بوصفه مسؤولاً عن حفظ الأمن، استخدم القوةَ في البداية لقمع الاشتباكات القبلية في منطقة دلتا النيجر، لكنها لم تنجح... ثم جاءته الفكرة بتنظيم مباراة كرة قدم بين الأطراف المتصارعة.

تعود بداية الأحداث إلى مارس/آذار 2016، حين كان هناك نزاع على قطعة أرض بين قبائل "تاريكورو بولو" وقبائل "سيتاري بولو" في مناطق متاخمة لولاية بورت هاركورت الواقعة في دلتا النيجر بدولة نيجيريا، مما أدّى إلى اندلاع اشتباكات محلية أفضت إلى تدمير ممتلكات وإصابات بين الطرفين.

كانت قبائل تاريكورو بولو أرادت استخدام قطعة أرض تقع على حدود الأراضي التابعة للطرفين لبناء مرحاض جديد، لكن قبائل سيتاري بولو اعترضت قائلة إنها المالك الشرعي لقطعةِ الأرض تلك.

وتُعَدّ قبائل تاريكورو بولو وقبائل سيتاري بولو المتنازعة معها أجزاء من مجتمعات الأقليات الثماني التي تشكّل في مجموعها أقوام "إيجبيسكالا-أما" المنتمية إلى مجموعة الإيجاو Ijaw الإثنية، وهي إحدى مجموعات الأقلية التي تسكن منطقة دلتا النيجر. وأراد التاريكورو بولو التوقفَ عن مشاركة مرحاض التغوط المفتوح مع السيتاري بولو، وهو الأمر الذي رفضه السيتاري بولو بشدة.

يقول كبير مسؤولي الأمن بين أقوام "إيجبيسكالا-أما"، تامونومي واريبوكو، إنه "على أثر هذا الخلاف الواقع بين الطرفين، بدأ وجهاء المجتمعات المحلية استخدام الشباب لارتكاب أعمال عنف في ما بينهم. وقد تحدثنا مع الوجهاء لوقف النزاع، لكنهم رفضوا".

ولارتفاع معدَّل البطالة في تلك المجتمعات، كان الشباب دائماً ذخيرة مستعدة للاستخدام في أعمال العنف والتحريض عليه من كبار السنّ وشيوخ القبائل. وأدّت الخلافات بعد ذلك إلى زيادة الطائفية في تلك المجتمعات.

ويروي إيوينا أكورو، من قبائل سيتاري بولو، قائلاً: "كنا ننام ذات ليلة عندما جاء بعض المتشددين إلى سيتاري بولو وأحرقوا منزلاً لطائفة مخالفة لهم كان بداخله عدة أشخاص، وأطلقوا النار وبدأ الناس في الذعر، ودُمّر بعض الممتلكات، كما سقط أحد الشباب مقتولاً على الفور إثر إصابته بطلق ناري".

وأضاف أكورو: "بعد تلك اللحظة، بدأنا نشهد صراعات وأعمال شغب مستمرة بين المجتمعات المحلية، علاوة على الاشتباكات الطائفية، ولم يعد في المنطقة سلام". بيد أنه لا بيانات توضح عدد المنازل التي دُمرت والضحايا الذين سقطوا.

مجتمعات أقلّية تمزّقها النزاعات

من المعروف أن ولاية ريفرز ولايةٌ عنيفة يقع بها عادةً كثير من الاشتباكات الطائفية والدينية. وبعض الشباب الذي يشارك في تلك الاشتباكات كان من المسلحين السابقين الذين اشتركوا في جرائم ضد شركات النفط الأجنبية، حتى أصدرت الحكومة الفيدرالية عفواً عنهم في عام 2009.

منذ ذلك الحين شكّل بعضهم مجموعات طائفية ودينية مسلحة وأخذوا يرتكبون أعمال العنف باستمرار عند أدنى فرصة لذلك.

وبحلول عام 2016، وصل تامونومي واريبوكو إلى مقعد رئاسة تمثيل الشباب في قبائل تاريكورو بولو. وكانت الجهود المبذولة لإنهاء الصراع بين الطرفين المحليين والاشتباكات بين الطوائف المختلفة أثبتت عدم جدواها.

يقول واريبوكو البالغ من العمر 44 عاماً، لموقع TRT World: "أنشانا لجنة تحكيم للنظر في القضية، لكنها لم تنجح" في حل الخلاف.

ثم في يناير/كانون الثاني، عيّن قادة المجتمع واريبوكو كبيراً لمسؤولي الأمن وفوّضوه لإنهاء النزاع والاشتباكات الطائفية.

كان واريبوكو عضواً في "شركاء من أجل السلام" (P4P)، وهي شبكة من أفراد ومنظمات تندرج تحت برنامج بناء السلام التابع لـ"مؤسسة مبادرات الشراكة في دلتا النيجر" (PIND) المعنية بالعمل على الحد من النزاعات وتعزيز السلام في نيجيريا.

وكان واريبوكو سبق له حضور عديد من ورش العمل المخصصة لبناء قدرات التعزيز من السلام، ورأى أهل مجتمعه أنه الشخص المناسب لتولّي مهمة العمل من أجل وضع حدٍّ للنزاعات بين المجتمعين المحليين.

يقول واريبوكو: "في أثناء التدريب في برنامج شركاء من أجل السلام، تعلمت كيفية استخدام طرق مختلفة لحل النزاعات في مجتمعاتنا، وعندما أصبحت مسؤولاً عن حفظ الأمن، حاولت استخدام القوة لإنهاء النزاعات، لكن تلك المحاولات لم تُجدِ".

مع ذلك، أشار واريبوكو إلى أنه "في أثناء التدريب في برنامج شركاء من أجل السلام، خطرت لي فكرة أن أُطلق مسابقة في كرة القدم لإبقاء الشباب مشغولين وإتاحة الفرصة لهم لتطبيق النصائح بنبذ العنف واعتناق السلام".

كرة القدم محفِّزًا للتغيير

ويتابع واريبوكو: "أخبرت الشباب من الطرفين المتنازعَين أنني أريد إقامة مسابقة لكرة القدم لتوحيدهم، ووافقوا على أن يكونوا جزءاً منها، لأنني رأيت أن مسابقة لكرة القدم ستؤدّي إلى جمع الشباب معاً، وقد نجح ذلك".

وضمَّ واريبوكو المجتمعات الستة الأخرى في المنطقة إلى المسابقة.

ويقول إيوينا أكورو: "التقى مسؤول الأمن واريبوكو قادة الطوائف وتوسل إليهم لإحضار أتباعهم للانضمام إلى المجتمعات والمشاركة في بطولة كرة القدم، ليوافقوا أخيراً على ذلك".

ويلفت واريبوكو إلى أنه أخذ ينصح الشباب خلال المسابقة بعدم السماح لوجهاء القبائل والطوائف المنتمين إليها باستغلالهم، وبأن عليهم التوقف عن التقاتل".

ويروي واريبوكو: "أحضر كل مجتمع من مجتمعات المنطقة الثمانية فرقه وقُسموا إلى مجموعات. خلال المنافسات شهدنا الشبان الذين يتقاتلون عادةً، وهم يحضن بعضهم بعضاً. جمعت مسابقة كرة القدم الأولاد معاً، وكان من الممتع مشاهدتها".

مُنحت المجتمعات التي فازت بالمراكز الأول والثاني والثالث جوائز نقدية، وبلغت قيمة الجائزة الأولى 150 ألف نيرة نيجيرية (نحو 393 دولاراً)، وقيمة الجائزة الثانية 100 ألف نيرة نيجيرية (نحو 262 دولاراً)، وقيمة الجائزة الثالثة 70 ألف نيرة نيجيرية (نحو 183 دولاراً).

وفي فخر يقول واريبوكو: "عن طريق مسابقة لكرة القدم، تمكنت من إنهاء الخلاف بين المجتمَعَين وإنهاء الاشتباكات الطائفية. والآن، لم نشهد أي اشتباكات طائفية بينهما منذ ذلك الحين".

ويقول واريبوكو إن الشباب بعد أن رفضوا استخدامهم وقوداً لحشو مدافع الصراع بين الطرفين، دفعوا المجتمَعَين إلى السماح لمجتمع التاريكورو بولو ببناء مرحاض جديد.

وأضاف واريبوكو، الأب الذي لديه أربعة أطفال: "لقد حوّلتُ الكراهية إلى تعايش وانسجام".

عندما اصطحب واريبوكو مراسلي TRT World إلى الملعب -يتبع الكنيسة المعمدانية، إضافة إلى ستة ملاعب أخرى- حيث أقيمت المسابقة، حيّاه الشباب خلال سيرنا بلقب "المدير"، وهو لقب من ألقاب الرئيس، مما يعكس الاحترام الذي بات يحظى به.

يُقال إن كرة القدم لديها قدرة سحرية على الجمع بين الناس.

كبير مسؤولي الأمن مع مجموعة من لاعبي كرة القدم الذين قاتلوا بعضهم البعض منذ وقت ليس ببعيد في اشتباكات قبلية مريرة. (TRT World)

يؤمن أكورو بذلك، ويقول: "كرة القدم مثل روح تؤثّر في الناس. وعن طريق كرة القدم، نشهد السلام في المجتمعات، لأن الحكومة خذلتنا. لم تفعل الحكومة أي شيء لحلّ النزاعات القائمة".

اعتمد واريبوكو في تمويل المسابقة على أموال مصدرها شركته الفندقية، ونجح بالفعل في تنظيم المسابقة لأربع مرات بين عامَي 2017 و2018، عندما أقيمت المسابقة لآخر مرة. فبسبب التحديات المالية، اضطُرّ إلى التوقف عن تنظيم المسابقة لأن شركته الفندقية لم تعُد مزدهرة كما كانت.

واريبوكو بطل السلام

يصف أوبيفكا بنجامين، أحد المشاركين في المسابقة، واريبوكو بأنه رجل "عظيم ولطيف، حلمه أن يجمع الشباب معاًدائماً . إنه يصنع السلام في أي مكان يذهب إليه".

وعلى النحو نفسه، عندما يتحدث أفريكاس لاوال، منسّق برنامج شركاء من أجل السلام، الذي ضمَّ واريبوكو إلى البرنامج ودرّبه على أنظمة الاستجابة المبكرة للنزاعات، فإنه يصف واريبوكو بأنه بطل للسلام.

ويقول لاوال: "أُتيحَ لنا التعرُّف إليه عندما كان شابّاً، ورأينا فيه القدرة على إحداث التغيير في مجتمعه. رشّحته لخوض التدريب لأنني لاحظت أنه صوت لا يستمع إليه الناس في دلتا النيجر، فقررنا السماح له بتَعرُّف نزاعاتنا والتدرُّب على حلّها، وقد ساعده ذلك في عمله وجعله بطلاً للسلام في مجتمعه".

وأضاف: "أراه شخصية مؤثرة، فالمرء لا يمكنه أداء عمل مجتمعي حقيقي وإبداء القوة اللازمة لذلك، إذا لم يكن مؤثراً. إنه رجل قوي، رغم أنه ليس مناضلاً سابقاً. إنه أقوى من بعض المسلحين، فهو مكشوف للجميع. ولأنه صوت يعمل من أجل السلام، يريد الناس الاستماع إليه. استخدام مسابقات كرة القدم لحلّ النزاعات نجح في مجتمعه، وهي مبادرة يجب تشجيعها ودعمها".

تُوِّج واريبوكو بطلاً للسلام في ولاية ريفرز لدوره في استخدام مسابقات كرة القدم لإنهاء الصراع بين المجتمَعَين المتنازعين وإنهاء الاشتباكات الطائفية في إيجبيسكالا-أما.

مع ذلك، يشعر واريبوكو بالحزن لأنه عجز عن الاستمرار في تنظيم المسابقة.

ويقول: "كنت أنوي إعادة تنظيم المسابقة في عام 2019، لكنني افتقرت إلى الأموال. وفي العام الماضي بذلت قصارى جهدي لجمع المال، لكن الأمور لم تنجح لأنني عجزت عن جمع الأموال اللازمة".

وختم واريبوكو كلامه بقوله: "كرة القدم كانت الحلّ الوحيد لإنهاء النزاعات في إيجبيسكالا-أما، وآمل أن نستأنف دورة أخرى من المسابقة قريباً".

هذا الموضوع مترجم عن موقعTRT Worldالتركي.

TRT عربي