تترقب الساحة السياسية في الجزائر إمكانية دخول تكتل الجمعيات المدنية "نداء الوطن" غمار الاستحقاق البرلماني القادم من عدمه.

الكثير من الأحزاب رأت في هذا التحالف الجمعوي المشكّل مؤخراً برعاية السلطة تكراراً لتجربة حزب التجمع الوطني الديمقراطي عام 1997، التي كانت مثالاً لتدخل الإدارة لتزوير عملية الاقتراع.

وتشكل الانتخابات التشريعية المقبلة امتحاناً هاماً للسلطة والأحزاب المعارضة المؤمنة بأهمية المشاركة في الانتخابات، بالنظر إلى الأوضاع السياسية التي تعيشها البلاد واستمرار مسيرات الحراك الشعبي الذي انطلق منذ 22 فبراير/شباط 2019، لذلك فإن أي محاولة لجعل "نداء الوطن" استنساخاً للتجمع الوطني الديمقراطي ستكون انعكاساتها سلبية على البرلمان القادم الذي لن يقدر على امتلاك الشرعية المأمولة.

تكتل جديد

في 6 مارس/آذار الجاري أعلنت أكثر من 100 جمعية ونقابة تأسيسها لمبادرة "نداء الوطن" التي ستقدم "إسهامات ومقترحات عملية في مواجهة التحديات الراهنة لتعزيز التماسك الاجتماعي والتضامن الوطني، وتأكيد التلاحم بين الشعب ومؤسسات الدولة، والوقوف في وجه المؤامرات المتوالية التي تستهدف المساس باستقرار البلاد والوحدة الوطنية"، حسب ما يروج له مؤسسو هذا التكتل الجمعوي.

وقال رئيس لقاء شباب الجزائر عبد المالك بن لعور عضو الهيئة التنسيقية لتكتل نداء الوطن في تصريح لـTRT عربي: "بعد تأسيس نداء الوطن فإن مئات الجمعيات أعلنت الانضمام إلى هذه المبادرة والمشاركة في الندوة الوطنية المرتقبة التي لم يتم تحديد موعدها بعد".

وأوضح بن لعور أن "نداء الوطن أُسس لتوحيد جهود المجتمع المدني حتى يكون له صيت وحضور قوي، وحتى يستطيع أن يجابه التحديات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي تواجهها البلاد، وحتى تكون له مساهمة قوية وفعالة في دفع عجلة التنمية في البلاد".

أما الكاتب الصحفي حكيم مسعودي فأوضح لـTRT عربي أن تأسيس مبادرة نداء الوطن يتعلق بـ"السياق العام للأحداث والتجاذبات التي تعيشها الجزائر منذ بداية الحراك، وخاصة منذ بداية إعادة بناء السلطة لأدواتها وتفعيل أجهزتها لإعادة بسط خريطة طريقها للخروج من أزمة الانسداد السياسي الذي أوقعت فيه نفسها".

رعاية رئاسية

لم يتردد الرئيس عبد المجيد تبون منذ وصوله إلى سدة الحكم في رئاسيات 12 ديسمبر/كانون الأول 2019 في الترويج لسياسة تفعيل نشاط المجتمع المدني، وجعله القاعدة الشعبية والسياسية التي يستند إليها ضد خصومه.

وفقدت الأحزاب السياسية تأثيرها وسط الجزائريين، وخصوصاً الشباب منهم، فقد كان لمنطق تهجين وتسطيح العمل السياسي الذي اعتمده نظام الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة انعكاس واضح على احتقار العمل الحزبي.

وعرفت مراسم إطلاق هذه المبادرة حضور نزيه برمضان مستشار الرئيس الجزائري المكلَّف بالحركة الجمعوية والجالية بالخارج، الذي قال: إن "الرئيس تبون يثمّن مثل هذه المبادرات التي تخدم مصلحة المجتمع المدني والشباب".

قال نزيه برمضان مستشار الرئيس الجزائري المكلَّف بالحركة الجمعوية والجالية بالخارج أن "الرئيس تبون يثمّن مثل هذه المبادرات التي تخدم مصلحة المجتمع المدني والشباب". (Others)

ولم يفاجئ هذا الموقف المتابعين، بالنظر إلى أن كل خطوات الرئيس تبون في المجال السياسي تصب كلها في تفعيل دور المجتمع المدني، بدءاً بالتعديلات الدستورية التي أجراها، ونصت على إنشاء المرصد الوطني للمجتمع المدني، وتخصيص 6 مواد في الدستور تتحدث عن دور الجمعيات وأهميتها في بناء الدولة الجزائرية.

وتنتظر السلطة أن تشكل الجمعيات الداعمة لتبون الأغلبية الرئاسية في البرلمان المقبل في حال فوزها بعدد كبير من المقاعد، وهو ما يسمح للرئيس الجزائري بتعيين الوزير الأول، لا أن تكون هذه المهمة من نصيب الأغلبية البرلمانية، وفق ما ينص عليه الدستور الجزائري الجديد.

غير أن الكاتب الصحفي الصديق يحياوي يعتبر أن الاعتماد على المجتمع المدني لدعم الرئيس تبون شبيه بالمراهنة على "حصان خاسر".

وأوضح يحياوي لـTRT عربي أن الاستنجاد بالمجتمع المدني جاء "لتعويض الافتقار إلى قاعدة سياسية بسبب فقدان الأحزاب التقليدية الداعمة للسلطة أي تأثير على الشارع أمام بروز ظاهرة الحراك الشعبي"، مضيفاً أن إقحام المجتمع المدني في السياسة "سيبرز زبونية جديدة لا يمكن التعويل عليها في أي مشروع سياسي صادق إن وجِد، لأنه مرتبط بالانتهازية والمصلحة المادية".

"الأرندي" في صورة جديدة؟

لم تستسغ معظم الأحزاب الجزائرية تأسيس تكتل "نداء الوطن" في هذا الظرف الذي يسبق الانتخابات، معتبرة أنه تكرار لتجربة حزب التجمع الوطني الديمقراطي "الأرندي" الذي يقبع أمينه العام أحمد أويحيى اليوم في السجن بتهم فساد.

وقال عبد الرزاق مقري رئيس حركة مجتمع السلم أكبر حزب إسلامي معارض في البلاد: إن "الممارسات المتكررة في التسخير السياسي لبعض منظمات المجتمع المدني، خصوصاً على مقربة من الانتخابات، ومحاولات تشكيل قوى ومبادرات جديدة بتشجيع من أطراف تتكلم باسم الدولة، مركزياً ومحلياً، هي ممارسة مكشوفة تذكرنا بأجواء سابقة معروفة العواقب، حيث ستفرز مرة أخرى فقاعات من الزبونية والسلوكيات الطفيلية والانتهازية التي لم ينفع البلد نظيراتها في وقت سابق، والمضرة بالعملية السياسية، والمنفرة من الانتخابات، والخطيرة على حاضر ومستقبل البلاد".

لكن نزيه برمضان مستشار الرئيس تبون نفى هذه التهمة، وقال في تصريح للإذاعة الجزائرية الحكومية إن مبادرة تكتل "نداء الوطن ليست لجنة مساندة ولا تشبه المبادرات السابقة كما تم ترويجه، بل يقودها أشخاص لهم مصداقية".

وبدوره يؤكد عبد المالك بن لعور لـTRT عربي أن "نداء الوطن ليس تكراراً لأي تجربة، إنما هو محاولة لقطع العلاقة مع كل التجارب الفاشلة والتي أوصلت البلد إلى ما نحن عليه اليوم".

غير أن أستاذ العلوم السياسية بجامعة ورقلة مسلم بابا عربي غير مقتنع بهذه الفكرة التي تقدمها السلطة، وبدا متأكداً في حديثه مع TRT عربي أن "نداء الوطن هو نسخة مكررة لتجربة التجمع الوطني الديمقراطي، باعتبار أن السلطة الحالية فاقدة للسند السياسي، وهي تبحث عن سند لها من خلال مكونات المجتمع المدني".

وبدوره يعتقد الكاتب الصحفي الصديق يحياوي أن "السلطة الفعلية أثبتت محدودية الخيال باستخدامها في كل مرة الوسائل نفسها، فهي تستنسخ تجربة الاستناد إلى جمعيات المجتمع المدني التي تمخض عنها ميلاد حزب التجمع الوطني الديمقراطي، وقبلها جمع الجمعيات في المجلس الانتقالي غداة توقيف المسار الانتخابي لتعويض الفراغ الذي تركه حل البرلمان عام 1992".

رهان الانتخابات

وأوضح يحياوي أن الإعلان عن تأسيس "نداء الوطن" في هذا الوقت مرتبط بالأساس بالاستحقاق الانتخابي المقبل.

ويؤكد عبد المالك بن لعور لـTRT عربي أن تكتل "نداء الوطن معني بالمشاركة في الانتخابات التشريعية المقبلة، حتى إن لم يتم حتى الآن تحديد الشكل الذي سيخوضون به معترك الاستحقاق البرلماني".

لكن يحياوي بدا رافضاً لدخول المجتمع المدني ميدان السياسي، ويوضح لـTRT عربي قائلاً: "باستقراء التجارب السابقة لا يمكن للمجتمع المدني أن يعوّض عن الأحزاب السياسية الحقيقية، لأنه لم يُنشأ لممارسة السياسية، كما لا يمكن ممارسة السياسة من دون سياسيين، فالأزمة التي نعيشها في الوقت الراهن هي نتيجة لعدم الانتباه إلى خطأ تفكيك المنظومة الحزبية في سبيل الإبقاء على سيطرة آنية للنظام".

وعلى الرغم من أن مبادرة نداء الوطن أعطت صورة بأن لا تحمل الانتخابات المقبلة جديداً، فإن أستاذ العلوم السياسية مسلم بابا عربي يقول لـTRT عربي: إنه "على الرغم من الكثير من الاختلالات التي شابت مسار الإعداد للانتخابات المقبلة، فإنه مع ذلك من الممكن الذهاب إلى انتخابات مفتوحة نسبياً في حال لم توضع عراقيل أمام المترشِّحين، ولم يتم اللجوء إلى التوظيف الانتقائي لنصوص قانون الانتخابات".

ومهما اختلفت الأحكام بشأن الأهداف المرجوّة من تأسيس تكتل "نداء الوطن" فإن الأيام المقبلة التي تسبق انتخابات 12 يونيو/حزيران المقبلة كفيلة برفع اللبس عن كل ما يتصل بهذا التحالف الجمعوي الجديد، والفصل إن كان نداء الوطن الجزائري سيكون شبيهاً بتجربة "نداء تونس" أو تجارب عربية أخرى ارتبطت أسماؤها بالوطن وحمايته في عدة دول.

TRT عربي