على الرغم من الظروف التي يمر بها السودان خلال هذه الفترة، ينتظر المشاهد السوداني وجمهور السينما كثيراً للظفر بسهرة سينمائية مميزة.

نادي السينما السوداني الذي تأسس في الستينيات من القرن الماضي، أعلن مؤخراً عن جدولته لسهرات المشاهدة التي بدأت قبل أسبوع من قدوم شهر رمضان الفضيل لجمهور السينما في السودان، الذي يتوق إلى مواسم أنسها الجميل.

أربعة عروض سينمائية في ليلة كل سبت على سطح بناية مركز أمدرمان الثقافي، الذي يتوسط العاصمة الوطنية أمدرمان منارة النشاط الفني في السودان. موسم جديد وعروض جديدة أيضاً، والتي استمرت من الثالث من أبريل/نيسان حتى الرابع والعشرين منه، معلناً شراكة جديدة بعد توقف بسبب جائحة فيروس كورونا كوفيد 19. أشار السينمائي ناصر المك رئيس نادي السينما في تصريح لـTRT عربي إلى أنه "تاريخياً ارتبط أول عرض سينمائي في السودان بالخواجة لويزو في قهوته بالخرطوم، في أمسية السبت الأول من يونيو/حزيران سنة 1907، كما أورده السينمائي إبراهيم شداد في كتاب (كان يا ما كان)، ومنذ ذلك التاريخ عرف المشاهد السوداني الكثير من الأعمال العالمية وأحب نجوم السينما".

مشهد من الفيلم السوداني "ستموت في العشرين" (Others)

سينما الثورة في عروض النادي

ظل جمهور السينما السوداني يتزايد كل عام، لا سيما وسط الشباب الذين يشكل حضورهم الفعال في نادي السينما السوداني هذه الأيام ظاهرة جديرة بالاهتمام، وهذا الحضور يعبر من جانب آخر عن رغبتهم في صناعة السينما في بلد تشكل حضاراته وثقافاته رافداً ثرياً للمادة السينمائية، حتى إن غابت صناعتها ومدخلاتها فإن مشاهدتها تشكل منصة ودافعاً للانطلاق نحو الإنتاج القادم.

بدأ نادي السينما عروضه في الثالث من أبريل/نيسان 2021 بفيلم فيفا زاباتا لإيليا كازان، ثم عرض النادي معركة الجزائر للمخرج جينوبو نتيكورفور، وفيلم الليل للشبونة للمخرج بيلي أوغست، واختتمت عروض موسم النادي بفيلم الدكتاتور العظيم لشارلي تشابلن. يقول حمد النيل منسق برنامج المشاهدة في تصريحات لـTRT عربي: "إنهم اختاروا أفلاماً تتحدث عن ثورات في العالم مواكبة للحالة السودانية التي شهدت ثورة ديسمبر 2018، فجمهور النادي نوعي يجلس للمشاهدة، وينتظر حلقة النقاش التي تعقب المشاهدة، ليتحدث الجمهور ويتداخل المتخصصون في مجالات السينما من الحاضرين، وتتحول الأمسية ليس للمشاهدة والمتعة فحسب، وإنما لتثقيف جمهورها بالمعرفة السينمائية وتحليل أفلامها وصولاً إلى المعاني الكامنة وراء مشاهد الفيلم".

فيلم معركة الجزائر (Others)

جماهيرية العروض السينمائية

انطلق في السودان ما كان يُعرَف بالسينما المتجولة عام 1946 قبيل تأسيس وحدة أفلام السودان عام 1949، وكانت عبارة عن جهاز عرض سينمائي مثبت على شاحنة تجول القرى والأمصار، وتقدم عروضاً للجمهور الذي لم تكن قربه دور عرض سينمائي. إلا أن السينمائي الراحل كمال محمد إبراهيم يشير إلى أن "بعض رواد حركة التنوير السودانية قاموا بمشروع وطني لإنشاء دور للسينما في عدد من المدن السودانية، وبدعم من رجال الأعمال السودانيين أمثال البرير، وأبو العلا، وعبد المنعم محمد، وشروني وغيرهم الذين تنادوا عام 1943 ليضعوا اللبنة الأولى لشركة السينما السودانية، مدعومين من قبل الجمهور الذي قدم دعماً غير محدود للشركة الوليدة، تمثل في شراء أسهم الشركة فأصبحت أول شركة مساهمة عامة سودانية. ومع بداية الخمسينيات توسعت الشركة وتم إنشاء سينما الوطنية غرب، والوطنية جنوب، والوطنية بحرى، ثم أخيراً الوطنية بانت، وكان قد سبقهم في هذا المضمار الخواجة برميل الذي أنشأ سينما قديس والخواجة ليكوس الذي أنشأ سينما كولوزيوم، وكانت هذه الدور تعرض أفلاماً إنجليزية. أما سينما الجيش التي سُميت لاحقاً بسينما النيل الأزرق فكان لا يُسمَح للسودانيين بارتيادها.

جمهور السينما في السودان

عرف المشاهد السوداني تنوع مصادر الأفلام السينمائية التي يشاهدها، وقد شاهد منذ الخمسينيات العديد من الأفلام الأجنبية المتنوعة، وقد أتاحت مؤسسة الدولة للسينما العديد من أفلام الأوسكار والتي كانت تُعرَض فور إنتاجها لمواكبة مشاهدي السينما في السودان شباك السينما العالمى. يرى السينمائي عبادي محجوب في تصريح لـTRT عربي "أن انفتاح المشاهد السوداني على السينما العالمية ضروري لتوفير ثقافة سينمائية تمكنه من الاستفادة من المعاني والقيم والأسلوب الفني، ومن ناحية أخرى فإن هذه الظروف تساعد المنتج السينمائي على معرفة مزاج واهتمامات الجمهور السوداني المتنوع. ولكن يبقى ضرورة الإشارة إلى خصوصية هذا الجمهور الذي يرفض وفقاً لعاداته وتقاليده كل ما يخدش الحياء من مشاهد فاضحة أو موضوعات مبتذلة، شأنه شأن كل المجتمعات المحافظة في مشارق الأرض ومغاربها، وقد شكّل رفضه لمشاهد إباحية في الفيلم السوداني "ستموت في العشرين"، موقفاً عبّر عنه الجمهور السوداني عبر السوشيال ميديا، ممَّا أدى إلى عدول منتجيه عن إلغاء عروضه بالسودان رغم عرضه في عدد من الدول حوله، وفوز الفيلم بالعديد من الجوائز العالمية".

بحث عن هوية السينما السودانية

إن سؤال هوية السينما السودانية الآن بعد أن حققت السينما بعضاً من منجزاتها النوعية وليس الكمية، بطبيعة الضعف البائن من إيجاد فرص تمويل الأفلام، وتوافر مواعين دعم هذا الفن السينمائي، فإن هكذا سؤال ضروري لاستشراف مستقبل صناعة سينما في السودان تتوفر لها قراءة ماضيها ومستوعبة لتحدياتها الراهنة، ما يساهم في إيجاد مستقبل أفضل للسينما السودانية، في ظل ظهور الحاجة إلى هذا الفن والسعي الحثيث نحو بعث السينما في السودان من أجيال متعددة، يدخل الشباب ضمن هذه المنظومة الجديدة في محاولات بعث السينما في عصرها الجديد، والتي يرفد رغبتها وجود كليات وجامعات تدرس فن السينما على رأسها كلية الموسيقى والدراما عبر قسم الراديو والتيلفزيون، التي يعمل خريجوها الآن بكل القنوات التليفزيونية بالسودان، وهنا تبرز معطيات يمكن تتبعها وقراءة أهميتها في البعث الجديد، فظهور الورش السينمائية والمهرجانات وإنتاجات سينما الشباب، وظهور مواعين مؤسسية للسينما، وتحرك نشاطات المؤسسات القائمة أصلاً يعد كله عوامل ومعطيات جديدة لبعث السينما السودانية، على الرغم من الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد، والتي قد تجعل من الإنتاج السينمائي ألَّا يشكل أولوية حالية، بيد أنه تبقى ليالي مشاهدتها إحدى منصات انطلاقتها الجديدة.

TRT عربي