سفينة "بيوتر فيليكي" العسكرية الروسية التي تعمل بالطاقة النووية والغواصة النووية الروسية "ديمتري دونسكوي" (Elena Ignatyeva/AP)

قال نائب المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة السفير ديميتري بوليانسكي، إن أحداث السودان قد تكون "انتقالاً للسلطة"، فيما وصفتها الخارجية الروسية بأنّها "دليل على أزمة حادة وسياسة فاشلة".

وقال بوليانسكي في جلسة لمجلس الأمن: "لمَ نسمِّ ما حدث بالسودان انقلاباً عسكرياً؟ لماذا لا يكون انتقالاً للسلطة؟ لقد رأينا ذلك من قبل في السودان قبل عامين، عندما جرى التحرّك لعزل الرئيس السابق عمر البشير".

وأثار تصريح بوليانسكي تساؤل مراقبين حول دوافع موسكو في موقفها الذي يتضمّن دعماً غير مباشر لانقلابيي السودان، فيما اعتبره البعض "غزلاً" مقصوداً يعكس أجندة روسية تسعى لبناء علاقات متينة مع سلطة الخرطوم الجديدة.

ويكتسب هذا التحليل زخماً مع النظر إلى الدور الروسي المتعاظم في القارة السمراء، لا سيّما لمجموعة "فاغنر" الروسية ذات النشاط الملحوظ في دولٍ إفريقية من ضمنها السودان، علاوة على سعي موسكو الحثيث خلال الأشهر القليلة الماضية لتدشين قاعدة عسكرية بحرية على ساحل البحر الأحمر السوداني.

والثلاثاء جدّد أمين عامّ الأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إدانته القوية لـ"استحواذ العسكر بالقوّة على السلطة في السودان"، ودعا القوى الكبرى في مجلس الأمن الدولي إلى اتّخاذ موقف موحَّد رادع.

وحول موقف موسكو من دعوة غويتريش، قال بوليانسكي: "عادة يجب أن لا ينتقد الأمين العامّ أعضاء هذا المجلس، وأنا أتفهّم كلماته باعتباره قلقاً للغاية، مثلنا جميعاً، بشأن ما حدث في السودان".

نفوذ وفاعلية روسية في القارة الإفريقية

تتّسم سياسة موسكو تجاه القارة الإفريقية بدور متنامٍ وملحوظ خلال الأعوام الأخيرة.

وتلعب مجموعة "فاغنر" الروسية للتعهُّدات الأمنية دوراً بارزاً في تعاظم دور ونفوذ موسكو في القارة السمراء، لا سيّما في إفريقيا الوسطى ومالي وليبيا والسودان.

ورغم إنكار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لأن تكون مصالح المجموعة المسلَّحة تعكس مصالح الدولة الروسية، وتأكيده مراراً أنّ إدارته "ستتصرّف" إذا تضاربت أنشطة المجموعة مع مصالح موسكو، غير أنّ عديداً من التسريبات والتقارير الّتي أعدّها خبراء حول "فاغنر" تُفيد بعكس ذلك.

وتفيد التقارير بأنّه دائماً ما يتزامن وجود مجموعة من المرتزقة التابعين لفاغنر في دول تشهد اندلاع نزاعات خارج الحدود الروسية تسعى موسكو لحسمها لصالحها بُغية زيادة نفوذها فيها.

وارتبط اسم المجموعة بنزاعات في أوكرانيا وإفريقيا والشرق الأوسط، فيما بدأت تصدر التقارير بشأنها مع اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2014.

قاعدة البحر الأحمر العسكرية

تسعى موسكو على مدار تاريخها للنفاذ إلى موانٍ خارج أراضيها في ما يُطلق عليه "سياسة المياه الدافئة"، إذ لا تمتلك روسيا مواني كبرى تطلّ على بحار مفتوحة (ذات منفذ إلى المحطيات)، إلا على بحارها الشمالية التي تتجمّد لأشهر طويلة سنوياً بسبب برودة الطقس، مثل بحر البلطيق وبحر سيبيريا الشرقي.

وفي هذا الإطار تسعى روسيا منذ عدة أعوام لتدشين قاعدة بحرية عسكرية على الأراضي السودانية المطلّة على ساحل البحر الأحمر.

ويرجع مراقبون طرح تلك القاعدة الروسية إلى زيارة الرئيس السوداني المعزول عمر البشير لموسكو في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، وتوقيعه اتفاقيات تعاون عسكري مع روسيا تتعلّق بالتدريب وتبادل الخبرات ودخول السفن الحربية إلى مواني البلدين.

حينها أعلن البشير أنه ناقش مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ووزير دفاعه سيرغي شويغو، إقامة قاعدة عسكرية روسية على ساحل البحر الأحمر، وطلب تزويد بلاده بأسلحة دفاعية.

فيما صدّق بوتين في 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2020، على إنشاء قاعدة بحرية روسية في السودان قادرة على استيعاب سفن تعمل بالطاقة النووية.

ويقول أستاذ العلوم السياسية حاج حمد محمد خير، في حديثه لوكالة الأناضول، إنّ الحكومة الانتقالية في الخرطوم لم تكن تريد أن تغضب واشنطن، وهو ما ألقى بظلاله على المشروع الروسي، إذ ماطل الجانب السوداني في تنفيذ الاتفاقية متذرّعاً بعدم تصديق المجلس التشريعي في البلاد (البرلمان) عليها، وذلك للتملُّص من الضغوط الروسية بشأن بدء تنفيذ الاتفاق، وفق مراقبين.

وبيّن الأستاذ السوداني أنّ "الروس يرون أنّهم قدّموا خدمات للسودان طوال السنوات الماضية، ومن حقّهم أن ينالوا قاعدة لوجستية لصيانة قطعهم البحرية في البحر الأحمر".

ويرى مراقبون أنّ التحرّك العسكري الذي نفّذه المجلس العسكري السوداني بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان قد أحيا الآمال الروسية لتدشين القاعدة البحرية، وهو ما يفسّر الموقف الروسي المغاير في مجلس الأمن.

TRT عربي