بعد سنوات من الخلاف والصدام بين الرياض وطهران أثار وصول إبراهيم رئيسي إلى سدة الحكم في إيران تساؤلات عديدة عن مستقبل العلاقة بين البلدين. وذلك في ظل وضع إقليمي متحول وملفات ساخنة لاتزال عالقة.

عرفت المملكة العربية السعودية وإيران سنوات طويلة من الخلاف والصراع تعود جذوره إلى السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، أي منذ انطلاق الاحتجاجات الشعبية بإيران واندلاع الثورة الإيرانية بعد ذلك، التي سعى النظام الإيراني الجديد حينها جاهداً لتصديرها إلى الدول المجاورة في محاولة للإطاحة بالأنظمة العربية المتحالفة مع الولايات المتحدة الأمريكية وبخاصة دول الخليج العربي.

وسرعان ما تطورت بعد ذلك المواجهة بين طهران والرياض حين دعمت الأخيرة العراق في حربها ضد إيران.

وقبل أن تعرف العلاقات بين البلدين استمراراً في الهدوء النسبي الذي تمكنت من تحقيقه في فترة حكم الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي ساهم الغزو الأمريكي للعراق وتدخل إيران بإدارة الرئيس السابق أحمدي نجاد في محاولة للسيطرة وبسط النفوذ على العراق وذلك من خلال مليشياتها المسلحة في تأزيم العلاقات أكثر بينمها. ليصل الصراع إلى أوجِهِ بين طهران والرياض باندلاع حرب اليمن.

مر الصراع بين البلدين بأطوار كثيرة ومنعطفات عديدة أدت إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بينهما منذ سنة 2016 وأصبح الأفق مسدوداً أمام مشاريع الحوار والتفاوض. إلا أن بعض العوامل الإقليمية والداخلية باتت تطرح إمكانية لجلوس الطرفين على طاولة الحوار والتفاوض لخفض التوتر بينها.

وفي هذا الإطار تلعب عدة عوامل داخلية وخارجية دوراً مهماً في التأثير على توجهات السياسات الخارجية لهذه البلدان، وبذلك يعتبر وصول إبراهيم رئيسي إلى الحكم في إيران، مؤشراً جديداً لإمكانية تغيير معالم السياسات الخارجية الإيرانية ومساراتها.

إدارة رئيسي.. براغماتية في السياسات الخارجية

كما كان متوقعاً تمكن المرشح المحافظ إبراهيم رئيسي من الفوز في الانتخابات الرئاسية الإيرانية يوم 18 يونيو/حزيران الجاري بعد أن استُبعد أغلب الوجوه الإصلاحية والمعتدلة.

ويعتبر رئيسي رجل دين محافظ وأحد أبرز الشخصيات الإيرانية المرشحة لخلافة المرشد الأعلى علي خامنئي. وحاز الرئيس الإيراني الجديد على درجة الدكتوراة في الفقه الإسلامي، ليخوض بعد ذلك تجارب وخبرات عديدة حقق فيها عدة نجاحات وعاش فيها بعيداً عن الأضواء، وذلك حتى سنة ترشحه في الانتخابات الرئاسية سنة 2017 التي خسر فيها ضد منافسه حسن روحاني.

انطلقت بدايات رئيسي في سلك القضاء فشغل منصب المدعي العام في طهران سنة 1980 ثم ارتقى سريعاً فتولى منصب المدعي العام للبلاد بين سنتَي 2015 و2017، ثم أصبح في وقت لاحق أحد أعضاء مجلس خبراء القيادة الـ11 الذين ينتخبون المرشد الأعلى في البلاد. وتمكن من تتويج مسيرته في القضاء بتعيينه سنة 2019 رئيساً للسلطة القضائية الإيرانية.

وعلى خلفية تورطه في ملفات إعدامات جماعية نفذت سنة 1988 والتسبب بقتل المتظاهرين خلال الاحتجاجات التي اندلعت في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2019، أدرجت وزارة الخزانة الأمريكية اسمه بقائمة العقوبات ضد مسؤولين إيرانيين.

وبالوقوف على خلفيته الأيديولوجية ومسيرته وشبكة علاقاته تصاعدت المخاوف الإقليمية والدولية من انتهاج طهران سياسة خارجية أكثر تشدداً تزيد تأزيم تداول الملفات العالقة وتصعيد الخلاف مع عدة دول وبخاصة دول الجوار ومن بينها المملكة العربية السعودية.

وفي السياق ذاته صرح إبراهيم رئيسي بعد إعلان فوزه بالانتخابات الرئاسية بأنه لا وجود لعقبات من الجانب الإيراني أمام إعادة فتح السفارات مع المملكة العربية السعودية. وتعليقاً على ما أثاره الملف اليمني من صراع بين طهران والرياض دعا رئيسي السعودية لوقف العمليات العسكرية والحرب في اليمن، مؤكداً أنه يحق للشعب اليمني تقرير شكل حكومته ومصيره بنفسه.

وفي وقت سابق كانت السعودية قد عبرت عن استعدادها لخوض حوار مع إيران لخفض حدة التوتر بالمنطقة، وذلك بعد أن تولى الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن الحكم وعزمت الإدارة الأمريكية الجديدة على وقف الدعم للحرب في اليمن ووضع حد لها وذلك بوقف بيع الأسلحة لكل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

وبهذا تبدو مواقف إبراهيم رئيسي بعد وصوله إلى الحكم متسقة مع مواقفه السابقة التي عبر عنها خلال ترشحه للانتخابات الرئاسية سنة 2017، إذ عبر حينها عن رغبته في إيلاء العلاقات الإيرانية-العربية وعلى رأسها مع السعودية اهتماماً كبيراً والعمل على إيجاد حلول سياسية بينها.

ويواصل رئيسي انتهاج نفس السياسة البراغماتية الإقليمية لمحاولة خلق مناخات بأقل توتر في المنطقة وبخاصة خلال الفترات الأولى لحكمه، وذلك حسب ما كشفت عنه التصريحات الإعلامية الأولى للرئيس الإيراني المنتخب إبراهيم رئيسي الذي أبدى مرونة خاصة في ملف العلاقات الإيرانية-السعودية.

هل تتحق التهدئة بين الرياض وطهران؟

خلال سؤاله عن أفق التعامل مع إدارة الرئيس الإيراني الجديد قال وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان خلال مؤتمر صحفي في فيينا إن السياسة الخارجية في إيران يديرها في الحقيقة المرشد الأعلى (علي خامنئي)، ولذلك تبني الرياض تعاملها تجاه طهران على حقيقة الوضع على أرض الواقع، بصرف النظر عمن يتولى السلطة.

وتبدو بذلك السعودية في ترقُّب حذر لمسار السياسات الخارجية الإيرانية بعد وصول رئيسي إلى سدة الحكم في إيران.

وفي سياق متصل دعا مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري الشيعي في العراق كلاً من السعودية وإيران لحل مشاكلهم من دون إدخال العراق في هذا الصراع وعدم التدخل في شؤونه الداخلية. وعبَّر عن استعداد بلاده لدعم مساعي الحوار بين البلدين، إذ استضافت بغداد في أبريل/نيسان الماضي مسؤولين سعوديين وإيرانيين خلال جولة من المباحثات التي تداولت الملفات الخلافية بين البلدين.

وإن كانت الرياض تسعى من جانبها للحوار لوقف النزيف السياسي والاقتصادي الذي تسبب فيه الصراع مع إيران في اليمن، فإن طهران تدفع حالياً في نفس الاتجاه للتمكن من إحياء الاتفاق النووي ورفع العقوبات الصارمة التي فرضتها عليها إدارة ترمب السابقة وتسببت في عزلها عن النظام المالي العالمي. وبالتالي فإن إعادة إحياء الاتفاق تعتبر من أولويات الإدارة الجديدة لرئيسي للتمكن من إنقاذ الاقتصاد الإيراني الذي يمر بأحلك مراحله.

ولكن مع ذلك يستبعد المفاوضون في ملف الاتفاق النووي الذي عقد مؤخراً في فيينا أن يؤثر وصول إبراهيم رئيسي إلى الحكم في مسار المفاوضات وإن كانت توجهاته مختلفة عن سلفه المنتهية ولايته حسن روحاني.

TRT عربي
الأكثر تداولاً