تتصاعد في العراق الاحتجاجات الشعبية وسط انغلاق سياسي وخلافات حول المرشح المحتمل لمنصب رئيس الحكومة والتواجد الأمريكي خصوصاً بعد عملية اغتيال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس.

(AP)

تترقّب الأوساط الشعبية والسياسية في العراق إعلان رئيس الجمهورية برهم صالح، تسمية مرشح رئاسة الوزراء في وقتٍ تخوض فيه القوى السياسية حواراتها من أجل الوصول إلى اتفاق وتوافق على اختيار شخصية لقيادة الحكومة بين المرشحين المطروحين، وهم علي شكري، ومحمد علاوي، ومصطفى الكاظمي. يأتي ذلك في ظل رفض المتظاهرين لأي شخصية يتم ترشيحها من داخل قبة البرلمان العراقي.

أزمة المرشحين لرئاسة الوزراء

انتهت المدة الدستورية التي فرضها المتظاهرون على المسؤولين لترشيح السلطات العراقية رئيساً للحكومة، وسط حالة من اضطراب في وجهات النظر السياسية داخل البرلمان، وفي ظل تصاعد وتيرة الاحتجاجات الشعبية.

وبهذا الصدد تحدث المحلل السياسي من بغداد أحمد الركابي لموقع TRT عربي قائلاً: "المتظاهرون يشعرون بالنقمة على الطبقة الحاكمة التي فشلت في نزع أجندتها من التدخلات الخارجية لكل من إيران والولايات المتحدة، فالحكومة ما زالت غير قادرة على تلبية مطالب الشعب وسط الفوضى السياسية المتمثلة باتهامات بين الأحزاب من جهة، وانشقاقات داخل الكتل البرلمانية من جهة أخرى".

وأضاف الركابي: "المظاهرات جاءت نتيجة طبيعية لتراكم المشكلات والأزمات في العراق خلال السنوات الماضية، بالإضافة إلى التدهور الأمني والاقتصادي الذي وصل إلى مستويات خطيرة، الأمر الذي يستدعي من الدولة أن تجد الحلول التدريجية للاستجابة لمطالب المحتجين".

أما الباحث الإعلامي من البصرة حسين السعدي، فقد تحدث لموقع TRT عربي قائلاً: "الأداء السياسي الضعيف للأحزاب والسلطة الحاكمة يقف وراء الحراك الجاري وانتفاضة الشباب العراقيين. ومن أهم الأسباب التي أدت إلى هذا الحراك الفسادُ غير المسبوق في البلاد".

وأكد السعدي أن "ما يجري هو غضب واستياء شعبي تام من السياسات الحكومية التي امتدت على مدى 17 عاماً، وخلفت المحاصصة الحزبية والطائفية التي وضعت غير المؤهلين في مواضع صنع القرار، بالإضافة إلى صراع الكتل البرلمانية وعدم تنازلها عن مصالحها، بالتالي عدم اتفاقها على مرشح يلائم رغبات الشعب المنتفض".

تعثر الاتفاقيات السياسية

حسب المادة 76 من الدستور العراقي "يكلف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل مجلس الوزراء، خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية". لكن الأزمة تدخل جولتها الثالثة وسط فشل الاتفاقيات السياسية لترشيح شخصية تتوافق مع رغبات الأحزاب ومطالب المتظاهرين.

بهذا الصدد تحدث عضو مجلس النواب عن ائتلاف دولة القانون منصور البعيجي لوقع TRT عربي مصرحاً بأن "سبب تأخر تسمية رئيس وزراء جديد هو رئيس الجمهورية والبرلمان، اللذان تسلما أسماء مرشحين من الكتلة النيابية المبرى وهم علي شكري، ومحمد علاوي، ومصطفى الكاظمي، لكن لا وجود لقرارات حاسمة بهذا الشأن".

وأشار البعيجي إلى أن "الكتل السياسية مصرة على اعتماد المحاصصة وتقاسم المغانم وفرض شروطها على أي مرشح لرئاسة الوزراء، وهذا ما عقد الأمور، فالأحزاب تعلن تمسكها بالدستور، لكنها في حقيقة الأمر تتفاوض على مكاسبها وتتناسى انتظار الشعب الثائر لحسم قرار مرشح رئاسة الوزراء".

وبيّن البعيجي أنهم في كتلة القانون يعتقدون أن "كتلة سائرون تدعم المرشح محمد توفيق علاوي لرئاسة الوزراء، ونحن في دولة القانون ندعم -مع كتلة الفتح- المرشح علي شكري لتولي المنصب ذاته. وندرك أن أي مرشح لن يمر دون موافقة سائرون، بالتالي ندعو القوى السياسية إلى تمكين الشعب العراقي من تسمية المرشح لرئاسة الوزراء ليكون له القرار الأخير بخصوص المرشحين". 

متظاهرون منقسمون في الساحات

وفي هذه الأثناء تتصاعد موجة التظاهرات في بغداد والمحافظات الجنوبية وسط انقسام المتظاهرين بين مؤيدي دعوة السيد مقتدى الصدر وبين الداعين لتوحيد الاحتجاجات بخطابات وطنية خالصة ترفض تسييس التظاهرات وتحويلها إلى قضايا إقليمية للدفاع عن طرف ضد طرف بسبب صراعات إقليمية.

وبهذا الصدد تحدث الناشط السياسي ضياء الكاظمي لموقع TRT عربي مصرحاً بقوله: "نرحب بدعوة السيد الصدر ونعتبر دعمه للتظاهرات موقفاً مشرفاً في سبيل تحقيق الحقوق المشروعة، وخطابات الصدر تعكس اهتمام المرجعية الدينية لقضية العراقيين وهذا سيكون له أثر كبير في الوصول إلى تظاهرات مليونية".

وأضاف الكاظمي: "لم نرَ أي شخصية دينية تدعم التظاهرات سوى مقتدى الصدر، بالتالي من الضروري احترام دعوة الصدر والنزول إلى الشوارع، والتصعيد الشعبي سيكون هو الأسلوب الوحيد للضغط على الحكومة لأنها تسوف المطالب، لكن هذه المرة سيكون هناك مسار آخر بدعم من المرجعية التي تلحّ على إجراء إصلاحات سريعة وتستنكر قمع المتظاهرين".

في الجانب الآخر صرّح الناشط المدني من التيار المدني رامي الحمداني لموقعTRT عربي قائلاً: "نرحب بجميع الخطابات التي تدعم التظاهرات، لكننا نرفض تحويل موجتها إلى أبعاد دينية ومذهبية، لأن ذلك سيؤدي إلى تفكيك الشعارات التي خرجنا من أجلها في أكتوبر والتي ضمت جميع أطياف الشعب العراقي".

وتابع الحمداني: "إن التظاهر والتعبير عن المواقف السياسية حق مكفول دستورياً لكل مواطن عراقي، لكن توقيت مظاهرة الصدر يجعل الموقف يأخذ جانب التحيز لإيران ضد الولايات المتحدة انسجاماً مع خطابات السياسيين في كتلة سائرون".

وأكد الحمداني أن "الحراك الشعبي الحالي ضد وجود أي تدخل خارجي بالشأن العراقي سواء من أمريكا وغيرها، لكن الحديث عن رفض الوجود الأمريكي بهذا الوقت نعتبره أقل أهمية من الاستجابة لمطالب إصلاح النظام داخلياً وبناء الدولة".

تصعيد الاحتجاجات وقمع المتظاهرين

شهدت العاصمة بغداد وعدد من المحافظات الجنوبية تصعيداً كبيراً للتظاهرات أدى إلى قطع الطرق الرئيسية وإغلاق الدوائر الحكومية، والاعتصام أمام مقرات الأحزاب الحاكمة، وقد وصل الأمر إلى نصب الخيام أمام الوزارات الحكومية والسفارات الأجنبية.

وفي هذا الإطار، تحدث الباحث الاجتماعي سعدون الرماحي لموقع TRT عربي بأن "خيار التصعيد السلمي وتطوير أساليب الاحتجاج، بات الحل الوحيد للمتظاهرين للضغط على الحكومة التي أظهرت عدم الجدية مستمرةً باتهام الطرف الثالث بقتل واختطاف المتظاهرين".

وأضاف الرماحي أن "المحتجين حريصون على سلمية حراكهم، لكن الحكومة تتعامل بطريقة قمعية خطيرة، ومن المتوقع أن يزداد التصعيد، مما سيؤدي إلى حدوث صدامات عنيفة بين قوات مكافحة الشغب والمتظاهرين، وهذا سيعطل عمل الدوائر الحكومية وسيعلق الدوام الرسمي للجامعات والمدارس، مما سيكون له أثر خطير على حياة المواطنين الاجتماعية".

من جانبه أعرب الحقوقي عبد الله الشاهر عن قلقه لموقع TRT عربي، مصرحاً بأن "الحكومة تريد فرض شخصية الدولة القوية بأي، وتحاول فض التظاهرات، لكنها تتورط بشكل مستمر بملفات انتهاكات حقوق الإنسان، وهذا ما يضعها في موقف محرج لأنها لا تستطيع إجراء إصلاحات نتيجةً لتعرضها لضغوط إقليمية من إيران بتمرير مرشح من الأحزاب الشيعية التابعة لها".

وتابع الشاهر: "رصدنا في بحوثنا القانونية قتل أكثر من 40 شخصاً خلال الأسبوع الماضي، وإصابة أكثر من 160 شخصاً بجروح بليغة نتيجة الرصاص الحي وقنابل الغاز التي أطلقتها قوات مكافحة الشغب لإبعاد المتظاهرين من الطرق الرئيسية".

ورغم تفاقم الأوضاع في البلاد، لا تزال القوى السياسية تماطل في طرح مرشح مناسب لرئاسة الحكومة خلفاً لعادل عبد المهدي الذي مضى 30 يوماً على انتهاء المهلة الدستورية لعمله رئيساً لحكومة تصريف الأعمال، وسيكون لذلك رد حاسم من المتظاهرين بتصعيد الاحتجاجات وتعطيل الدوام الرسمي للدوائر الحكومية واستمرار العصيان المدني للجامعات والمدارس، مما سيضع الحكومة العراقية تحت ضغط أممي لحل الأزمة وإجراء انتخابات مبكرة وسط رفض الأحزاب الحاكمة الموالية لإيران التنازل عن منصب رئاسة الوزراء.

المصدر: TRT عربي