كانت حادثة مقتل الرئيس التشادي الراحل إدريس ديبي يوم الثلاثاء 20 أبريل/نيسان الجاري متأثراً بإصابته في أرض المعركة وهو يخوض معارك ضد جبهة الوفاق من أجل التغيير في شمال كانم (شمالي تشاد) صدمة للشارع التشادي والمجتمع الدولي على حد سواء.

وكانت اللجنة القومية للانتخابات قد أعلنت فوزه بولاية سادسة مدتها 6 أعوام عشية مقتله.

بيد أن الحدث الأبرز تمثل في إعلان الجيش عن تكوين مجلس عسكري انتقالي برئاسة الجنرال محمد كاكا ديبي - نجل الرئيس الراحل إدريس ديبي- لحكم البلاد لفترة انتقالية مدتها 18 شهراً، تجري بعدها انتخابات رئاسية حرة. وأعلن المجلس الانتقالي عدداً من القرارات حل بموجبها الحكومة والبرلمان، وفرض حالة الطوارئ في أنحاء البلاد كافة. الأمر الذي اعتبرته الأوساط السياسية التشادية انقلاباً على الدستور الذى ينص على أن يتولى رئيس البرلمان رئاسة الدولة في فترة انتقالية لمدة 45 يوماً في حالة وفاة الرئيس أو عجزه عن القيام بمهامه السيادية. وتجري بعدها انتخابات لاختيار رئيس جديد.

إلى أين تتجه الأمور في تشاد:

يرى مراقبون أن مقتل الرئيس التشادي إدريس ديبي إتنو يعتبر عبوراً إلى المجهول بالنسبة إلى16 مليون تشادي عاشوا أكثر من 30 عاماً تحت حكم ديبي، وأن أجيالاً من التشاديين لم يعرفوا رئيساً غيره، ولم يشهدوا ممارسة ديمقراطية حقيقية في عهده. ومثل ما أحدث مقتله صدمة في الشارع التشادي أحدث كذلك قلقاً دولياً ومخاوف بين حلفائه الغربيين بشأن مستقبل تشاد، خصوصاً فرنسا والولايات المتحدة، اللذين كانا يعتبرانه حليفاً أساسياً وفاعلاً في معركتهم ضد الجماعات الإسلامية المتشددة في غرب إفريقيا، بخاصة تنظيم داعش الإرهابي وجماعة بوكو حرام. ودخلت الدول الإفريقية والعالم في معضلة الموازنة بين رفض الاعتراف بشرعية المجلس العسكري الانتقالي والخشية من إضعاف دور تشاد في دعم أمن دول الساحل الخمس وانفلات الأمن فى الدولة الهشة بخاصة أن قوات المعارضة تقاتل على بعد مئات الكيلومترات من العاصمة إنجمينا. وتشير بعض التقارير إلى أن الجيش التشادي يشن حملة عسكرية ضارية للقضاء على المعارضة المسلحة الآن. الأمر الذي يفسر تراجع بعض قادة المعارضة وقبولهم بالجلوس للوصول إلى تسوية سياسية.

المواقف الدولية

فى الوقت الذى تفادى فيه الاتحاد الإفريقي فرض عقوبات على المجلس العسكري الانتقالي التشادي، واكتفى بالتعبير عن قلقه العميق من الوضع والدعوة إلى العودة إلى إرساء النظام الديمقراطي. متجاوزاً تجميد عضوية تشاد في الاتحاد الإفريقي كما ينص دستور الاتحاد، وكما حدث في حالات مشابهة، بل اعتبر حضور موسى فكي رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، ووزير خارجية تشاد الأسبق إبان عهد حكم الرئيس الراحل ديبي، لاجتماع دول الساحل الخمس بحضور رئيس المجلس العسكري الانتقالي التشادي الجنرال محمد إدريس ديبي مع الرئيس الفرنسي ماكرون في إنجمينا. اعترافاً ضمنياً بشرعية المجلس العسكري. من قبل الاتحاد الإفريقي .

ولم تتجاوز الولايات المتحدة الموقف ذاته، إذ أعلنت الخارجية الأمريكية عن متابعتها للوضع في تشاد، وعبرت عن قلقها من العنف في البلاد، داعية المجلس العسكري الانتقالي إلى عدم وضع أي عراقيل أمام الانتقال الديمقراطي. الموقفان يشيران إلى أن الاتحاد الإفريقي والولايات المتحدة توافقان ضمنيًّا على تولي المجلس العسكري الانتقالي قيادة البلاد في الفترة الانتقالية.

ولكن الموقف الفرنسي جاء أكثر مساندة للمجلس العسكري الانتقالي برئاسة الجنرال محمد إدريس ديبي. ولم يقف الموقف الفرنسي عند الدعم والاعتراف بالمجلس العسكري فقط بل دعا القوى المعارضة التشادية المدنية منها والعسكرية ومنظمات المجتمع المدني بضرورة الحوار مع المجلس العسكري من أجل إخراج البلاد من حالة الاحتقان السياسي والأمني التي تعيشها. وكان لحضور الرئيس ماكرون جنازة ديبي رمزية في دعم خطوات المجلس العسكري الانتقالي وتجاوزه للدستور الذي ينص على أن يتولى رئيس البرلمان الحكومة الانتقالية، كما تعهد بالدفاع عن استقرار تشاد، وهذا تلميح صريح بالتصدي لقوى المعارضة المسلحة إن صمَّمت على مواصلة تقدمها إلى العاصمة إنجمينا.

تحدث الصحفي الهضيبي يس إلى TRT عربي قائلاً "إن فرنسا وجدت نفسها مجبرة على دعم المجلس العسكري الانتقالي حتى وإن كان ذلك على حساب قيم ومبادئ الجمهورية الفرنسية، المتمثلة في الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة. والانتقال السلمي الديمقراطي للسلطة. ففرنسا تحتاج إلى المحافظة على المعادلة الأمنية في منطقة الساحل والتفوق العسكري على الجماعات الإسلامية المتشددة. والذي يعتبر الجيش التشادي عنصراً مهماً وفاعلاً، لذلك فالاستقرار الأمني والسياسي في تشاد مقدم بالنسبة لفرنسا على الديمقراطية والدستور. وهناك عامل آخر بالنسبة لفرنسا التي تخشى المنافسة التجارية والاستثمارات التي بدأت تتوسع في المنطقة من قبل الصين وتركيا وروسيا، لذلك فرنسا تحاول أن لا تفقد سيطرتها ومكانتها في تلك المنطقة".

مواقف المعارضة التشادية:

لم تتأخر المعارضة التشادية في رفض ما أسمته “بالانقلاب المؤسسي” حيث نددت أحزاب المعارضة الرئيسية في تشاد الأربعاء الموافق 21 أبريل/نيسان بتولي الجيش السلطة ممثلاً في المجلس العسكري واصفة ما جرى بـ(انقلاب مؤسساتي). ودعا حوالي ثلاثين “حزباً سياسياً في المعارضة الديمقراطية إلى "مرحلة انتقالية يقودها مدنيون عبر حوار شامل” وفق ما جاء في البيان. وأن المعارضة "تدعو سكان تشاد إلى عدم الانصياع للقرارات غير القانونية وغير الشرعية والمخالفة للتنظيمات التي اتخذها المجلس العسكري الانتقالي. ولا سيما ميثاق الانتقال وحظر التجول وإغلاق الحدود"، كما وجهت الأحزاب (تحذيراً) لفرنسا طالبة منها "عدم التدخل في شؤون تشاد الداخلية" ودعت الأسرة الدولية إلى "مؤازرة الشعب التشادي لإعادة دولة القانون والديمقراطية". المعارضة المسلحة من جانبها وعبر المتحدث باسم "جبهة التغيير والوفاق". كينجابى أوغوزيمي دي تابول قالت: "نعتزم مواصلة الهجوم نحو إنجمينا"

تأثيرات الوضع التشادى على دول الجوار

يعتبر غياب ديبي الذي لعب دوراً فاعلاً في أحداث غرب السودان بإقليم دارفور من حيث دعمه للمعارضة السودانية في وقت سابق، وفي دوره الأخير في دعم ملف السلام في دارفور، مؤثراً على مجمل المشهد السوداني كما يرى الباحث في العلاقات الدولية إبراهيم ناصر، الذى تحدث إلى TRT عربى بأن "تطورات العلاقة بين البلدين ستشهد مرحلة من التأرجح مبنية على مواقف البلدين من تقاطعات الملفات الدولية وفي مقدمتها المصالح الفرنسية والإسرائيلية التي ترعاها تشاد". وأضاف إبراهيم أن "زيارة الفريق البرهان رئيس مجلس السيادة السوداني إلى تشاد ومشاركته في تشييع ديبي تعتبر اعترافاً بالخطوات التي اتخذها العسكر في تشاد، وربما دفعت بعلاقات البلدين الإيجابية إلى الإمام". إلا أن الوضع في إقليم دارفور يبقى مفتوحاً على كل التطورات السلبية إذا ما نقلت المعارضة التشادية نشاطها إلى الداخل السوداني بعد خروجها من ليبيا. فسيطرة ابن الرئيس الراحل ديبي على مقاليد الأمور في تشاد يعني استمرار هيمنة قبيلة الزغاوة على المشهد والذي له انعكاسات مباشرة على السودان.

هل تستطيع فرنسا الحفاظ على الاستقرار فى تشاد

سعت فرنسا منذ اليوم الأول بعد مقتل الرئيس ديبي إلى دعم المجلس العسكري وشرعنة بقائه، فبعد الاجتماع الخماسي لدول الساحل الذي عقد بإنجمينا عقب تشييع الرئيس الراحل إدريس ديبي وبحضور الرئيس الفرنسي ماكرون، كلف الاجتماع، وبدعم من فرنسا الرئيسين النيجري محمد بازوم والموريتاني محمد ولد الغزواني، بإجراء حوار مع القوى التشادية السياسية المعارضة، للاستماع إلى رؤاها في الانتقال السياسي، ثم رفع نتائج هذه المشاورات إلى المجلس العسكري. ويرى الباحث في العلاقات الدولية إبراهيم ناصر الذى تحدث إلى TRT عربي أن "فرنسا ستستمر في دعم الدكتاتوريات في إفريقيا رغم الانتقادات التي توجهها إليها العديد من الدول الأوروبية مثل ألمانيا وإيطاليا، وإن كان ذلك على حساب مبادئها، فهي ستغلب المصالح على المبادئ من أجل الحفاظ على موقعها في إفريقيا" ويبقى نجاح الجنرال محمد كاكا ديبي البالغ من العمر 37 في قيادة تشاد مرهوناً بالتطورات والتدخلات الخارجية أكثر من مخاوف التهديدات الداخلية".

إن الممارسة الفرنسية في تشاد وفي منطقة الساحل الإفريقي عموماً تؤكد أن المصالح تُقدَّم على المبادئ، فقد دعمت فرنسا الرئيس الراحل ديبي لمدة أكثر من ثلاثين عاماً، في وقت شهدت فيه تشاد أسوأ سجل لحقوق الانسان، كما أنها احتلت موقعاً متأخراً في مؤشر الأمم المتحدة للتنمية بالرغم من ما تذخر به من ثروات وعلى رأسها النفط. فالتشدق بالمبادئ والتلويح بها يستخدم فقط عندما تقتضي المصلحة ذلك. بيد أن الاستقرار في تشاد يحتاج إلى إجراء حوار وتسوية شاملة دون تغليب كفة قبيلة على الأخرى أو هيمنة مجموعة معينة من أجل المصالح الفرنسية.

TRT عربي