بات اللاجئون محاصرين دون طعام أو ماء أو دواء، ولقي ما لا يقل عن ثمانية أشخاص حتفهم على امتداد الحدود البرية بين بولندا وبيلاروسيا (Oksana Manchuk/AFP)

انفجرت خلال الأشهر الأخيرة أزمة لاجئين على طول الحدود بين بيلاروسيا وليتوانيا وبولندا، حيث يحاول آلاف المهاجرين غير الشرعيين عبور الحدود البيلاروسية إلى الاتحاد الأوروبي.

ورُغم سماح السلطات في مينسك للاجئين بعبور حدودها، في تصرّف يعتبره منتقدون توظيفاً سياسياً لأحلام ومعاناة اللاجئين، غير أنّ الاتحاد الأوروبي لا يسمح بمرورهم، ليواجه هؤلاء مصيراً مجهولاً، وظروفاً غير إنسانية، لاجئين إلى الغابات في درجة حرارة تصل إلى تحت الصفر مئوية.

فيما استطاعت قلة قليلة من اللاجئين عبور الحدود إلى وجهات مختلفة.

آلاف من العالقين

بدأ سيل من المهاجرين، ومعظمهم من العراق وسوريا وأفغانستان، في الظهور على الحدود البرية لبيلاروسيا مع الاتحاد الأوروبي هذا العام، في محاولة للعبور إلى الدول الأعضاء ليتوانيا ولاتفيا وبولندا عبر طرق لم تستخدم من قبل.

وتشير أحدث التحقيقات إلى أنّ وكالات السفر في الشرق الأوسط التي تعمل مع مشغّلين في بيلاروسيا قدّمت تأشيرات سياحية لآلاف الأشخاص خلال الأشهر الماضية.

ويتّهم الاتحاد الأوروبي لوكاشينكو بتنسيق وصول هذه الموجة من المهاجرين واللاجئين إلى الجانب الشرقي من التكتّل القاري، رداً على العقوبات الأوروبية التي فُرضِت على بلاده بعد "القمع الوحشي" الذي مارسه نظامه بحقّ المعارضة التي كانت احتجّت العام الماضي على إعادة انتخاب ألكسندر لوكاشينكو رئيساً لبيلاروسيا.

ووصفت وزارة الخارجية في بيلاروسيا الاتهامات بأن مينسك هي التي دبرت أزمة المهاجرين بأنها "عبثية"، فيما قال لوكاشينكو إنّ بلاده تحاول إقناع المهاجرين بالعودة إلى ديارهم لكن لا أحد منهم يريد العودة. وأضاف أن مينسك سترد على أي عقوبات جديدة من جانب الاتحاد الأوروبي.

ووسط السِجال السياسي بين مينسك وبروكسل بات اللاجئون، ومن بينهم أسر وأطفال ونساء وشيوخ، محاصرين دون طعام أو ماء أو دواء، ولقي ما لا يقل عن ثمانية أشخاص حتفهم على امتداد 200 كيلومتر من الحدود البرية بين بولندا وبيلاروسيا لأسباب منها برودة الطقس والإرهاق.

الطريق إلى أوروبا

مع تصاعد أزمة اللاجئين، أعلنت بولندا حالة الطوارئ على حدودها الشرقية في أغسطس/آب الماضي، وخصّصت "منطقة حظر" بعرض ثلاثة كيلومترات يحرسها 20 ألف شرطي وضابط حدودي، ومنَعَت المنظمات غير الحكومية والصحفيين من الوجود بالمنطقة.

وأدّى ذلك إلى صعوبة التحقّق من صحة المزاعم والصور الّتي غمرت وسائل التواصل الاجتماعي بشأن أوضاع اللاجئين، غير أنّ العديد من المصادر تشير إلى مأساة إنسانية يشهدها هؤلاء سواء من استطاعوا العبور إلى "البر الآمن"، أو أولئك ممن لا يزالوا عالقين في المناطق الحدودية.

وقال أكرم، وهو أحد عابري الحدود البيلاروسية بنجاح إلى أوروبا، إنّه مرّ برحلة شاقة وغادرة، تجرّع خلالها شعوراً بأنّه "استُخدِم سلاحاً في مواجهة سياسية قاتلة بين الاتحاد الأوروبي وبيلاروسيا".

وأكرم وهو لاجئ سوري تحدّث إلى"TRT World" باسم مستعار خشية من أية تبعات على ملفه في الحصول على اللجوء في هولندا حيث يقيم الآن. وروى أكرم ذو الـ52 عاماً، أنّه حاول عدّة مرات مغادرة سوريا وصولاً إلى أوروبا محاولاً اللحاق بأخته التي كانت استقرّت وتعمل طبيبة في هولندا.

وباءت كل محاولاته السابقة للوصول إلى أوروبا بالفشل، غير أنّه قرّر بيع منزله في اللاذقية، وترَكَ زوجته وأبنائه الثلاثة آملاً أن يلحقوا به بعد قبول طلبه للجوء. وراهن أكرم على الرحلة إلى بيلاروسيا ومنها إلى أوروبا في أن تكتب له النجاح أخيراً.

وبعد دفعه أموالاً طائلة للحصول على التأشيرة، استقل أكرم طائرة من دمشق إلى مينسك، حيث التقى بمهرّبين ولاجئين آخرين، وانطلقوا في رحلة سيراً على الأقدام إلى بولندا.

مسيرة أيام في غابات كثيفة

وحاول أكرم رفقة مجموعة من المهاجرين السوريين عبور الحدود البولندية مرات عديدة، لكنّ الجيش البولندي أعاده مجدّداً إلى الحدود البيلاروسية، وهو الأمر ذاته الذي فعله الجيش البيلاروسي الذي لم يقبل إعادته إلى مينسك. وأضاف: "بمجرّد عبور المنطقة المحظورة، وهي جدار الاستشعار، لا يُسمح لك بالعودة إلى بيلاروسيا، مستحيل".

وبعد محاولات بائسة للعودة إلى مينسك أو عبور الحدود البولندية، استطاعت المجموعة بمساعدة جنديين بيلاروسيين عبور السياج البولندي بعد أن نقلوهم بالسيارة خلال النهار إلى منطقة خاصة.

وسار أكرم مع المهاجرين الآخرين لمدّة سبعة أيام في غابات كثيفة قبل أن يعثر عليهم أحد المهربين وينقلهم إلى وجهاتهم.

وأكرم هو أحد آلاف اللاجئين الذين واجهوا خطر الموت أثناء رحلتهم عبر الحدود البيلاروسية-البولندية، حيث أفاد تحقيق لصحيفة "الغارديان"، أنّ لاجئاً سورياً يُدعى فرهاد نابو عمره 33 عاماً ومتزوّج وأب لطفلين، قُتِل في شهر أكتوبر/تشرين الأوّل المنصرم خلال ملاحقة الشرطة البولندية للسيارة التي كان يستقلّها إلى جانب مهرّب للبشر وثلاثة ركاب سوريين، بعد أن "دفعوا الآلاف مقابل نقلهم إلى ألمانيا".

TRT عربي