تسعى إسرائيل منذ الأزل إلى تحقيق مطامعها في منطقة الشرق الأوسط وذلك بمختلف الطرق والوسائل التفاوضية والقتالية.

شهد أغسطس/آب العام الماضي موجة صاخبة من احتفالات التطبيع الجديدة، كان أبرزها تطبيع دولة الإمارات العربية العلاقات مع إسرائيل وذلك بعد محادثات استمرت 18 شهراً، لتكون بذلك الإمارات ثالث دولة عربية بعد مصر والأردن تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل.

في السادس والعشرين من مارس/آذار من عام 1979 تم توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في قمة تاريخية بكامب ديفيد، بين الرئيس المصري الراحل أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي حينها مناحيم بيغن، لتغير هذه الاتفاقية وجه العلاقات الدبلوماسية والعسكرية في الشرق الأوسط.

وربما الصدفة هنا تكمن بأن يشهد التاريخ ذاته في أكتوبر/تشرين الأول عام 1994 توقيع إعلان الأردن لمعاهدة سلام مع إسرائيل، في حفل كبير أقيم في وادي عربة شمال إيلات الإسرائيلية بالقرب من الحدود الأردنية، وذلك في عهد العاهل الأردني السابق الملك حسين والرئيس الأمريكي آنذاك بيل كلينتون.

عهد جديد

تعتبر إسرائيل بلا شك أن أي اتفاقية سلام في المنطقة العربية عهد جديد للسلام، وكان ذلك ما تحدث به مؤخراً رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن أي اتفاق سلام تم مع إسرائيل بالمنطقة يضاف إلى سجل السلام التاريخي الذي تسعى إلى استثماره وتحقيقه في المنطقة، بهدف جلب استثمارات سياسية واقتصادية تضاف إليها.

واستكمالاً لتطورات موجة التطبيع التي شهدتها المنطقة العربية مؤخراً، وقعت كل من البحرين وإسرائيل في سبتمبر/أيلول العام الماضي على اتفاق تاريخي لإقامة علاقات كاملة بينهما، ولم يكن بالقرار المفاجئ بل كان خطوة متوقعة بعد أن سبقتهما الإمارات في ذلك.

المحلل السياسي والمختص بالشأن الإسرائيلي د.هاني البسوس أكد في تصريح له لـTRT عربي أن الدول العربية التي طبعت مع الاحتلال مؤخراً تعرضت لضغوط من الولايات المتحدة.

وفي السياق ذاته قال البسوس: "إن ما تسعى إليه أمريكا وإسرائيل هو صناعة حلف جديد بالمنطقة، يميزه العلاقة المتينة مع الاحتلال تحت جناح أمريكا، ويلبي حاجات إسرائيل كدولة احتلال".

وتابع حديثه: "تسعى إسرائيل لأن يكون لها وجود قوي ومقبول لدى الدول الإقليمية، كما تحاول أن تكون متنفذة اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، بالتالي هذا التطبيع يخلق نوعاً من هذه الأجواء الجديدة متمثلة في العلاقات السياسية والاقتصادية ضمن حلف تضمه أمريكا لتنفيذ سياستها بالمنطقة".

وحول وجود هدف مشترك لمختلف هذه الأطراف تجاه خطوة التطبيع، يجيب البسوس قائلاً: "نعم هناك هدف مشترك متمثل في تكوين حلف إقليمي جديد، فالدول المطبعة مع إسرائيل تدور في فلك واحد يوازي فلك القوة الإقليمية التركية والقوة الإقليمية الإيرانية في المنطقة".

هدايا التطبيع

فبعد البحرين سارع السودان إلى تطبيع العلاقات مع دولة الاحتلال الإسرائيلي لاستئناف العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية وغيرها من المجالات، وهنا تجدر الإشارة إلى الزيارة الأولى التي قام بها وزير الاستخبارات الإسرائيلي إيلي كوهين إلى السودان، والتي أكد من خلالها رغبة القيادتين في تعزيز العلاقات الدبلوماسية الكاملة بينهما، متوقعاً أن تتطور العلاقات إلى تبادل سفارات في الربيع القادم.

ولم تنتهِ الزيارة إلى هذا الحد بل كشف كوهين عن هديته للسودان والمتمثلة في سلال تحتوي على خضراوات وفواكه من المزارع الإسرائيلية في القدس، وبالمقابل منحه وزير الدفاع السوداني بندقية «إم 16».

تعتبر إسرائيل أن ما يحدث من تطبيع في العلاقات مع الدول العربية إنجاز حقيقي يضاف إلى الإسرائيليين، فنتنياهو مؤمن بالاستراتيجية التي وصفت لأول مرة في عشرينيات القرن الماضي بـ"الجدار الحديدي"، والتي تركز على أن القوة الإسرائيلية ستجعل العرب في النهاية يدركون أن خيارهم الوحيد هو الاعتراف بوجودها.

كما أن سعي إسرائيل إلى التطبيع مع الدول العربية يكشف حقيقة أن الإسرائيليين لا يحبون العزلة في الشرق الأوسط، ما يجعل جهودها في ضم مزيد من الدول العربية للتطبيع معها مستمرة.

وبالفعل هذا ما حدث بعد انضمام المغرب إلى قافلة الدول التي وقعت اتفاق تطبيع مع الاحتلال، ليشمل الاتفاق إعادة فتح مكاتب الاتصال في تل أبيب والرباط التي أغلقت في عام 2000 إثر تراجع العلاقات بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية، وفتح سفارات في نهاية المطاف.

وكجزء من الاتفاق وافقت الولايات المتحدة على الاعتراف بسيادة المغرب على منطقة الصحراء الغربية المتنازع عليها، كما صرح مسؤولون أن المغرب سيسمح برحلات جوية مباشرة من وإلى إسرائيل لجميع الإسرائيليين.

ولا بد من الإشارة إلى أن الاتفاق المغربي الإسرائيلي كان آخر الاتفاقات التي أشرف عليها فريق الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب قبل تسليم السلطة إلى الإدارة الحالية بقيادة الرئيس الأمريكي المنتخب جون بايدن.

هل تطبع السعودية؟

ربما لن يكون اتفاق المغرب هو الاتفاق الأخير في المنطقة العربية، حيث تتجه الأنظار نحو الرياض، وذلك بعد أن كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، خلال تصريحات صحفية له نهاية العام الماضي، بأنه سيكون هناك مزيد من الدول التي ستطبع علاقاتها مع إسرائيل.

كما يرى مراقبون آخرون أن لإسرائيل مصلحة في تطبيع العلاقات مع المملكة العربية السعودية لأهميتها السياسية والاقتصادية والدينية في المنطقة العربية، مشيرين في الوقت ذاته إلى أن السعودية ستدرس أمرين في حال رغبت في الاتفاق مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، يتمثل الأول في استمرار وتوسيع اتفاقات إبراهيم وتحسين العلاقات بين إسرائيل والفلسطينيين.

كما أن السعودية ستقوم بدراسة مدى الاستعداد الإسرائيلي لاتخاذ خطوات جادة على أرض الواقع لدعم مسيرة السلام. ويرتبط التطبيع مع الرياض بالتغييرات الداخلية في المملكة التي تتعلقبتحسين مكانة إسرائيل في الرأي العام وبهوية الملك السعودي.

وفي السياق ذاته استبعد المختص الإسرائيلي هاني البسوس أن تشهد المرحلة المقبلة مزيداً من تطبيع الدول العربية مع إسرائيل وخاصة الرياض، قائلاً: "السعودية ليست بحاجة إلى التطبيع فعلاقاتها جيدة مع الاحتلال، فهي تسعى لأن تكون جزءاً من الاتفاق النووي برعاية أمريكية".

كما أشار في الوقت ذاته إلى أن الرياض لن تطبع مع الاحتلال كونها ليست معنية بتشويه صورتها الإقليمية والإسلامية، مؤكداً أن بعض الدول العربية تقيم علاقات جيدة مع إسرائيل تحت أسماء مختلفة مع الاحتلال سواء كانت سياسية واقتصادية.

وهنا يوافقه الرأي المختص بالشأن الإسرائيلي حاتم أبو زايدة بأنه لن يكون هناك دول أخرى مطبعة مع الاحتلال خلال الفترة القادمة ، قائلاً: "التطبيع يمثل استثماراً سيئاً من قبل نتنياهو للرئيس الأمريكي السابق ترمب".

وأكد أبو زايدة في حديثه لـTRT عربي أن التطبيع يعتبر هدفاً استراتيجياً منذ نشأة الاحتلال من أجل أن يصبح جزءاً لا يتجزأ من المنطقة، بل يسعى إلى الوصول إلى الهيمنة المركزية والإقليمية.

وبالنسبة إلى الدول العربية يرى المختص أبو زايدة أن أنظمتها هشة وضعيفة ، قائلاً: "الدول العربية المطبعة مع الاحتلال تخشى شعوبها وتحتاج إلى التعويض عن شرعيتها الداخلية المفقودة بشرعية خارجية من دول عظمى كالولايات المتحدة عبر البوابة الإسرائيلية".

وأكد أبو زايدة في الوقت ذاته أن إسرائيل وأمريكا لم تنحجا في خلق شرق أوسط جديد من خلال خطوة التطبيع، معللاً ذلك بأن دولة الاحتلال الإسرائيلي ستبقى عدوة للشعوب العربية، والتطبيع يقتصر فقط على الأنظمة والقلة من العرب.

وكانت مصادر متطابقة قد أفادت في 23 نوفمبر/تشرين الثاني، أن نتنياهو أجرى زيارة غير مسبوقة إلى السعودية وعقد محادثات سرية مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لكن وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان نفى ذلك.

موقف هزيل

الموقف الفلسطيني من ما يحدث جاء ضعيفاً صامتاً، حيث تناولت صحف عربية قرار السلطة الفلسطينية التخلي عن حقها في رئاسة مجلس جامعة الدول العربية في دورته الحالية، احتجاجاً على "فشل" الجامعة في إدانة التطبيع العربي الإسرائيلي.

كما تؤكد سلطة رام الله بعد كل اتفاق عربي مع إسرائيل أن ذلك سيزيد من غطرسة إسرائيل وتنكرها لحقوق الشعب الفلسطيني، هذا ما أكده بسام الصالحي عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية قائلاً: "أي خروج عربي عن مبادرة السلام العربية التي نصت على أن التطبيع يأتي بعد إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية أمر غير مقبول".

وهنا أكد المحلل السياسي البسوس ضعف الموقف الفلسطيني تجاه خطوة التطبيع العربي مع الاحتلال، قائلاً: "في البداية كان الموقف الفلسطيني جاداً وقوياً لكن بعد ذلك أصبح هزيلاً وسرعان ما تم التنازل، فالسلطة هي أول من طبع مع الاحتلال عام 1993 في اتفاقية أوسلو".

تقبلت السلطة كما يرى البسوس هذا الواقع مثلها مثل بقية الفصائل الفلسطينية التي خرجت ببيانات شجب واستنكار لا أكثر، ومن ثم بقي الواقع على حاله.

وشاركه الرأي المختص أبو زايدة الذي أكد أن الموقف الفلسطيني الرسمي مخزٍ كونه يمثل رأس حربة في التطبيع مع الاحتلال من خلال مواصلة التنسيق الأمني معه بالضفة المحتلة.

وتعتقد الإدارة الأمريكية وإسرائيل أن تطبيع العلاقات مع هذه الحكومات يساهم فى تحقيق السلام فى الشرق الأوسط، لكنه يعتبره كثيرون ادعاء خاطئاً لا سيما أن تحقيق السلام في المنطقة العربية مرتبط كلياً بدحر الاحتلال الإسرائيلي وليس بالتطبيع معه.

TRT عربي
الأكثر تداولاً