أتى على القضية الفلسطينية ردح من الزمن كانت فيه كل المؤشرات الوطنية والإقليمية والدولية تعطي الانطباع بأنها انتهت أو في طريقها إلى ذلك. وأن الوقت كفيل بإرساء وضع نهائي تكون فيه القضية قد سوّيت بالكامل.

جُلُّ الأمر كان يجري باتجاه خيارات وإجراءات لحسم المعركة في الوجدان والوعي الفلسطينيين على نحو يقبل أصحاب الأرض قبل غيرهم بالأمر الواقع. وكانت كل الجهود الدولية والإقليمية تدفع نحو وضع لا يبقى فيه أمام الفلسطينيين ومناصري قضيتهم سوى الإذعان والقبول.

عوامل عديدة كانت ترجّح هذا المآل، فالجبهة الداخلية السياسية للفلسطينيين تشكو منذ عقود تفككا وضعفاً وانقساماً بسبب اختلاف التقديرات السياسية وما ترتب عن ذلك من تباين في الخيارات التي انتهجتها بعض القوى الرئيسية في علاقة بالكيان الإسرائيلي بلغت أقداراً خطيرة من التماهي معه. وكانت اتفاقية أوسلو أبرز الخطوات في هذا الاتجاه. وقد عمّق الدعم الأمريكي المتزايد للدولة العبرية اختلال التوازن السياسي ولم يترك للفلسطينيين، منذ ضعف السند العربي الرسمي وتقهقره بسبب ما طرأ على المنطقة من أحداث منذ حربي الخليج الأولى والثانية حتى اندلاع الأحداث في كل من اليمن وسوريا والعراق وتونس وليبيا والسودان ...، لم يترك لهم هامشاً كبيراً للفعل. كما كانت صفقة القرن التي اجتهدت الإدارة الأمريكية السابقة في إقناع بعض الدول العربية الوازنة بها وتنفيذها آخر تلك المبادرات التي اخترقت الموقف العربي من القضية وأضعفت الموقف الفلسطيني.

وقد فاقمت موجة التطبيع العربي الأخيرة الأزمة وجرّدت الفلسطينيين من عناصر القوة السياسية الإقليمية وضيّقت مساحة المناورة وقلّصت من فرص التحرك لديهم حتّى بدت الساحة جرداء من عناصر العزم.

غير أن الخيال يكلّ عن التصور ولا يتوقف الصمود الفلسطيني عن العطاء. منجم من المفاجآت لا تستطيع مجسّات العالم التي تزخر بها مراكز البحث والدراسات الاستراتيجية أن تتوقّعها أو أن تستشرفها. ودرس في الممكن لا يتسع له ضيق العقل السياسي "الواقعي". فرغم الانقسام الداخلي بين الضفة والقطاع، ورغم ارتهان السلطة الفلسطينية وارتباطها بالتزامات خانقة مع سلطة الاحتلال الإسرائيلي، ينتفض المقدسيون بحرارة تتغذى من رصيد كبير من الرفض تراكَم عبر عقود طويلة. إنه رصيد يعود إلى سنوات الاحتلال الأولى، سنوات النكبة، وما إلى ذلك من صلة بالمعاني القاسية للتهجير. لم ينقطع الوعي ولا أحدث فيه طولُ السنوات ثغرةً، وإنما ظل الغضب موصولاً يعتمل ويتراكم حتى انفجر. فمن أهم المعاني التي تنطوي عليها أحداث القدس الأخيرة أنّ المراهنة على قتل القضية في قلوب الفلسطينيين هي عبث لا طائل من ورائه.

لم يَحُل الانقسام السياسي الفلسطيني دون اتحاد عموم الفلسطينيين. إنّ تحرّك فلسطينيي الداخل الواقعين تحت سلطة الاحتلال من جهة وحكم السلطة الفلسطينية من جهة أخرى يثبت وحدة النسيج الفلسطيني، رغم عوامل التهرئة التي طالته بسبب الاحتلال والانقسام. ولم تتأخر المقاومة الفلسطينية بكل فصائلها في غزة عن الاستجابة والدعم رغم الوضع الخانق الذي يعيشه القطاع. فمن أهم الدروس المستخلصة من هذه الحرب أن الوجدان الفلسطيني واحد وأن الهوية الفلسطينية منسجمة وموحّدة بتنوعها واختلافها الفكري والعقدي والسياسي.

التطبيعُ العربي لم يُوهِنْ عزمَ الفلسطينيين ولَم يفتّ في عضدهم. وجاءت تحركاتهم تنهل من رصيدهم النضالي الخاص وإيمانهم بعدالة قضيتهم.

القصف الذي نفذته المقاومة الفلسطينية لحصون العدوّ أحدث حالة من توازن الرعب رغم التفاوت الكبير في ميزان القوة العسكرية بين الطرفين. أما استهداف المدنيين والمباني العامة والمنشآت المدنية الذي تنفذه الآلة العسكرية الإسرائيلية فهو دليل تخبط. فردود الفعل العسكرية العنيفة التي تصدر عن الجيش الإسرائيلي إنما هي ترجمة لقرار سياسي يحكمه الرعب والقلق عن المستقبل. وصور الهلع التي تأتي من الأراضي المحتلة تبدّد أوهام الاستقرار والأمن التي ترددها سلطة الاحتلال.

وهناك فرق كبير بين من يقاتل وهو موطّن النفس على الأوضاع القصوى والاستثنائية وبين من يقاتل وهو يحدث نفسه بنعيم الأمن والاستقرار.

الآن تتوالى المعطيات بما لا يدع مجالاً للشك أن الكيان الصهيوني يبحث عن مخرج ما. وإذا كان من درس عسكري للمقاومة فهو المراهنة على الاقتدار الذاتي بابتكار حلول خاصة واستجماع وسائل قوة استثنائية تتناسب وحالة الحصار التي يعيشها الفلسطينيون.

امتناع الكيان الصهيوني عن الاجتياح البري وتردده في هذا القرار هو دليل على الشكّ الذي سرى في صفوفه. والشك وهنٌ منهك يخترق البنية النفسية والذهنية فينال من تماسكها وينخر الثقة بالنفس.

المعنى الآخر العميق لهذه الحرب هو أن القدس مدار الصراع. فهي تختزل كل القضية لما يتكثّف فيها من معاني حضارية ودينية واجتماعية توحّد كل الفلسطينيين والعرب والمسلمين وتتعالى بهم عن عواصف الخلافات السياسية والخلفيات الأيديولوجية والنزاعات العقائدية أو المذهبية.

وإذا كانت مجريات الأحداث السنوات التي أعقبت تكوين السلطة الفلسطينية في الضفة قد انحرفت بالأداء الفلسطيني العام عن القدس كبوصلة، فإن الوقائع الأخيرة قد أعادت النضال الفلسطيني إلى أهم إحداثياته على الإطلاق: القدس. ومن شأن هذه العودة أن تحرك طاقة الدفع الحضاري الكامنة والتي ظلّت معطلة بالكامل او لا تشتغل بكل قواها.

إن إعادة القدس إلى واجهة الحدث تعني أن العنوان الأساسي للصراع هو العمق الحضاري للعرب والمسلمين. فالأيديولوجيا التي قامت عليها دولة الاحتلال ليست سياسية، بقدر ما هي عقائدية تضرب بجذورها في في مسام النصّ الديني ودروب التاريخ البعيدة. وليست السياسة في الحقيقة سوى امتداد وترجمة لرؤية فكرية للوجود والإنسان. ولقد حرم العرب أنفسهم معينَ طاقة لا ينفد في المقاومة، ألا وهو البعد الحضاري، فاختزلوا القضية في مجرد احتلال، على فظاعته، وأهملوا روح التحدي وأصله. وفي كل مرة تنضب فيها عيون السياسة العربية ويكف الخيال عن التصور ويشحّ الحل، يفتح الانخراط العفوي والمتأصل لدى الفلسطيني الأفقَ من جديد، ويجد هذا التحرك صدًى في وجدان كل العرب والمسلمين وأحرار العالم. فتتحول القضية من شغل شعب إلى همّ أمة.

الصورة جندي وذخيرة. ومفعولها في التأثير في العقول لا يقل عن مفعول الرصاص وتأثيره في الأجساد والأشياء. وقد انتصر الفلسطينيون في معركة الصورة والخطاب الإعلامي الذي رافقها. وليس التعاطف الجماهيري العالمي الذي خرجت فيه الشعوب منتصرة للفلسطينيين سوى ثمرة من ثمار ذلك الأداء. ففضلاً عن عدالة القضية فإن الحضور الإعلامي وما صاحب ذلك من تسويق جيد للصورة ساهم في إذكاء الحس الإنساني وإيقاظ الضمير العالمي وكشف غطرسة الاحتلال وهمجيته.

وتأتي هذه الهبّة الفلسطينية في سياق من تحولات دولية سِمتها تعدد مراكز التأثير وتراجع النفوذ الأمريكي والأوروبي في العالم عموماً وفي المنطقة خصوصاً. المفاوضات بين الولايات المتحدة وطالبان، انسحاب القوات الأمريكية من عدد من مناطق الصراع، تراجع الدور الفرنسي في إفريقيا، ثورات الربيع العربي، الدور التركي المتنامي، الدور الصيني.. كل ذلك يترجم بداية انحسار الدور الغربي ولو بقدرٍ. ويؤثر سلباً في زخم الدعم الذي يلقاه كيان الاحتلال.

TRT عربي