تمكن الرئيس التونسي قيس سعيد من كسب تأييد فئة كبيرة من الشعب منذ الإعلان عن إجراءاته الاستثنائية يوم 25 يوليو/تموز المنقضي، برفع شعار مكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين أو المافيا كما يشاء دائماً تسميتها.

مع كل خطاب يتوجه به الرئيس التونسي قيس سعيد إلى الشعب، يثار الجدل واسعاً لدى الأوساط التونسية، وتختلف التأويلات وتتباين، حول الإشارات والرسائل الحقيقية التي يودّ سعيد إيصالها.

وخلال استقباله مؤخراً عدداً من أساتذة القانون في القصر الرئاسي بقرطاج، يوم الثلاثاء 14 سبتمبر/أيلول الجاري، جدّد قيس سعيد دعوته إلى مساندة جهود الدولة لمحاربة دوائر الفساد ودعاة العودة إلى الوراء، على حد تعبيره، دون أن يفصح على خارطة طريق واضحة في ذلك.

وبينما تتجاوز فترة ترقُّب الإعلان عن تركيبة الحكومة الجديدة ورئيسها 50 يوماً، منذ تعليقه عمل البرلمان ورفع الحصانة عن نوابه وإقالة رئيس الحكومة هشام المشيشي، وفي الوقت الذي يغيب فيه أي إجراء حقيقي أو إنجاز رسمي، في إطار محاربة الفساد التي يلوّح بها سعيد مراراً وتكراراً، يتساءل الجميع عن حقيقة هذه الجهات التي يلفها الغموض في تصريحات سعيد، ومن يقف وراءها، وعما إذا كانت إرادة المحاسبة الفعلية حقيقية، أم هي مجرد شعارات.

مافيا تحكم تونس؟

تتفق جميع الأطراف في تونس على حقيقة انتشار الفساد ومدى تغلغله في عدة مؤسسات وفي مفاصل الدولة كافة، وذلك طوال عقود. وفي حين فشلت الحكومات المتعاقبة في تونس منذ ثورة يناير 2011، في التعاطي مع هذا الملف لتثير به سخطاً شعبياً تنامت حدته في الفترة الأخيرة، تَمكَّن قيس سعيد من استثمار هذا الفشل، وغازل الجماهير الغاضبة والمحتجة بتوعُّد الفاسدين بالمحاسبة والملاحقة الأمنية، ليكسب بذلك تأييداً شعبياً، لتسلُّمه السلطة التشريعية والتنفيذية بمقتضى تأويل فصل دستوري.

وفي وقت سابق، بالتحديد قبل فترة قصيرة من الإعلان عن قرارات 25 يوليو/تموز، أصدر الرئيس التونسي قراراً بإخلاء هيأة مكافحة الفساد وتطويق وحدات الأمن لها، وأقال أنور بن حسن كاتب عام الهيأة، بلا أي توضيح، متوعداً بملاحقة سارقي أموال الشعب ومحاسبتهم، على حد تعبيره.

ورغم تواتر التصريحات التي تتوعد الفاسدين بالمحاسبة، فإنه لم يكشف عن حقيقة هذه الجهات إلى اليوم، ولم يعرض في الوقت ذاته على الدوائر القضائية إلا جزءاً بسيطاً من هذه الملفات.

وفي الإجابة عن سؤاله عن حقيقة المافيا أو عصابات الفساد التي يقصدها الرئيس التونسي في تصريحاته، يقول الإعلامي زياد المزغني في تصريح لـTRT عربي إن "حديث قيس سعيد عن المافيا يشبه كثيراً تصريحاته السابقة عن وجود مؤامرات في غرف مظلمة، ووصفه المستمرّ معارضيه بالخونة والعملاء. والرئيس التونسي لا يتردد دائماً في استعمال معجم إنشائي بمصطلحات حربية، للتوجُّه إلى معارضيه، كتهديده لهم بمواجهته الحديد بالحديد، وامتلاكه صواريخ يستعد لإطلاقها في أي لحظة، وغيرها".

وأضاف المزغني: "لقد وصف قيس سعيد، عدداً من معارضيه سابقاً، بخاصة الأطراف السياسية التي عارضت انقلابه، بأنها عصابات لصوص وقطاع طرق، كما وصف جزءاً من رجال الأعمال، بخاصة الذين يعملون في قطاع التغذية، بأنهم يشرفون على مسالك لتجويع الشعب، وتوعدهم بالمحاسبة".

كيف واجه سعيد الفساد؟

يعيش الشعب التونسي على وقع أزمة اقتصادية واجتماعية حادة، لم تتمكن المؤسسات الحكومية والأطراف السياسية من احتوائها طوال عقد منذ تاريخ اندلاع الثورة.

وبينما يرى خبراء ومحللون أن العوامل التي تقف وراء هذه الأزمة عديدة ومن بينها الصراع بين مكونات المشهد السياسي والخلاف الحاد بين مؤسسات الحكم الذي كان سمة الفترة الماضية، فإن كثيرين يحملون المسؤولية في الوقت ذاته بدرجة كبيرة لانتشار الفساد والعجز عن محاربته، وإفلات المتورطين فيه من العقاب، حتى بات ناشطون ومحللون يفسرون ذلك ويتفقون على تواطؤ النخب السياسية مع الفاسدين والتعاون معهم والتغطية عليهم. فساهم ذلك في تنامي سخط الشارع التونسي وغضبه، ومطالبته بضرورة فتح ملفات الفساد في أقرب وقت.

ورغم أن الرئيس التونسي تَوعَّد مراراً بملاحقة الفاسدين وعدم إتاحة الفرصة لعصابات المافيا بالحكم في تونس، فإنه لم يحقق على أرض الواقع أي منجز أو إجراء حقيقي، وفق ما يراه خبراء ومحللون، ليطرح بذلك السؤال عما إذا كان الفساد مستشرياً في الدولة كما يصوره الرئيس التونسي.

وفي هذا السياق يقول المزغني إن "الجميع يعلم أن الفساد موجود ومتحالف مع السلطة منذ عقود. وقد أصبح مستشرياً خلال السنوات العشر الماضية، في عدد من المؤسسات بخاصة الاقتصادية. وقد تمكن الفساد من الاستفادة من مناخ عدم الاستقرار، وحالة ضعف الدولة خلال السنوات القليلة الماضية.

وفي معرض سؤاله عن الإجراءات التي اتخذها سعيد للحد من سلطة الأسماء المتورطة في قضايا الفساد، وعن الملفات التي أحيلت إلى القضاء، يجيب المزغني: "لا شيء، فقط عطّل الرئيس التونسي مؤسسات الدولة ليديرها في حالة فراغ، لأنه بلا خطة واضحة لحكم البلاد. هو مجرد حديث عن محاربة الفساد بلا محاكمة للفاسدين".

TRT عربي