من طوكيو إلى برلين.. لمَ ارتفع الإنفاق العسكري وما يعنيه ذلك لصناع السلاح؟ / صورة: Reuters (Reuters)
تابعنا

يضع انفجار النزاع المسلح في أوكرانيا، وارتفاع منسوب التوتر شرق القارة الآسيوية، بزيادة تهديدات ترسانة أسلحة كوريا الشمالية ومساعي بكين إلى ضم تايوان، دول حلف الشمال الأطلسي أمام حتمية الاستجابة لكل هذه التحديات الاستراتيجية. ذلك بتوجيه الاهتمام لتسليح جيوشها، وهو ما يفسر الانفجار الذي يعرفه الإنفاق العسكري في دول مثل اليابان وألمانيا.

بالمقابل، ومن منظور اقتصادي صرف، تهدد هذه النزاعات المتزايدة سلاسل توريد الصناعات الدفاعية. ما يضع شركات السلاح أمام معادلة صعبة، طرفاها الأساسيان هما؛ أولاً ضرورة تلبية هذا الطلب العالمي المتزايد، وثانياً تخطي اضطراب سلاسل التوريد بالمواد الخام والرقائق الإلكترونية.

اليابان.. انفجار الإنفاق العسكري!

تواجه اليابان تحديان استراتيجيان أساسيان، هما؛ تزايد تهديدات كوريا الشمالية واحتمال نشوب نزاع مسلح في تايوان. وكثفت بيونغ يونغ مؤخراً من مناوراتها واختباراتها الصاروخية، كما انتقلت إلى اختبار قمر صناعي للتجسس. بينما تعتزم الصين تطويراً واسعاً لترسانتها النووية، لتبلغ 1500 رأس بحلول عام 2035.

كا ذلك يحتم على طوكيو إطلاق عملية إصلاح تاريخية لقدراتها الدفاعية، بما في ذلك تحديث تسليح وتجهيزات قواتها العسكرية. ووفقاً لمسؤولين يابانيين، شاركوا في المناقشات المتعلقة باستراتيجية الأمن القومي الجديدة، فإن البلاد تخطط للحصول على صواريخ "توماهوك" كروز من الولايات المتحدة ، وتطوير صواريخ كروز بعيدة المدى الخاصة بها، كما تعزيز الدفاعات الإلكترونية لمواجهة أي تهديدات سيبرانية محتملة.

وتستلزم هذه الخطط بدورها رصد اعتمادات مالية ضخمة على مدى السنوات الخمس المقبلة، حددها رئيس الوزراء فوميو كيشيدا بـ 317 مليار دولار، أي بزيادة قدرها 57% عن خطة الإنفاق العسكري التي تعتمدها البلاد حالياً. كما سيؤدي هذا أيضاً إلى رفع نفقات الدفاع السنوية إلى ما يقرب من 2% من الناتج المحلي الإجمالي.

وتفتح هذه النفقات باب معركة سياسية أمام حكومة كيشيدا، الذي ينوي بذلك تغير عقيدة عدم الإفراط في التسلح التي تبنتها البلاد منذ خروجها منهزمة من الحرب العالمية الثانية. وهو ما يؤكده تاكاو توشيكاوا، رئيس تحرير صحيفة "إنسايد لاين"، في حديثه لـ "فاينانشل تايمز" قائلاً: "لا يوجد تضامن داخل الحكومة أو الحزب الحاكم فيما يتعلق بهذه الزيادة الهائلة في الإنفاق الدفاعي".

ألمانيا.. ترهُّل العتاد وصعوبة الإصلاح

العامل المشترك بين كل من ألمانيا واليابان، أنهما تنهجان عقيدة متشككة حيال التسليح بعد الهزيمة في الحرب العالمية الثانية، يدفع بهما حلف الناتو إلى تخطيها وزيادة الإنفاق العسكري. هذا بالإضافة لأن البلدين يواجهان احتدام التوتر على مقربة من حدودهما؛ في حالة برلين هي الحرب في أوكرانيا.

ويضغط حلف الناتو لأن يرفع أعضاؤه إنفاقهم العسكري إلى 2% من الناتج الداخلي لكل دولة عضو. وهو ما وعدت بتحقيقه الحكومة الألمانية، شهر يونيو/حزيران الماضي، حين أعلن المستشار أولاف شولتز تأسيس صندوق خاص لزيادة الإنفاق الدفاعي بقيمة 100 مليار يورو لتحديث الجيش الألماني، في أفق الاستجابة لهدف الناتو بحلول 2023.

لكن مع مطلع ديسمبر/كانون الأول الجاري، أعلنت حكومة شولتز تخلفها عن الوفاء بتلك الوعود. حيث قلل الناطق الرسمي باسمها ستيفن هيبيستريت، من قدرة بلاده على تحقيق هدف الناتو بحلول السنة القادمة، قائلاً: "ليس من الواضح ما إذا كان هذا [الهدف] سيكون في عام 2023".

بالمقابل، تبرز حاجة الجيش الألماني الملحة للتحديث والإصلاح، عبر الترهل والنقص الواسعين اللذين تعرفهما ترسانته. ومع إعلان حزمة الـ" 100 مليار يورو"، لم تحولها الحكومة بعد إلى عقود تسليح، من أجل تغطية هذا النقص. ينضاف إليه استنزاف هذه الترسانة بإرسال المساعدات لأوكرانية، والتي لا يجري استبدالها.

وهو ما يؤكده رئيس اتحاد القوات المسلحة الألمانية أندريه فوستنر، في تصريجات لشبكة "ويلت" التلفزيونية بالقول: "الوزارة لا تزال في مرحلة التحليل. في الوقت الحالي، ما زلنا نفعل أشياء جيدة فيما يتعلق بالجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، والمهام التي ننفذها حالياً في مالي والعراق وغيرها لكننا نرسل معدات إلى أوكرانيا ولا نستبدلها. وحتى الـ100 مليار يورو (التي جرى رصدها لتطوير القدرات العسكرية) لم توقع بها عقود بعد، وهذه هي الحقيقة".

الولايات المتحدة.. مخاوف بشأن الترسانة الاستراتيجية؟

ووفقاً لمحللين، فإن العالم يعيش مفارقة اليوم، حيث أصبحت أمريكا في حاجة إلى قوتين مثل ألمانيا واليابان لتقفا إلى جانبها في معاركها الإستراتيجية الكبرى في شرق آسيا وأوروبا. ذلك بعد أن كان البلدان يعتمدان بشكل كلي تقريباً على أمريكا للدفاع عنهما. وهو ما يفسر ضغط حلف شمال الأطلسي نحو تحقيق أهدافه للإنفاق العسكري.

من جهة أخرى، فإن الولايات المتحدة نفسها تعيش مخاوف بشأن نقص قد يكون أصاب ترسانتها، نظراً لتزويد أوكرنيا بالسلاح دون تعويضه في المخازن. وحسب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، فإنه في معظم الحالات تكون الكميات الممنوحة لأوكرانيا صغيرة نسبياً مقارنة بالمخزونات الأمريكية وقدرات الإنتاج. ومع ذلك فإن بعض المخزونات الأمريكية وصلت إلى الحد الأدنى من المستويات المطلوبة لخطط الحرب والتدريب.

وحسب تقرير سابق نشره موقع CNBC يبلغ مستوى الإنتاج الطبيعي لقذائف المدفعية لمدفع هاوتزر عيار 155 ملم، وهو سلاح مدفعي ثقيل طويل المدى يُستخدم حالياً بساحات القتال في أوكرانيا، نحو 30 ألف طلقة سنوياً في وقت السلم، علماً بأنها نفس الكمية التي يستخدمها الجنود الأوكرانيين في غضون أسبوعين تقريباً.

هذه المخاوف التي تشمل أيضاً مخزونات الذخائر التي تحتاج الولايات المتحدة إلى الاحتفاظ بها لدعم خطط الحرب التي قد تكون صراعاً مع الصين على تايوان أو في بحر الصين الجنوبي أو ربما مع كوريا الشمالية، وفق تقديرات مراقبين.

وهو ما أشار له جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي في إدارة بايدن، يوم الجمعة، قائلاً بأن: الحرب في أوكرانيا كشفت عن أوجه قصور في القاعدة الصناعية العسكرية في البلاد والتي يجب معالجتها لضمان أن تكون الولايات المتحدة قادرة على دعم أوكرانيا. وأن تكون قادراً أيضاً على التعامل مع حالات الطوارئ في أماكن أخرى من العالم ".

ويتوجه الكونجرس الأمريكي، خلال الأسبوع المقبل، نحو المصادقة النهائية على الميزانية العسكرية للسنة المالية الجارية، والتي من المتوقع أن تصل إلى حوالي 858 مليار دولار، أي بزيادة 45 ميليار دولار عن ما طلبه سابقاً الرئيس جو بايدن.

معادلة صناعة الدفاع الصعبة

وتشمل أهداف الميزانية الجديدة للبنتاغون، وفق صحيفة "نيويورك تايمز"، زيادة بنسبة 55% في تمويل الجيش لشراء ترسانة صاروخية جديدة، وزيادة بنسبة 47% في مشتريات سلاح البحرية. وهو ما سيُحدث طفرة في مداخيل متعهدي الصناعات العسكرية الأمريكيين، وبشكل أعم مصنعي الدفاع في العالم.

هذا بالإضافة إلى 678 مليون دولار لتوسيع مصانع الذخيرة في مناطق مثل سكرانتون بنسلفانيا وميدلتاون آيوا وكينغسبورت بولاية تينيسي، "حيث يعمل المتعهدون مع الجيش لتعويض الذخيرة التي أحرقتها أطقم المدفعية الأوكرانية بمعدل ينذر بالخطر" وفق الصحيفة الأمريكية.

غير أنه مع هذه الطفرة، يوجد رهان صعب يترصد مصنعي السلاح في العالم، عنوانه البارز هو مدى قدرتها على الرفع من وتيرة الإنتاج للاستجابة لهذه الطلب المتزايد والمستعجل. وهو ما يؤكده غريغوري هايز، الرئيس التنفيذي لشركة "راثيون" الأمريكية، بقوله: "لقد استهلكنا من مضادات جافلين ما نحتاج من أجل تصنيعه إلى ست سنوات (...) لذلك سوف يستغرق منا الأمر سنوات للتجديد وإعادة التخزين".

من ناحية أخرى، وحسب تقرير معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام "سيبري"، فبالرغم من أن التحديات الاستراتيجية التي يشهدها العالم وما تخلقه من ارتفاع الطلب على الصناعات الدفاعية، فهي تضع أيضاً هذه الصناعات أمام أزمة اضطراب سلاسل التوريد.

ويشير التقرير، إلى أن الحرب في أوكرانيا "وضعت شركات صناعة الأسلحة أمام تحديات في سلاسل التوريد"، ذلك نظراً إلى كون روسيا أحد الموردين الرئيسيين للمواد الخام لهذه الصناعة، وبالتالي، فإن هذا الأمر "قد يعيق الجهود الجارية في الولايات المتحدة وأوروبا لتعزيز قواتهما المسلحة وتجديد مخزوناتهما".


TRT عربي