على وقع أزمة دبلوماسية غير مسبوقة، تعيش فرنسا توترات ومشاحنات حادة خلال الفترة الأخيرة، مع عدد من البلدان والقوى العالمية الحليفة، ما قد يمهد لبداية دخولها في عزلة استراتيجية.

فجرت الأزمات الدبلوماسية المتلاحقة التي تعيش على وقعها فرنسا خلال الفترة الأخيرة، استقطاباً ثنائياً حاداً في الأوساط السياسية، بين أنصار توجهات السياسات الخارجية للرئيس الأسبق شارل ديغول الذي يعتبر كثيرون اليوم أن سياسات الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون متماهية معها، وبين من يطلق عليهم تسمية "الأطلسيون" وهم يمثلون أنصار خرائط التحالفات الإقليمية الحالية التي تنخرط فيها فرنسا منذ عقود، والمتمسكين بعضوية فرنسا في حلف شمال الأطلسي "الناتو".

وفي ظل الأجواء العاصفة المحيطة بعلاقات باريس مع عدد من دول العالم، التي كانت سبباً فيها بالأساس التخبطات الارتجالية في السياسات الخارجية التي أقدم عليها ماكرون، اعتقاداً منه بإعادة إحياء عقيدة ديغول الدبلوماسية، والعمل على بناء قوة إمبراطورية لفرنسا، يرى مراقبون ومحللون أنها بذلك ستنزلق نحو منحدر خطير سيساهم في عزلتها الاستراتيجية وسيقصيها عن ساحات التأثير الدولية في ظل المتغيرات الإقليمية والعالمية المتسارعة.

انتكاسات وإخفاقات دبلوماسية

بعد أن كان الفرنسيون يتغنون عقوداً طويلة بـ"عظمة فرنسا" ويعيشون على نسج هذا الخيال، على النهج الديغولي (نسبة لديغول)، يجدون أنفسهم اليوم إزاء حقيقة مؤلمة، وهي أن فرنسا بدأت في الواقع تفقد احترام حلفائها لها، وأصبحت مبعدة تدريجياً عن الساحة الدولية.

فبعد الإعلان في شهر سبتمبر/أيلول المنقضي، عن تحالف "أوكوس" الاستراتيجي بين كل من الولايات المتحدة وكندا وأستراليا، الذي انسحبت بموجبه أستراليا من الاتفاقية العسكرية والتجارية المبرمة مع فرنسا متسببة لها بخسائر فادحة، اعتبر مسؤولون فرنسيون ذلك "طعنة في الظهر" و"خيانة" لهم من حلفاء استراتيجيين يضمرون مساعي لإقصائها من ساحة الفعل السياسي الدولي.

فيما أدان معارضون سياسيون فرنسيون، ذلك باعتباره "إذلالاً علنياً لفرنسا واعتداء بالغ الخطورة على صورتها" و "ازدراء دبلوماسياً" لها.

وبينما احتد الخلاف مع الولايات المتحدة وأستراليا وبلغ ذروته، بالرغم من كل محاولات التهدئة التي بذلتها واشنطن، يتفجر خلاف قديم جديد مع بريطانيا. فقد ساهمت أزمة الغواصات في سكب المزيد من الوقود على نار الخلاف القديم بين باريس ولندن، الذي يتعلق بعدم سماح السلطات البريطانية للسفن والقوارب الفرنسية بالوصول إلى المياه الغنية بالأسماك في محيط جزيرة جيرسي، التابعة للمملكة المتحدة والقريبة من السواحل الفرنسية.

وتصاعدت منذ ذلك الحين حدة التوترات بين باريس و أقطاب "أوكوس" الثلاثة، بلغ حد التلويح بالانسحاب من القيادة العسكرية لحلف شمال الأطلسي "الناتو"، كما دعى الرئيس الفرنسي في المقابل إلى إيجاد بدائل عن ذلك وتعزيز بناء قوة دفاعية استراتيجية ذاتية لبلدان الاتحاد الأوروبي. ويرى في هذا السياق خبراء ومحللون أن ماكرون ربما قد يسعى في ذلك إلى اغتنام الفرصة وقيادة أوروبا.

وفيما يناقش الخبراء والمحللون فرضيات القرار الفرنسي، يتفق الجميع على أن موقف ماكرون من الناتو، ليس بالجديد إذ إنه وصف الحلف في عام 2019 بـ"الميت السريري" ليؤكد بذلك كثيرون، أن السياسات الخارجية للرئيس الفرنسي أصبحت تظهر بشكل واضح امتداداً لعقيدة ديغول في السياسات الخارجية.

ولم تقف شرارات المشاحنات الدبلوماسية الفرنسية عند هذا الحد بل امتدت، إلى حدود الجزائر، التي احتجت معبرة عن غضبها من تصريحات الرئيس الفرنسي بعدم الاعتراف بوجود أمة جزائرية قبل حقبة الاستعمار، وتطور الخلاف إلى حد تبادل تصريحات ساخنة بين الجانبين وإغلاق الجزائر في الأثناء مجالها الجوي أمام الطائرات العسكرية الفرنسية المتجهة إلى الساحل الإفريقي.

ومن الجزائر إلى مالي، التي قررت في النهاية استبدال فرنسا الحليف الاستراتيجي التاريخي، والاستعاضة عنها بحلفاء إقليميين ودوليين آخرين، وذلك عقب الخلافات التي نشبت بينهما وتراشق التصريحات، إثر قرار القوات الفرنسية المشاركة في عملية برخان بالانسحاب.

وبينما تستمر باريس في نزيف الحلفاء، تواصل في سياساتها الهجومية والصدامية على كافة الجبهات، حتى مع الصين، التي حذرت مؤخراً فرنسا من هدم العلاقات بينهما ونقض التعاون والشراكة معها، وذلك على خلفية توجه نواب فرنسيين بقيادة وزير الدفاع الفرنسي السابق في زيارة تضامنية إلى "تايوان" التي تعيش صراعات حادة مع بيكين.

ماكرون تحت عباءة ديغول

يرى خبراء ومحللون فرنسيون أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يسعى إلى إخفاء الفشل والعجز الذي لحقه في الأزمات الداخلية خلال فترة ولايته، بالاستلهام من عقيدة الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول مؤسس الجمهورية الخامسة التي تدعي عظمة فرنسا وتدعو إلى قيادتها أوروبا.

وبينما يتحرك ماكرون تحت ظل الجنرال ديغول، مغازلاً المعسكر اليميني ومستحضراً التاريخ لإحراز بعض المكاسب التي قد تخفف من متاعبه قبل السباق الانتخابي الذي تفصله عنه بضعة أشهر، يخطئ التسديد ويتسبب في خسارات متلاحقة لبلاده أدت إلى انحسار دورها في بعض المناطق الإقليمية وانكفاء أهميتها الاستراتيجية.

فلم تكن خلافاته مع بريطانيا إلا امتداداً لصراع تاريخي بين ديغول ورئيس الوزراء البريطاني السابق ونستون تشرشل، المتنافسين طويلاً على قيادة أوروبا، بعد نجاحهم في هزيمة النازيين خلال الحرب العالمية الثانية.

ومع اتجاه بريطانيا إلى مد جسور علاقات قوية مع الولايات المتحدة، خارج الاتحاد الأوروبي، اعتبر ديغول ذلك حينها، إدارة للظهر أمام الأوروبيين، في حين أنه كان يدعو في ذلك الوقت إلى الحد من التمدد والقوة الأمريكية. وتماهياً مع المبدأ نفسه يعود ماكرون إلى سياسة ديغول التي تحافظ على التحالف مع واشنطن دون الانضواء تحتها.

وتحت الغطاء ذاته، أي التخوف من الهيمنة الأمريكية، وتجنباً لمشاركة فرنسا في أي حرب محتملة بين القوى الدولية دون إرادة منها، قرر ديغول عام 1966 الانسحاب من الناتو مقتصراً على العضوية فقط واستمر ذلك إلى حدود عام 2004. ليعود التهديد مجدداً اليوم بالانسحاب تحت شعار القوة الفرنسية خارج "الناتو".

أما على صعيد بناء العلاقات الدبلوماسية وتعزيز الشراكات مع الصين، فقد اعتبرت الولايات المتحدة أن فرنسا تلعب دوراً مزدوجاً بين التحالف معها والتحالف مع خصيمتها الآسيوية ومنافستها العالمية، كما يسعى ماكرون اليوم إلى نسج شبكة تحالفات متعددة ومن بينها الصين، فقد كانت فرنسا أول دولة من المعسكر الغربي قد تجرأت عام 1964 في خضم الحرب الباردة، على الاعتراف بجمهورية الصين الشعبية التي كانت تعيش عزلة دبلوماسية، ليثير ذلك تحفظات وغضب واشنطن في ذلك الوقت.

ومن الحديث عن الاكتفاء الذاتي والاقتصاد الوطني إلى استعادة عظمة فرنسا على مذهب ديغول، يبدو أن ماكرون يغرق اليوم في عزلة استراتيجية بسبب الأزمات والصراعات متعددة الجبهات التي فتحها مع مجموعة من الدول والحلفاء الإقليميين.

TRT عربي