولين البارزين في بلد شهد انقلابَيْن منذ العام الماضي، ويواجه تمرداً في معظم منطقة الساحل.

بالمقابل أثارت الخطوة مخاوف فرنسا، المستعمر القديم للبلد الإفريقي، التي تعتبر مالي امتداداً لنفوذ مصالحها الاستراتيجية. كما يتزامن قرار حكومة الكولونيل قاسمي غيتا وإعلان فرنسا إنهاءها عملية بارخان التي كانت تقودها هنا بدعوى محاربة "الجماعات الجهادية" التي تتخذ من المنطقة قاعدة لنشاطاتها القتالية.

وقالت الصحيفة البريطانية إن روسيا سارعت باستثمار جيوب الفوضى في إفريقيا وتراجع العلاقات بين الغرب ومستعمراته السابقة. وتضيف أن مرتزقة فاغنر وهي الشركة التي يديرها يفغيني بريغوجين، المقرب من الكرملين، كانوا في العاصمة باماكو عام 2019. وقال متحدث باسم وزارة الدفاع المالية، إنه توجد رغبة بالتعاون الوثيق مع موسكو لكن لم يجرِ بعد توقيع اتفاقية معها: “الرأي العام في مالي مع تعاون وثيق مع روسيا في ضوء الوضع الأمني الراهن، لكن لم يجرِ اتخاذ قرار بعد”.

احتجاجًا على هذه المستجدات، قال وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان الثلاثاء إن أي اتفاق بين المجلس العسكري الحاكم في مالي ومجموعة "فاغنر" الروسية سيكون "متنافياً" مع بقاء قوة فرنسية في البلاد. مشيراً إلى أن الاتفاق معهم في إفريقيا الوسطى، "أدى إلى تدهور الوضع الأمني".

نفس الموقف أكدته وزيرة الجيوش الفرنسية فلورانس بارلي أمام لجنة الدفاع في الجمعية الوطنية الفرنسية قالت الوزيرة: "إذا أبرمت السلطات المالية عقداً مع مجموعة فاغنر فسيثير ذلك قلقاً بالغاً، وسيكون مناقضاً لكل ما فعلناه على مدى سنوات وكل ما نسعى إليه دعماً لبلدان منطقة الساحل".

مواجهة مرتقبة في الساحل؟

يعاني نفوذ فرنسا في الساحل وضعاً لا يحسد عليه، يتَّضح وقلاعه تسَّاقط تباعاً في أحضان الدب الروسي. فيما موسكو تسعى لبناء نفوذٍ جديدٍ ضخم، يمتد من منطقة القرن الإفريقي حيث مدت ذراعيها على جنوب السودان، وصولاً إلى إفريقيا الوسطى وغرب إفريقيا، مروراً بدول الساحل والصحراء. إضافة إلى قاعدته الخلفية في ليبيا التي يعول على حفتر في ضمان بقائها.

فيما عنوان هذا النفوذ الروسي العسكري شركة فاغنر وعنوانه السياسي الكريملين الذي يستغل السخط العام لشعوب تلك الدول على مستعمرهم القديم. تسحب روسيا البساط من تحت أقدام باريس بالتقرب السياسي لرؤسائها، تأجيج الرأي العام ضد الفرنسيين، وبسط ذراعها العسكري من خلال عقود بين تلك الدول وشركة فاغنر. تقول تقارير إعلامية فرنسية سابقة.

في مالي وقبلها في إفريقيا الوسطى، لم تنفذ فرنسا إلا تحركات خفيفة أمام التمدد الروسي. أعلنت انتهاء عملية بارخان في الأولى وتهدد الآن بسحب قواتها بشكل كامل، وفي الثانية وقفت الدعم العسكري والمساعدات الاقتصادية لسلطات بانجي.

فيما لم يقف النزيف عند هذا الحد، وربما قد تشهد تشاد نفس مصير جاراتها. فبعد مقتل إدريسا ديبي، رئيس البلاد الموالي لباريس، على يد المتمردين الذين تتحدث تقارير عن تدريبهم في ليبيا على يد فاغنر الروسية. حذرت من قبل وكالة بلومبرغ في تقرير لها من أن يتبع خليفة ديبي وابنه، أحمد كاكا، نفس مصير الكولونيل المالي غويتة. بالمقابل، كل الإشارات التي تأتي من نجامينا تفيد تأكيد ذلك التحذير.

إذ أعلنت تشاد سحب نصف قواتها البالغة 1200 جندي من التحالف الفرنسي المقاتل في مالي، بالمقابل أعلن رئيسها على لقاءات مصالحة مع المتمردين من المزمع إجراءها شهر ديسمبر/كانون الأول القادم.

بالمقابل يتزامن هذا مع انقلاب في غينيا تتحدث معطيات عن شبهات وقوف فرنسا خلفه، بعد أن استحوذ أحد رجالها، الكولونيل دومبويا، على السلطة طارداً منها الرئيس ألفا كوندي المغضوب عنه من باريس. كما تزامنت مع كمينين استهدفا شاحنة نقل مغربية وقافلة قوات قبعات زرق في مالي، لم يعرف القابع خلفهما لكن الاستخبارات المغربية لا تستبعد فرضية المرتزقة. كل هذه الظروف تنذر باحتمال مواجهة بين فرنسا وروسيا في المنطقة، مواجهة يستبعد أن تأتي في صيغتها المباشرة، وربما تأخد شكل الوكالة عبر الجماعات المتناحرة هناك.

TRT عربي