العلاقات بين تركيا وباكستان وصلت غلى أفضل درجات التعاون في السنوات الأخيرة (Others)

في السنوات الأخيرة، ومع ازدياد النفوذ التركي في العديد من القضايا الإقليمية والدولية واصطفاف باكستان بجانب تركيا في العديد من هذه الملفات، وتزامناً مع التطورات التي طرأت على العلاقات بين البلدين التي وصلت إلى مستوى العلاقات الاستراتيجية، بالإضافة إلى برامج الصناعات الدفاعية المشتركة بين أنقرة وإسلام أباد وتبنيهما لقضايا العالم الإسلامي، انتهجت الدول الغربية وعلى رأسها أمريكا أساليب غير تقليدية لكبح جماح تقدم البلدين.

أحدث هذه الأساليب هو ما أطلق عليه "سلاح الهجرة الجماعية"، بحسب تحليل الباحث السياسي أندريه كوريبكو نشرته صحيفة (The Express Tribune) الباكستانية في 7 أغسطس/آب الجاري، والذي تساءل عمَّا إذا كانت الولايات المتحدة تستخدم "أسلحة الهجرة الجماعية" ضد باكستان وتركيا. ويشير الباحث إلى أن أمريكا لجأت إلى استخدام موجات الهجرة الجماعية من أفغانستان للضغط على تركيا وباكستان، وذلك بهدف إعادة ضبط سياساتهما الخارجية الأخيرة التي يفسرها البعض على أنها غير مواتية لأمريكا.

ومؤخراً قوبل تصريح الخارجية الأمريكية الذي جاء فيه أن الولايات المتحدة ستقوم بمعالجة طلبات إعادة التوطين الأفغانية فقط من دول ثالثة بمعارضة من باكستان وتركيا اللتين تشعران بالقلق من أن هذا سوف يشجع على تدفق لا يمكن السيطرة عليه للاجئين عبر حدودهما. كلا البلدين يصران على أن تقوم الولايات المتحدة إما بمعالجة مثل هذه التطبيقات من داخل أفغانستان نفسها، وإما بالعمل بشكل استباقي على تشكيل الظروف لضمان سلامتهم في الوطن حتى لا يتعرضوا لضغوط للمغادرة في المقام الأول.

أسلحة الهجرة الجماعية

يُشير مصطلح "أسلحة الهجرة الجماعية" إلى ما يمكن وصفه بالاستخدام القسري لأزمة الهجرة المفتعلة عمداً، والدور الاستراتيجي الذي يمكن أن يُوظف به اللاجئون للإضرار بالأمن القومي واستهداف السيادة الوطنية للدول المستهدفة، من خلال التأثير على النسيج الاجتماعي وخلق أزمات داخلية تتفاقم مع مرور الزمن.

وفي هذا الصدد، يزعم الباحثون المرموقون في علوم السياسة والتاريخ، أن أنواعاً مختلفة من "الهجرات القسرية" جرى استخدامها تاريخياً لتحقيق أهداف مختلفة، لافتين إلى أنها قد حققت معدلات نجاحات متباينة منذ فترة الحرب العالمية الثانية.

وسواء كان ذلك مقصوداً أم لا، فإن الديناميكيات الناشئة عن الهجرة الجماعية تذكر بشكل مقنع بكتاب الباحثة كيلي جرينهيل حول "أسلحة الهجرة الجماعية". ويعتبر مفهوم "أسلحة الهجرة الجماعية" الذي ابتكرته جرينهيل مثيراً للجدل بين بعض الذين يعتقدون أنه يجرد الأشخاص من إنسانيتهم، ​​بينما يمتدحه آخرون لرؤيته البارعة في شرح العمليات المعقدة.

ويمكن تنفيذ وتفعيل استراتيجية "الهجرة القسرية" كسلاح فاعل من خلال خطوتين أساسيتين: الأولى تعتمد على خلق تهديدات مباشرة تستهدف الأفراد والجماعات في بلد ما بغرض توجيههم كموجات للاجئين للدولة المعني استهدافها، والثانية تتعلق بخلق نوع من الابتزاز السياسي المعزز بمعايير والتزامات القانون الدولي التي تفرض على الدول المستقبلة توفير الحماية للاجئين الفارين من العنف والاضطهاد والحرمان.

أنظمة دفاع غير إنسانية

إن ما يجعل الدفاع أمام "أسلحة الهجرة الجماعية" أمراً صعباً هو العنصر الإنساني الذي تعززه الصور والفيديوهات التي توثق معاناة اللاجئين. فالحكومات التي ترفض السماح للاجئين بدخول أراضيها بذرائع اجتماعية أو أمنية أو اقتصادية تخاطر بأن يتم وصفها بحكومات غير أخلاقية، ويرى البعض أنها تتعارض حتى مع مسؤولياتهم أمام القانون الدولي. الأمر الذي يلقي بالدول المستهدفة في معضلة يتم الضغط عليهم إما للخضوع لتدفقات المهاجرين التي قد لا يمكن السيطرة عليها، وإما مواجهة عواقب وخيمة للغاية على سمعتها.

كما أنه من الصعب إثبات أن المشتبه به مسؤول عن تحفيز مثل هذه الأزمات أو على الأقل تسهيلها، حيث يمكن للولايات المتحدة أن تدافع عن نفسها بسهولة من خلال الزعم أنه بسبب البراغماتية وسط الوضع الأمني ​​الصعب داخل أفغانستان، فإنها غير قادرة على معالجة طلبات إعادة التوطين داخل أفغانستان نفسها. ويمكنها أيضاً العزف على وتر الدور المنوط بالمجتمع الدولي لتوفير الأمان داخل حدود أفغانستان وتهيئة مناطق آمنة لهم هناك.

الحل الأكثر فعالية في هذه الحالات هو التعامل مع الأسباب السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية وراء أزمات المهاجرين هذه ومحاولة معالجتها، لكن هذا يتطلب تنسيقاً دولياً كبيراً وتقاسماً للمهام والأعباء، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتكاليف الأمنية والمالية المترتبة على ذلك. لكن الواقع غير ذلك تماماً، فمن السهل التحدث عن هذه الحلول دون إبداء أية نية حقيقية لتنفيذها بفعالية وكفاءة.

تركيا وباكستان في مرمى النيران الأمريكية

تشعر أنقرة وإسلام أباد بقلق بالغ إزاء مؤامرة الهجرة الجماعية المحتملة من أفغانستان التي افتعلتها الولايات المتحدة بشكل أساسي، لأن كلتيهما لم تعودا قادرتين على رعاية واستضافة المزيد من اللاجئين على أراضيهما. فبحسب الإحصائيات التي أصدرتها دائرة الهجرة التركية تستضيف تركيا 4 ملايين لاجئ على أراضيها، معظمهم سوريون، فيما يحل الأفغان بالمرتبة الثانية.

ويرى المحللون أن السبب الحقيقي وراء استهدف الولايات المتحدة لكل من تركيا وباكستان يكمن خلف المعارضة التي أبداها البلدان في السنوات الأخيرة إزاء سياسات الولايات المتحدة الامريكية، وأن استخدام الأخيرة لـ"سلاح الهجرة الجماعية" ما هو إلا عقاب لهما على محاولتهما المتزايدة للاستقلال بسياستيهما الخارجية والانحراف بعيداً عن المصالح الأمريكية.

في نهاية المقال، أكد كوريبكو أن أمريكا هي المسؤولة المباشرة عن تفجير أزمة اللاجئين الأخيرة بعد إعلانها الخروج من أفغانستان بشكل مفاجئ، وما لحقه من رفض معالجة طلبات إعادة التوطين من داخل أفغانستان. ولفت إلى أنه يجب على الدول الثلاث (تركيا وباكستان وإيران) الواقعة أمام مرمى النيران الأمريكية العمل بشكل أوثق لمواجهة هذا السلاح غير التقليدي.

TRT عربي