هل يكون الغاز المسال حلاً لأوروبا بدل الغاز الروسي؟       (Czarek Sokolowski/AP)
تابعنا

نفذت روسيا في النهاية تهديداتها للانتقام من العقوبات الغربية المفروضة عليها، وأعلنت بشكل مفاجئ قطع إمدادات الغاز عن بلغاريا وبولندا، البلدين الذين رفضا سداد ثمنه بالروبل الروسي.

وحذرت موسكو من أن جميع البلدان ستواجه نفس مصير البلدين الأوروبيين، إذا لم تدفع أيضاً ثمن الغاز الطبيعي بالروبل. وفي هذا الصدد قال المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، في إشارة إلى مرسوم وقعه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 31 مارس/آذار الماضي يطالب فيه بأن تكون مدفوعات الغاز بالروبل: "الدفع بالشكل المناسب سيكون الأساس لاستمرار الإمداد".

وتداعت الأسواق الأوروبية بسرعة للقرار الروسي، إذ شهدت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا ارتفاعاً كبيراً، فيما تراجع سعر اليورو. ويتوقع محللون أن تداعيات ذلك قد تستمر طويلاً، إذا ما لم تتوصل هذه البلدان إلى حلول سريعة، لتغطية العجز وتلبية حاجاتها من الغاز. وعلى ضوء ذلك أثير الجدل من جديد، حول إمكانية أن يكون الغاز المسال بديلاً آمناً للغاز الروسي.

الغاز الروسي.. سلاح سياسي واقتصادي

اهتزت الأسواق الأوروبية بعد أن أعلن عملاق الطاقة الروسي غازبروم بشكل مفاجئ قطع إمدادات الغاز عن كل من بلغاريا وبولندا بدءاً من يوم الأربعاء 27 أبريل/نيسان الجاري، لرفض البلدين سداد ثمنه بالعملة الروسية المحلية الروبل، مهدداً بأن يشمل القرار بقية البلدان أيضاً إذا لم تستجب لنفس الشروط.

ووفق ما كشفت عنه إحصائيات رسمية، فإن بولندا تستخدم حوالي 20 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً، تحصل على 9.9 مليار متر مكعب منه، أي ما يعدل النصف تقريباً، عبر خط أنابيب يامال القادم من روسيا، وتستخدم هذه الكميات من الغاز في الصناعة وللأغراض المحلية. أما بلغاريا فتستورد ما يقرب من 3 مليارات متر مكعب من الغاز الروسي سنوياً، أي حوالي 90% من استهلاكها.

وبالتالي فإن قرار وقف الإمدادات، يمثل ضربة قوية للبلدين اللذيْن يعتمدان بشكل كبير على الغاز الروسي، ولبقية البلدان الأوروبية التي تلبي روسيا في العادة 40% من احتياجاتها من الغاز الطبيعي.

وفي هذا السياق ذكرت صحيفة "فاينانشال تايمز" الأمريكية، أن أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا شهدت ارتفاعاً كبيراً بنحو 20% نتيجة للخطوة الروسية المفاجئة، ليصعد ذلك من حدة التوترات الإقليمية.

كما انخفض سعر اليورو بدوره إلى أدنى مستوى له في خمس سنوات مقابل الدولار الأمريكي.

دفع ذلك بلدان الاتحاد الأوروبي إلى الانقسام في موقفها، وقرر بعضها الموافقة على دفع ثمن الغاز الروسي بالروبل تنفيذا لقرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وسادت مخاوف عميقة هذه البلدان، التي لا تزال غير قادرة على تلبية احتياجاتها بالشكل المطلوب.

واتهمت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، من جانبها أيضاً، روسيا بمحاولة استخدام الغاز "أداة للابتزاز".

فيما اتهم ماتيوز موراويكي، رئيس وزراء بولندا، روسيا بـ"إمبريالية الغاز". وقال مسؤولون أوروبيون إن إمدادات الغاز أصبحت بالفعل "ألعوبة" في حسابات روسيا السياسية.

وبينما تبدو موسكو ماضية قدماً في استخدام الطاقة ورقة ضغط وانتقاماً من العقوبات الغربية، بدأ الجدل يدور لدى المسؤولين والمؤسسات الرسمية الأوروبية حول البدائل الآمنة للغاز الروسي. وفي هذا الصدد طرح النقاش مجدداً حول نجاح الغاز المسال في مجابهة هذه الأزمة.

الغاز المسال بديل آمن؟

يدرس مسؤولون ومختصون أوروبيون إمكانية استخدام الغاز المسال كبديل آمن عن الغاز الطبيعي الروسي. ويمثل الغاز المسال حوالي ربع الواردات الأوروبية من الغاز الطبيعي.

وتعتمد صناعة الغاز المسال على تحويله إلى سائل لتسهيل نقله، ثم يُحول إلى غاز مرة أخرى في محطات، عادة تكون قريبة من الساحل، قبل استخدامه في تدفئة وإنارة المنازل.

وصرح مسؤول كبير من مجموعة صناعة الغاز في أوروبا في 6 أبريل/نيسان الجاري، بأن أوروبا يمكن أن تنشر بنية تحتية جديدة لاستيراد الغاز الطبيعي المسال بسرعة أكثر بكثير مما كانت عليه في الماضي عندما تكون هناك "إرادة سياسية" لفعل ذلك.

فيما قال مختصون ومحللون، إنه في حال قطع إمدادات الغاز الروسي، تمتلك محطات الغاز الطبيعي المسال في أوروبا قدرات محدودة متاحة لاستيعاب إمدادات إضافية من الولايات المتحدة أو المنتجين الآخرين.

وأظهرت في السياق ذاته، بيانات مؤسسة "إنرجي إنتليجنس" العالمية المتخصصة بمعلومات الطاقة أن إسبانيا تمتلك أكبر القدرات في القارّة بـ6 محطات، لكن ألمانيا على سبيل المثال ليس لديها أيّ محطات. وعلى ضوء ذلك يشدد القادة الأوروبيون على ضرورة التضامن بين هذه البلدان لتوزيع عادل للغاز المسال وتجاوز أزمة الغاز الروسي.

وقد بدأت البلدان الأوروبية تسارع اليوم جميعها تقريبا لتأمين بنية تحتية جديدة لاستيراد الغاز الطبيعي المسال، في وقت قياسي.

وفي هذا الإطار قال مسؤول أوروبي: "ألمانيا وإيطاليا وفرنسا وبولندا واليونان وهولندا، يراهنون بأفضل أوراقهم على هذه البنية التحتية".

وأضاف المسؤول أن الأمر عادة ما يستغرق من ثلاث إلى خمس سنوات لبناء محطة للغاز الطبيعي المسال على الشاطئ. لكن في حال وجود "إرادة سياسية" يمكن تقليص هذا الإطار الزمني إلى النصف تقريباً.

وأشار المسؤول أن ألمانيا تخطط لنشر ثلاث وحدات FSRU لتخزين وتحويل الغاز المسال، في المستقبل القريب، بينما تخطط إيطاليا لتركيب وحدتين جديدتين هذا العام. كما وقعت هولندا اتفاقية لنشر وحدة FSRU هذا العام، فيما تأمل فرنسا وإستونيا ولاتفيا أيضاً في تحقيق مشاريع FSRU جديدة.

وتملك بولندا محطة غاز طبيعي مسال على بحر البلطيق، وتربط بين ألمانيا وجمهورية التشيك، بالإضافة إلى خط أنابيب جديد مع ليتوانيا. فيما تتطلع بلغاريا إلى إمدادات الغاز الطبيعي المسال المحتملة من اليونان وتركيا.

وتعتبر قطر والولايات المتحدة وأستراليا من أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال، وتتطلع البلدان الأوروبية إلى أن تزيد هذه البلدان قدراتها على تسييل الغاز وتصديره، في الوقت الذي تطور فيه بدورها محطات تخزينه للتخفيف من حدة الأزمة.

TRT عربي