من جديد، يبدو أن العلاقات الثنائية بين المغرب والجزائر تتجه نحو التوتر والتصعيد، رغم أنها بالأساس لم تشهد استقراراً حقيقياً منذ فترة طويلة، وقد أجج ذلك مؤخراً اتهام الجزائر المغرب بدعم حركة إرهابية تقف وراء افتعال الحرائق الأخيرة.

رغم ما أبدته مؤخراً بعض المؤشرات من إمكانية خفض حدة التصعيد والتوتر بين البلدين الشقيقين، وجلوسهما من جديد على طاولة التحاور والمفاوضات للتباحث في سبل تعزيز التعاون والشراكة، وذلك بناء على الدعوة التي وجهها العاهل المغربي محمد السادس لإعادة ترميم العلاقات وفتح الحدود، فإن بعض الملفات حالت دون ذلك وجعلت المصالحة تكاد تكون مستحيلة، وفق ما أشار إليه محللون.

وبعد أن كان يتركز جوهر الخلاف بين البلدين على ملف قضية الصحراء وتصريحات السفير المغربي "المسيئة إلى الجزائر" التي لم تتلق بشأنها توضيحات إلى حد الآن، إضافة إلى تطبيع المغرب العلاقات مع إسرائيل وتتخذ في ذلك الجزائر موقفاً ثابتاً ومناهضاً، تطفو مجدداً أزمة أخرى تضع مستقبل العلاقات بين البلدين على المحك، وهي قضية افتعال الحرائق التي تسببت في كارثة إنسانية كبيرة للجزائر، واتهم فيها المجلس الأعلى للأمن وعلى رأسه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، المغرب والاحتلال الإسرائيلي بدعم حركة الماك التي صنفتها الجزائر مؤخراً حركة إرهابية، و تدعي السلطات الجزائرية أنها تقف وراء الجرائم التي تهدف إلى زعزعة الأمن والاستقرار، وأُخراها الحرائق التي نشبت في الغابات.

اتهام "الماك" بافتعال الحرائق

اجتاحت الحرائق منذ بداية شهر أغسطس/آب الجاري الغابات الواقعة في شمال الجزائر والتهمت آلاف الهكتارات، وأسفرت عن مقتل عشرات الأشخاص من مدنيين وعسكريين تجندوا لإخماد النيران. وتواصلت جهود فرق الإنقاذ الجزائرية بالتعاون مع سكان المناطق المتضررة والمجاورة، لتتمكن أخيراً من إعلان السيطرة على الحرائق، وقد تلقت في ذلك الدعم من منظمات ودول أجنبية استجابت لنداءات الاستغاثة الجزائرية، ووفرت لها اللوجستيات اللازمة لمكافحة النيران.

وفي الأثناء أكدت الجهات الرسمية والحكومية وجود أطراف وأيادٍ إجرامية تقف وراء افتعال الحرائق، وبناء على هذه الاتهامات أعلنت قوات الأمن في وقت سابق من هذا الشهر، عن إيقاف عشرات الأشخاص يشتبه بهم بالضلوع في هذه الجريمة.

وبينما يتم التحقيق في ملابسات القضية، يصدم الشارع الجزائري بمشاهد مروعة لإضرام النار في جسد الفنان والرسام الجزائري جمال بن إسماعيل، الذي قدم إلى ولاية تيزي وزو بمنطقة القبائل، متطوعاً لإخماد الحرائق فيها، واتهم زوراً بتسببه في اشتعال النيران بالمنطقة.

وكشفت التحقيقات بعد ذلك، أن أشخاصاً منضوين ضمن حركتين مصنفتين بالجزائر حركات إرهابية هم من يقفون وراء الحادثة بهدف إثارة الفوضى وزعزعة الأمن، وتعليقاً على الحادثة المريعة صرح الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قائلاً: "ليس عمل كل أبناء تيزي وزو أو الأربعاء ناث إيراثن، لا ينبغي أن نسقط في فخ المنظمتين الإرهابيتين اللتين تحاولان الاستثمار في هذه المسألة لضرب الوحدة الوطنية". ويتهم في ذلك تبون حركة "الماك" وحركة "رشاد" بالتورط في مقتل الشاب جمال وافتعال الحرائق بالجزائر، وأكد ذلك في ما بعد عقب ترؤسه اجتماعاً استثنائياً للمجلس الأعلى للأمن.

ومن جانبها نفت حركة استقلال منطقة القبائل المعارضة "الماك" مسؤوليتها في ذلك، كحركة سلمية، فقط الجزائر من تصنفها إرهابية. ودعت الحركة إلى ضرورة إجراء تحقيق دولي عادل في الحرائق التي اجتاحت الجزائر، وفي حادثة حرق الشاب إسماعيل.

وادعى في السياق ذاته المتحدث الرسمي باسم الحركة والمقيم حالياً بباريس بأن حادثة مقتل الشاب تعتبر مفبركة، تهدف في حقيقتها إلى تحويل الانتباه عن هذه الحرائق، لأن الجزائر أساساً رفضت لمدة يومين وثلاثة أيام المساعدة الدولية، على حد تعبيره.

وبينما تستمر الحركة في دحض التهم الموجهة إليها وتكثف في ذلك اتصالاتها مع منظمة العفو الدولية والاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي، تصر في المقابل الحكومة الجزائرية على اتهامها، وتوجه في الوقت ذاته أصابع الاتهام إلى عدة أطراف ومن بينها الجارة المغرب في دعمها. وتداعت لهذه التهم حملات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، تدعو إلى المحاسبة، وتتهم الماك بارتكاب أعمال إرهابية تهدد أمن ووحدة الجزائر.

حركة "الماك"

تعتبر الحركة من أجل تقرير المصير في منطقة القبائل "ماك" تنظيماً سياسياً أمازيغياً تأسس عام 2001، إثر أحداث الربيع الأسود الذي عُرف في تلك الفترة بأعمال عنف وشغب داخل القبائل.

وتطالب الحركة باستقلال منطقة القبائل عن الجمهورية الجزائرية، واتساقاً مع هذا المطلب أعلنت عام 2010 في باريس عن تشكيل حكومة مؤقتة لمنطقة القبائل، لتصدر نفسها على أنها المتحدثة الرسمية باسم الأقلية القبائلية.

وبالرجوع إلى السلطات الجزائرية، فقد عبرت عن رفضها لكل أشكال استقلال منطقة القبائل الناطقة باللغة الأمازيغية والواقعة في شمال شرق البلاد، واعتبرت بذلك هذه الحركة غير قانونية. وعقب اتهامها بعد ذلك بالتخطيط لأعمال إرهابية، وتفكيك خلايا انفصالية تنتمي إليها، صنفتها السلطات الجزائرية منظمة إرهابية في مايو/أيار الماضي، وذلك وفق إجراء أمني.

ومؤخراً وضعت الماك في مرمى اتهامات الجزائر بافتعال أعمال إرهابية، على خلفية إدانتها بافتعال الحرائق، ولكن الأهم في ذلك تلقيها الدعم من الجارة المغرب.

الجزائر تدين المغرب

عقب الاجتماع الاستثنائي للمجلس الأعلى للأمن والذي ترأسه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يوم الأربعاء 18 أغسطس/آب الجاري، لتقييم الأضرار والوضع العام إثر موجة الحرائق الأخيرة. أكد تبون ثبوت تورط حركة الماك بدرجة أولى إلى جانب حركة رشاد في افتعال الحرائق ومقتل الشاب الجزائري، واتهمت في هذه السياق الرباط بتقديم الدعم لهذه الحركة إلى جانب الاحتلال الإسرائيلي، استهدافاً لأمن الجزائر ووحدته. وبناء على هذه المعطيات قرر تبون إعادة النظر في العلاقات الثنائية بين البلدين ودعا إلى ضرورة تكثيف المراقبة على الحدود المغربية.

وبينما تدعي السلطات الجزائرية دعم المغرب للحركة المتهمة بالأفعال العدائية والإرهابية، تجدر الإشارة إلى أن العاهل المغربي محمد السادس "أعطى تعليماته السامية لوزيري الداخلية والشؤون الخارجية، من أجل التعبير لنظيريهما الجزائريين، عن استعداد المغرب لمساعدة الجزائر في مكافحة حرائق الغابات التي تشهدها العديد من مناطق البلاد". وذلك وفق ما جاء في بيان رسمي للخارجية المغربية. وعبر الشارع المغربي في السياق ذاته عن تضامنه مع الشعب الجزائري في أزمته، وحث السلطات على توفير الإمكانيات اللازمة في مواجهة الحرائق. إلا أن هذه المبادرة على غرار بقية المبادرات الأخيرة التي تهدف إلى إذابة حائط الجليد بين البلدين، لم تلق تجاوباً أو رداً من الجانب الجزائري.

وبالتالي يرى خبراء ومحللون أن هذه الملفات ستواصل في العصف بكل مبادرات الصلح ودعوات فتح الحدود بين البلدين المغلقة منذ سنوات، وتنذر بأزمة دبلوماسية متصاعدة بين الجارتين.

TRT عربي