عظام خرجت من أحد القبور في المقبرة اليوسفية بعد نبشها من قبل الاحتلال (مواقع التواصل)

منذ عام 1948، شرع الاحتلال الإسرائيلي بمساعٍ لتغيير هوية الأراضي الفلسطينية ومعالمها وتسخير جميع القدرات في خدمة هذا المشروع.

وهدمت إسرائيل مئات القرى الفلسطينية، وهجّرت الشعب الفلسطيني من قرى أخرى حتى وصل عدد القرى المُهجرة في فلسطين إلى أكثر من 500 قرية، وفي حين أقامت إسرائيل مدناً وقرى يهودية جديدة على أنقاض القرى الفلسطينية، سعت أيضاً إلى تجريف المقابر وتغيير معالمها وإقامة البنايات فوق جثامين الفلسطينيين والمسلمين فيها، بخاصة في مدن يافا والقدس المحتلة.

وتستمر منذ ذلك الحين، السياسة الإسرائيلية الهادفة إلى الاستيلاء على مزيد من أراضي الفلسطينيين، والتضييق على من بقي منهم في أرضه، ولم تنته قصص عدد من المقابر التي لا تزال تسعى إلى نبش القبور فيها تارة، ومصادرتها لأغراض الاستيطان تارة أخرى.

وفي مدينة يافا يخوض الفلسطينيون معارك قضائية، وينظمون احتجاجات شعبية مستمرة ضد مساع إسرائيلية لمصادرة مقبرة "الإسعاف" الإسلامية التي جرّفت إسرائيل كثيراً من مساحتها حتى خرجت إلى العيان هياكل عظمية لفلسطينيين ومسلمين من عهود سابقة، بينما يخوض أهالي القدس على الجهة المقابلة معارك مشابهة، للحفاظ على ما تبقى من مقابرهم بعدما أقامت إسرائيل متحفاً وحديقة على أنقاض مقبرة مأمن الله التي تضم رفات شهداء وأعلام وعدد من صحابة الرسول.

وحتى اليوم لم تستقر الساحة في القدس وغيرها من المدن، في ظل استمرار المخططات الإسرائيلية للتضييق على سكانها فوق الأرض، وملاحقة موتاهم في باطنها أيضاً.

خلال الأيام الماضية أثارت صورٌ انتشرت من مقبرة "اليوسفية" الملاصقة للمسجد الأقصى المبارك جدلاً واسعاً، وهي صور لهياكل عظمية وأجزاء من هياكل إنسانية أخرِجت من القبور بفعل حفريات إسرائيلية هناك.

وجرفت السلطات الإسرائيلية قبراً في مقبرة الشهداء داخل مقبرة اليوسفية، حتى ظهرت عظام الشهداء ما أدى إلى تجمهر أهالي القدس في المكان، والذين وُوجهوا بقمع شديد من قبل قوات الأمن الإسرائيلية التي كانت توفر الحماية للجرافات.

ويفيد مجلس الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية، إلى أن مقبرة اليوسفية وامتدادها تعد أحد أهم وأبرز المقابر الإسلامية في مدينة القدس، وتعج برفات عموم أهل المدينة المقدسة وكبار العلماء، إلى جانب مئات الشهداء الذين استشهدوا منذ بداية الفتح العمري.

وتعمل بلدية الاحتلال الإسرائيلي منذ فترة طويلة على محاصرة المقبرة وإحاطتها بالمشاريع التهويدية والمسارات والحدائق التلمودية على امتداد السور الشرقي، وبمحاذاة المقبرة، بهدف إخفاء معالم الممرات والمواقع التاريخية الأصيلة المحيطة بالمقبرة.

وتبلغ مساحة المقبرة نحو أربعة دونمات، وهي الامتداد الشمالي لمقبرة اليوسفية البالغة مساحتها نحو 25 دونماً، والتي تعرضت للعديد من انتهاكات أذرع الاحتلال في الآونة الأخيرة، وتعد الطريق الملاصقة لسور القدس الشرقي من أملاك المقبرة التي تمتد من منطقة برج اللقلق شمالاً حتى باب الأسباط جنوباً.

وفي عام 2014 منع الاحتلال الدفن في جزئها الشمالي وأزال عشرين قبراً تعود إلى جنود أردنيين استشهدوا عام 1967 فيما يعرف بمقبرة الشهداء ونصب الجندي المجهول.

طمس المعالم

يقول المؤرخ البروفيسور مصطفى كبها إن "الحديث عن المقابر يندرج في إطار مساعي التغيير والمحو والطمس للمعالم العربية والإسلامية في أرض فلسطين".

ويضيف في حديث لـTRT عربي أن "ثمة نحو 600 مقبرة موجودة اليوم في حيز السيطرة الإسرائيلية، ويكاد لا يوجد مدينة في إسرائيل إلا أقيمت فوق جزء من مقبرة أو أثر عربي".

ويضرب كبها مثالاً "مقبرة عبد النبي في يافا التي أقيمت فوق أجزاء منها منطقة الفنادق، ومقبرة سلمة التي أقيمت فوقها قرية كفار شاليم، ومقبرة وادي حنين التي أٌقيمت فوقها بلدة نتتسيونا، ومقبرة المجدل الكبيرة التي هدم مؤخراً جدارها وجرّفت مساحات منها".

ويقول إن قضية المقابر تقع ضمن صلاحيات قانون أملاك الغائبين الإسرائيلي، أو ما يعرف بالمؤتمن على أملاك الغائبين والقيّم عليها، لكن "ثمة مسافات كبيرة بينه وبين كونه مؤتمناً عليها".

جرافة إٍسرائيلية اقتحمت المقبرة اليوسفية وجرفت قبر شهيد (موقع القسطل)

استباحة مقابر المسلمين

ويشير المؤرخ الفلسطيني إلى أن "هيئة الآثار" الإسرائيلية تتعاون مع الجهات التي تخطط وتهدم وتبني فوق المقابر على اعتبار أنها الجهة المخولة في منح تصاريح لذلك، "ويتم فعلياً منح تصاريح تصديق بشكل غير منهي ومستهجن".

ويقول: "عندما يدور الحديث عن مقابر تابعة لفترات غير عربية أو إسلامية لا تسمح هيئة الآثار الإسرائيلية بتجريفها، وثمة مثال على ذلك شارع رقم 6 الذي جرى تغيير مساره بسبب العثور على مقبرة كانوا يظنون أنها يهودية".

ويؤكد أن "مقابر ما قبل الإسلام في فلسطين، يجري التعامل معها بشكل أفضل بكثير من قبل السلطات الإسرائيلية".

ثمة نحو 600 مقبرة موجود اليوم في حيز السيطرة الإسرائيلية، ويكاد لا يوجد مدينة في إسرائيل إلا أقيمت فوق جزء من مقبرة أو أثر عربي

المؤرخ مصطقى كبها

استهداف الأموات للتضييق على الأحياء

بدوره، يقول رئيس لجنة إعمار المقابر الإسلامية في القدس مصطفى أبو زهرة إن "السلطات الإسرائيلية اعتدت قبل يومين على مقبرة الشهداء وهي تتمة للمقبرة اليوسفية"، مشيراً إلى أن ذلك كان أحدث اعتداء فقط، فيما تعرضت المقبرة لاعتداءات إسرائيلية كثيرة.

ويرى أبو زهرة في تصريح لـTRT عربي أن "السلطات الإسرائيلية لا تسعى فقط من خلال استهداف المقابر في القدس إلى طمس معالم المدينة، بل والتضييق على سكانها الفلسطينيين أصحابها".

ويشير إلى أن "الاحتلال يسعى إلى طمس معالم المقبرة اليوسفية ومقبرة باب الرحمة حتى لا يتبقى للعرب مكان يدفنون فيه موتاهم، ضمن سياسة التضييق والتهجير المستمرة التي تتبعها ضد أصحاب المدينة".

ويقول إن "ضياع المقبرة يعني بشكل أو بآخر طمس معلم مهم جداً من معالم مدينة القدس، فهي تحتوي على قبور شهداء بارزين، وفيها صرح شهداء حرب 1967 كما أنها ملاصقة للمسجد الأقصى المبارك".

ويلفت إلى أن محكمة إسرائيلية كانت قد أصدرت أمراً لمنع اقتحام المقبرة ونبش القبور فيها بعدما أثبتنا بالدلائل أنها مقبرة إسلامية، "لكن الأمر لم ينفذ وبقيت الجرافات تقتحم المقبرة وتنبش القبور".

ويقول إن "تركيا ساهمت إلى حد بعيد في ترميم مقابر مدينة القدس، وأقامت عبر الوكالة التركية للتعاون والتنسيق "تيكا" سوراً لمقبرة اليوسفية، وساعدت في ترميم مقبرة باب الرحمة، لكنها لم تنج من تضييق الاحتلال الذي أزال قبل فترة إحدى لافتات تيكا عن سور المقبرة".

اقتلاع أهل الأرض

من جانبه، يقول الباحث في شؤون القدس زياد ابحيص لـTRT عربي إن "الاحتلال إحلالي في جوهره، يسعى إلى اقتلاع أهل هذه الأرض بأجسادهم وهويتهم ولغتهم ودينهم ومقدساتهم، وهو يعتبر القدس مركزاً لإعلان هذه الهوية المصطنعة المفروضة على أرض فلسطين باعتبارها "أورشليم" العاصمة اليهودية للدولة اليهودية، والعدوان على المقابر يفهم في هذا السياق".

ويضيف "تاريخياً كانت البلدة القديمة هي بذاتها مدينة القدس، وكان أهلها على مر أجيالهم المتعاقبة يدفنون موتاهم على أطراف المدينة كما هي عادة البشر، وهذا أسس لوجود المقابر الإسلامية والمسيحية محيطة بها من كل الجهات دون وجود مقبرةٍ يهودية حتى العصور المتأخرة، لأن اليهود لم يكونوا من أهلها".

ويشير إلى أن "ما يعمل عليه الاحتلال اليوم هو طمس هذه الحقيقة التاريخية الماثلة على الأرض، وفرض الوهم المصطنع للهوية اليهودية للقدس في مكانها؛ ولذلك نراه يركز على طمس المقابر الإسلامية الموجودة على سور مدينة القدس، وتوسيع المقبرة اليهودية المستحدثة على جبل الزيتون والتي تأسست نهاية القرن التاسع عشر على أرض مستأجرة من الأوقاف الإسلامية".

ما يعمل عليه الاحتلال اليوم هو طمس هذه الحقيقة التاريخية الماثلة على الأرض، وفرض الوهم المصطنع للهوية اليهودية للقدس في مكانها

الباحث في شؤون القدس - زياد ابحيص

ويقول ابحيص "في هذا الإطار كان العدوان على مقبرة مأمن الله إلى الغرب من بلدة القدس القديمة مقابل باب الخليل، حيث قضم من مساحتها حتى الآن 160 دونماً من أصل 200 وهو ماضٍ في قضمها تدريجياً، ويستهدف مقبرة باب الرحمة الملاصقة لسور المسجد الأقصى من جهة الشرق، فمنع الدفن فيها، ثم حاول تقسيمها إلى مناطق بحواجز معدنية ليقلل من وجود أهل المدينة فيها، وليحاول قضم أطرافها باعتبارها حديقة طبيعية، وهو يتطلع إلى إزالتها من الوجود، فاليمين الصهيوني المتطرف يرى فيها عائقاً أمام عودة المسيح المخلص، لأنه سيدخل المدينة وفق تصوراتهم من هذا الباب، وهو لا يستطيع المرور فوق القبور حتى يبقى طاهراً، وبالتالي فإن وجود المقبرة عقبة أمام مجيئه وفق هذا المنطق الإحلالي المتطرف".

أما المقبرة اليوسفية، يضيف ابحيص "فهي موازية لمقبرة باب الرحمة من الشمال، وهي أكبر مقابر جوار البلدة القديمة وما زالت مفتوحة للدفن حتى الآن، وفي مدخلها الشمالي يوجد نصب تذكاري اسمه "صرح الشهيد" بني تخليداً لذكرى شهداء الجيش الاردني في القدس في حرب 1967، وهو النقطة التي تستهدفها سلطات الاحتلال بالتجريف اليوم زاعمة أنها ليس فيها قبور، حتى تحولها إلى حديقة ضمن مشروع تغيير وجه المدخل الشمالي للبلدة القديمة، لكن الحقيقة أن محيط الصرح مليء بالقبور وهذا ما تأكد بانكشاف عظام موتى المسلمين في العدوان الأخير على تلك الجهة من المقبرة".

TRT عربي