مع أزمة فيروس كورونا تمكنت الحكومة الأردنية من إدارة الاستجابة بشكل استباقي والتخفيف من الآثار المباشرة المحتملة على توافر الغذاء للسكان

ظل الأمن الغذائي بين الأسر الأردنية الضعيفة مستقراً إلى حد كبير حتى الآن ، حيث أظهرت 15٪ من الأسر مؤشراً ضعيفاً أو حدودياً لاستهلاك الغذاء (FCS) في عام 2020 مقارنة بنسبة 16٪ في عام 2018.

" منظمة الأغذية والزراعة في الأمم المتحدة "

وقد أطلق العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بن الحسين نداء عاجلاً، ووضع العالم أمام مشاكل "حالة الغذاء العالمي" الذي يعاني من تحديات تقليدية كالتغير المناخي، وشح المياه والحروب، والاضطرابات، وأزمات اللجوء العالمي والأوبئة،مؤكداً في عدة مناسبات، آخرها حوار "بورلوغ الدَّولي" الذي نظمته مؤسسة جائزة الغذاء العالمية لمناقشة آليات تطوير قطاع الزراعة والتصنيع الغذائي، أن الأردن بموقعه الاستراتيجي قادر على أن يكون مركزاً إقليمياً للأمن الغذائي في المنطقة، ومنبهاً من ارتفاع معدلات الجوع في الأعوام التي ستتبع أزمة فيروس كورونا المستجد.

ودعا الملك إلى وضع الحلول التي تقوم على بناء نظام عالمي شامل عن طريق ما أسماه "ضبط العولمة"، وذلك بتعزيز العمل العالمي المشترك ودعم روح الابتكار وبنية الزراعة التحتية والأفكار الإبداعية في مجالات الإنتاج والتزويد والتخزين وتبادل الخبرات، بدل استثمار الموارد الإنسانية في التسلح والحروب.

وعلى الرغم من أن الأردن يستورد ما يقارب 90% من إجمالي الاستهلاك المحلي من الغذاء، وفقاً لبيانات دائرة الإحصاءات العامة الأردنية فإن مناخ وطقس المملكة يجعلانها مكاناً استراتيجياً لتنفيذ الاستثمارات الزراعية التي تحتاج إلى رأس مال أقل وجودة أعلى في الإنتاج عن باقي دول المنطقة.

فرص تم لمسها خلال الجائحة

مدير دائرة التعاون الدولي في وزارة الزراعة الأردنية المهندس حازم الصمادي قال إن أزمة فيروس كورونا التي اجتاحت العالم أبرزت أهمية الغذاء في العالم، ونبهت من ارتفاع معدلات الجوع ما بعد الأزمة خلال السنوات القادمة.

وبيّن الصمادي لـTRT عربي أنه في الأردن فرص تم لمسها خلال أزمة كورونا، بعد أن طلب بعض من دول العالم من المملكة المساعدة في الإنتاج الزراعي، لما يتمتع به الأردن من مناخ مناسب، وسعر تنافسية أقل وجودة إنتاج أعلى، إلى جانب الخبرات الكثيرة في مجال تكنولوجيا الزراعة.

وأوضح أن ذلك جعل الأردن يفكر في أن يكون مركزاً إقليمياً للأمن الغذائي في المنطقة، لأن الأردن لديه تجربة في التخزين الأفقي "المستوعبات" التي تكون مفرغة من الهواء، ما يساعد في الحفاظ على المنتجات الغذائية لوقت أطول قد يزيد على العام، إلى جانب تنافس الأردن القوي مع الأسواق العربية والعالمية.

وأكد أن الأردن قد أحدث ابتكارات زراعية جديدة مثل البيوت الاستهلاكية التي لا تحتاج إلى كلف تشغيلية عالية، إلى جانب الأيدي العاملة والخبرات.

وأشار الصمادي إلى أنه تم البدءعلى أرض الأردنبإنشاءالمركز الإقليمي للأمن الغذائي في الشرق الأوسط، بتشارك مع وكالات الأمم المتحدة والمانحين، موضحاً أنه قريباً سيتم الشروع في تحقيق هذه الرؤية على أرض الواقع ضمن استراتيجية وخطط واضحة.

إنتاج أكثر بتكلفة أقل

المستشار والخبير الزراعي الدكتور نمر حدادين قال إن أزمة فيروس كورونا في العالم دفعت نحو زيادة الطلب على الغذاء، وذلك دعا بشكل عاجل للتفكير في طرق إنتاجية تكون أقل كلفة وأكثر توريداً لتغطية هذا الطلب المتنامي.

وأوضح حدادين لـTRT عربي أن الأردن وإن كان واحداُ من أفقر دول العالم في الماء، فإن لديه من الخبرات والتكنولوجيا الزراعية التي تمكنه من تجاوز هذا التحدي من خلال الزراعات الأكثر تطوراً وتقنية، والتي تحقق إنتاجاً غذائياً أكبر وبأقل قدر ممكن من صرف المياه.

وأشار إلى أن من أبرز ما يميز الأردن عن باقي دول العالم المناخ المناسب الذي يسمح بأن يكون هناك إنتاج زراعي على مدار العام دون انقطاع، إلى جانب الاستقرار السياسي.

وأضاف حدادين أن الأردن بكل ما لديه من خبرات يستطيع أن يكون "مركز استفادة إقليمياً من الأمن الزراعي والغذائي"، وذلك بتحقيق شراكات استراتيجية مع المنظمات الغذائية العالمية صاحبة الاختصاص.

ولفت إلى أن المملكة، من خلال الخبرات البشرية، استطاعت إنجاح تكنولوجيا الزراعة دون تربة " أو ما يسمى الزراعة المائية"، وذلك بعد تهيئة الظروف المناخية اللازمة لتحقيق إنتاج مهم ذي جودة من الغذاء.

تحرك لإعادة التوازن

من جانبه، قال الخبير الاقتصادي الدكتور حسام عياش إن أزمة فيروس كورونا أثرت على مستوردات وإنتاجية العالم من المواد الغذائية، كما تسببت في إحداث خلل في حجم الطلب والعرض على الغذاء، الأمر الذي يستوجب أن يكون هناك تحرك لإعادة التوازن لهذا الطلب، وعدم ارتفاع أرقام الجياع في العالم في السنوات القادمة.

وأوضح عياش لـTRT عربي أن على الأردن أن يعود بشكل عاجل إلى الاستثمار الزراعي وبشكل أوسع، وأن يستغل أكثر من 3% من المساحات الزراعية التي بمجملها لا تتجاوز 10%.

وشدد على أنه من خلال المركز الاستراتيجي للغذاء الذي سيقامفي الأردن،يجب أن يكون هناك ضخ للمزيد من الاستثمارات في هذا القطاع، مثل التسهيلات المالية التي تشكل 1.5% من إجمالي التسهيلات المصرفية، إلى جانب الدفع لتطوير القطاع الزراعي وإدخال التكنولوجيا فيه بشكل أوسع، ما يعمل على جذب المزيد من الأيدي العاملة وبالتالي حلحلة جزء من مشكلة البطالة.

وأوضح أن إنشاءالمركز الإقليمي الاستراتيجي للغذاء للمنطقةسيعمل على تخفيض نسب الهدر الغذائي في المملكة التي تصل إلى 400 ألف طن سنوياً، تذهب فيها المنتجات الغذائية هدراً لعدم القدرة على استغلالها بسبب سوء التخزين أو سوء التصرف.

وبين أن أهم مصادر تطوير العملات الأجنبية هو القطاع الزراعي، مشدداً على أن لا يكون ذلك على حساب القطاع المائي، ما يسمح بتوفير أكبر قدر من الإنتاج الزراعي بأقل قدر من الإسراف المائي.

وختم عياش أن هذا المركز سيعمل بشكل واضح على زيادة الإنتاج من المحاصيل وإعادة تصنيفها، وهو ما يعد أهم أدوات مواجهة المخاطر والأزمات، كما يعد حماية وأمناً ومصدراً رافداً مهماً للدخل القومي الإجمالي للمملكة.

ويسعى الأردن من خلال الحكومة الجديدة إلى تحقيق هذه الرؤيا بأن ينشئ المركز الإقليمي للأمن الغذائي، الذي من المفترض أن يغطي كل أرجاء المنطقة على أرض الأردن، من خلال إيجاد الأرضية التشريعية واللوجستية الخصبة، ووفقاً لمحددات ووثائق رسمية تتجلى في تطلعات المملكة في استراتيجيتها للأعوام 2021- 2024 .

TRT عربي