لا تزال أصداء البيان الذي أصدره 104 جنرالات متقاعدون من البحرية التركية تتردد داخل البلاد وخارجها.

عارض الضبّاط السابقون في بيانهم مشروع إنشاء قناة إسطنبول، معتبرين أن إطلاقها يُعدّ خرقاً لاتفاقية مونترو، وهي الوثيقة الخاصة بتسيير قناة البوسفور والتي تمسّ مباشرةً بأمن البلدان المشاطئة للبحر الأسود. وفي حين اعتقد الأتراك أنّهم تركوا الانقلابات وتدخلات العسكر في السياسة خلف ظهورهم، جاء البيان ليُعيد إحياء ذكريات وجراح ما كادت تندمل لتُنبش من جديد.

وبصرف النظر عن الأسباب التي دفعت هؤلاء العسكريين خارج الخدمة للمطالبة بوأد مشروع قناة إسطنبول والانقلاب على الديمقراطية، فإنّه من الصعوبة بمكان فهم خلفية معارضتهم لمشروع إستراتيجي لبلادهم لن يُدرّ عليها مداخيل إضافية فقط، بل سيُعزز دورها كفاعل أساسي في معادلة الأمن والتجارة والمضايق الدولية. وإذا كان العسكر في البلدان العربية قد صنعوا لأنفسهم صورة في أذهان الشعوب بأنهم الأكثر وطنية وإخلاصاً بين جميع موظفي الدولة، فإن وقوف 104 جنرالات ضد مشروع سيادي، له من الفوائد ما لا يحصى ولا يُعد على بلدهم، هو أمر عسير على الاستيعاب والفهم، ليبقى التفسير الوحيد المنطقي هو أن البيان جاء لغاية في أنفس موقعيه.

وقد جاء مشروع قناة إسطنبول لتخفيف العبء الملاحي عن مضيق البوسفور التاريخي، لا سيما وأن سفن الشحن وناقلات النفط والغاز العملاقة ستكون قادرة على العبور من القناة الجديدة وهو ما سيُترجم إلى رسوم بملايين الدولارات سنوياً للخزينة التركية. وستمنح قناة إسنطبول البحرية لتركيا أفضلية تنافسية في مجال النقل الدولي للسلع والبضائع الذي تصل نسبته في البحار إلى 75%.

وإذا كانت مصر قد وسّعت قناة السويس سنة 2015، وكذلك فعلت بنما لقناتها عام 2016، فإنه يحق لتركيا أيضاً المضي قدماً في المشروع الذي سيعزز نفوذها ويُدرّ مداخيل وفيرة عليها. ووفق الأرقام المتوفرة، شهد مضيق البوسفور عام 2019 مرور 53 ألف سفينة مختلفة الأحجام مدنيّة وعسكريّة، بينما مرّت عبر قناة السويس 17 ألف سفينة، فيما عَبَرت قناةَ بنما 12 ألف سفينة فقط. وتعكس تلك الأرقام التنافسية الأهمية الكبيرة لتركيا أمام بقية المضايق والقنوات البحرية العالمية.

مخطط توضيحي لقناة إسطنبول المزمع إنشاؤها والتي ستربط بين البحر الأسود وبحر مرمرة (Others)

وقد يقول قائل إن سبب معارضة الضبّاط المتقاعدين يرجع إلى التكلفة المرتفعة للقناة الموازية، والمُقدّرة بحوالي 25 مليار دولار، موزعة بين 15 ملياراً لحفر القناة و10 مليارات للجسور والبنى التحتية المختلفة المصاحبة لها. لكن الأرقام الرسمية التركية تقول عكس ذلك تماماً، إذ تُقّدِر وزارة النقل أن قناة إسطنبول ستحقق مداخيل بقيمة 8 مليارات دولار سنوياً، أي أن تشغيلها لثلاث سنوات فقط كفيل بتعويض كل التكاليف، وهو ما سيُسهم في إنصاف الدولة التركية بعد حرمانها من جباية ما يصل إلى 10 مليارات دولار بسبب اتفاقية مونترو المجحفة، التي تنظّم حالياً حركة الملاحة في مضايق البوسفور والدردنيل وبحر مرمرة، وتفرض على تركيا تسعيرة منخفضة. وكي لا تُتهم بخرق الاتفاقية، قررت أنقرة تطويع الجغرافيا لصالحها بشقّ قناة جديدة مستقلة لا تخضع للاتفاقية المذكورة.

أما سياسياً، فتُعدّ القناة الموازية أحد المشاريع الإستراتيجية المنبثقة عن "رؤية 2023"، وهو التصوّر الذي اعتمده حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا كمخطط نهضوي على المدى المتوسط. وتسعى أنقرة مِن خلاله إلى أن تصبح ضمن قائمة الاقتصادات العشر الأقوى في العالم عام 2023، أي بمناسبة مرور مئة سنة على تأسيس الجمهورية الحديثة.

ويبدو أن ظاهرة حشر الضبّاط المتقاعدين أنفسهم في الشأن العام، منتهكين مبدأ "الحياد السياسي" وواجب التحفّظ الذي تفرضه أعراف وتقاليد المؤسسات العسكرية، هي ظاهرة عابرة للحدود. فمنذ سنة 2018، تعيش إسبانيا على وقع ظاهرة إصدار العسكريين المتقاعدين بيانات سياسية، فيما اُعتبر سابقة في تاريخ الديمقراطية الحديثة بالبلاد. وكشفت الصحافة عن محادثات بين كبار جنرالات الجيش السابقين يؤيدون فيها صراحة نموذج الدولة الدكتاتورية التي أرساها فرانكو. وكان الضبّاط السامون السابقون قد أمضوا شهوراً في تبادل الرسائل التي تحدثوا فيها عن تمرّد عسكري، معتبرين أنه "قد لا يكون أمامهم من خيار سوى البدء في تصفية 26 مليوناً من خصومهم اليساريين".

أردوغان: أكملنا إلى حد كبير استعداداتنا لشق قناة إسطنبول التي تعتبر من أكبر مشاريع البنية التحتية وأكثرها استراتيجية في بلادنا (AA)

وبعد نشر مضمون الرسائل المتبادلة بين القادة العسكريين المتقاعدين، كشف المقدّم في سلاح الجو الإسباني السابق، خوسي إغناثيو دومينغيث، أنّ العسكريين السابقين كانوا يخططون لزيارة الملك فيليب السادس للتعبير عن مخاوفهم من مشاريع وقوانين أقرّتها الحكومة المنتخبة ديمقراطياً من ملايين الإسبان، تماماً كما اُنتخب أردوغان وحزب العدالة والتنمية من ملايين الأتراك. وبعد رفض الملك استقبالهم خشية إظهاره كالمعارض لتوجّه الحكومة، نشر الجنرالات السابقون، في 10 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي خطاباً موقّعاً من 72 منهم، يعبّرون فيه عن قلقهم مما وصفوه بـ"تدهور الأمة التي أقسمنا في يوم مِن الأيام على الدفاع عنها". ونددت وزيرة الدفاع بالخطوة، متهمة إياهم بوضع الملك في وضع "معقد وحرج"، أمام المؤسسات المنتخبة ديمقراطياً والرأي العام.

ولم يتأخر رد العسكريين النّشِطين والمتقاعدين والاحتياطيين الذين تبرّأوا من الرسالة معتبرين أنها لا تمثلهم وهي بعيدة عن تقاليد الحياة العسكرية التي تلزم أفرادها بواجب التحفظ المهني وعدم الخوض في الشؤون السياسية.

وما أشبه ما حدث في تركيا بما وقع في إسبانيا، فقد اتّخذت الحكومة التركية نفس الخطوات التي سبقتها إليها نظيرتها الإسبانية، أي التنديد السياسي بتدخل العسكريين المتقاعدين في الشأن السياسي بالتوازي مع المسار القضائي لمتابعتهم. وأبلغت وزارة الدفاع الإسبانية مكتب المدّعي العام فحوى المحادثات التي دارت بين الجنرالات المتقاعدين وبياناتهم، لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة ضدهم.

ووفقاً لتقرير نشره موقع "إسبانيا بالعربي" شهر يوليو/تموز الماضي، فقد حصد حزب اليمين المتطرف الإسباني "فوكس"، ما يزيد على 166 ألف صوت في الانتخابات العامّة الأخيرة في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، في القواعد العسكرية وثكنات قوى الأمن، وهو ما يؤشر إلى وجود توجّهات سياسية لدى بعض القادة العسكريين السابقين تتعارض مع مبادئ وقيم الديمقراطية التي قامت عليها الدولة ويحاولون فرضها بعد تقاعدهم من خلال تدخّلهم في الشأن العام.

وسواء في تركيا أو إسبانيا، يحاول العسكريون المتقاعدون خلق معارضة سياسية موازية للحكومات المنتخبة ديمقراطياً خارج إطار المؤسسات المتعارف عليها. فالمعارضة تكون في البرلمان وهي مُشكّلة مِن الأحزاب التي صوّت لها المواطنون. لكنّ الغرابة في حالة الـ104 من جنرالات البحرية التركية السابقين هو معارضتهم لمشروع له من الآثار الإيجابية والعائدات المالية على بلدهم ما لا يُمكن حصره أو عدّه. أين الوطنية إذن؟

TRT عربي
الأكثر تداولاً