بهدف إقصاء تركيا من الملفّ السوري سياسياً، تتحرّك السعودية من أجل إعادة تشكيل المعارضة السياسية السورية وفق رؤيتها.

في وقت تسعى فيه تركيا وحيدة لإنهاء معاناة نحو 4 ملايين مدني في منطقة إدلب، والضغط لوقف الحملة العسكرية المستمرة عليها منذ أكثر من أسبوع من قوات النظام السوري وحليفه الروسي، يلاحَظ غياب أي دور عربي داعم إلى جانبها بل على العكس تماماً، تحاول بعض الدول العربية إقصاء تركيا عن الملف السوري بشقه السياسي تحديداً.

وفي هذا الإطار ذكرت مصادر سياسية سورية معارضة، أن السعودية والإمارات وبالتماهي مع روسيا، تعمل على سحب البساط من تركيا والاستحواذ على الملف السياسي السوري، من خلال إعادة تشكيل "الهيئة العليا للمفاوضات السورية" بأسماء غير مرتبطة بتركيا من بوابة ما تُطلق عليها الرياض "الشخصيات المستقلة".

لو عدنا إلى مؤتمر الرياض 2 عام 2017 نجد أن تركيا لم تُشاوَر في الموضوع الذي طُبخ بما يخدم مصالح روسيا وخطتها وبما يخدم السعودية والإمارات.

خالد شهاب الدين، مستشار قانوني

وفي 23 ديسمبر/كانون الأول 2019، وجهت وزارة الخارجية السعودية رسالة إلى الهيئة العليا للمفاوضات، طالبتها فيها بعقد اجتماع لعدد من ممثلي المستقلين في المعارضة لانتخاب ممثليهم في أقرب فرصة ممكنة، متطلعة إلى تعاون الهيئة في ذلك ومشترطة أن يكون المرشح مستقلاً سياسياً يتمتع بالحيادية، يضاف إلى ذلك مراعاة التمثيل النسائي بما لا يقل عن 30%، وإتاحة الفرصة لمن لم تسبق مشاركتهم في مؤتمرَي الرياض 1و2، على أن يُعقد المؤتمر في الرياض يومي 27 و28 من الشهر ذاته.

وأثار ما تسعى إليه الرياض من بوابة المستقلين وتشكيل جسم سوري سياسي معارض تابع لها بامتياز، بخاصة بعد تسريب قائمة بأسماء من جرت دعوتهم إلى المؤتمر، الكثير من التساؤلات حتى بين المعارضين السوريين والمحسوبين على الثورة السورية أنفسهم.

وفي هذا الصدد، قال المستشار القانوني خالد شهاب الدين: "لو عدنا إلى مؤتمر الرياض 2 عام 2017، نجد أن تركيا لم تُشاوَر في الموضوع الذي طُبخ بما يخدم مصالح روسيا وخطتها وبما يخدم السعودية والإمارات".

وأضاف شهاب الدين في حديثه لـTRT عربي، أن "هدف السعودية والإمارات أبعد من السيطرة على الهيئة العليا للمفاوضات، ومن أجل ذلك أتوا بأشخاص مغمورين وليس لديهم أي تنسيق مع تركيا، من أجل تنفيذ أجندات معينة، لذا فإن الموضوع أكبر من مسألة الهيئة والاستحواذ على قراراتها، والسؤال هنا: لماذا يراد اليوم تغيير شخصيات الهيئة بأسماء مغمورة طالما كل شيء يسير وفق ما تحب روسيا والسعودية والإمارات؟".

هيئة التفاوض هي ابتداع سعودي الغاية منه تمييع الثورة السورية.

أحمد الهواس، كاتب وإعلامي سوري

وفي رد منه على سؤال حول الهدف الذي ترمي إليه السعودية من وراء ذلك، أوضح شهاب الدين أن "ما يجري اليوم هو صراع وتناحر من الإمارات والسعودية من طرف في مواجهة تركيا على الطرف الآخر، والهم الأكبر بالنسبة للأطراف الأولى هو عدم وجود أي شخصية على ارتباط بتركيا مهما كان حجمها، وأن تكون محسوبة على الرياض فقط".

وحذّر شهاب الدين من أنه "سيُعمَل على زج أسماء في صفوف الهيئة العليا للمفاوضات من المحسوبين على تنظيم PKK/PYD الإرهابي، بخاصة من فئة النساء، وهذا الأمر ترفضه وتعارضه تركيا بشدة".

وتتكون الهيئة العليا للمفاوضات السورية، من 36 عضواً، 8 من الائتلاف الوطني السوري، و4 من منصة القاهرة، و4 من منصة موسكو، و7 من الفصائل العسكرية، و5 عن هيئة التنسيق الوطني، يضاف إليهم 8 من الشخصيات المستقلة.

بدوره، رأى الكاتب والإعلامي السوري أحمد الهواس أن "هيئة التفاوض هي ابتداع سعودي، الغاية منه تمييع الثورة السورية، وإحياء نظام منعدم قانونياً وسياسياً، وجاءت من بلد يدّعي دعمه للثورة السورية وعلى رأس النظام الرحيلُ سلماً أو حرباً".

وأضاف الهواس لـTRT عربي، أن "فكرة التفاوض -الخاطئة في أساسها- تبلورت بشكل دولي بعد القبول بمقررات مؤتمر جنيف 1، لكنها انحدرت إلى إعادة إنتاج النظام، وأن معارضة ونظاماً شرعياً جاءا بعد الرياض 1 في نهايات 2015".

هدف الرياض من إعادة تشكيل الهيئة العليا للمفاوضات هو "تجفيف" منابع التأثير التركي على وفد الهيئة السورية للمفاوضات

معن طلاع، باحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية

ولم تكن الغاية من إنشاء هذه اللجنة المماحكة السياسية مع تركيا فقط، حسب الهواس، بل تحويل تلك اللجنة فيما بعد إلى طوق نجاة للنظام القاتل، وأن تبقى تحت ظل القرار السعودي وهيمنته، وأن يغير أعضاءها وفق المزاج السعودي بما يحقق ما بنيت وصنعت له.

إن التغيير الذي سيجري في رياض 3، من وجهة نظر الهواس، لن يتعدى أن تكون هيئة التنسيق التي شقت الصف الثوري منذ البداية، ومنصتا موسكو والقاهرة، هي الأدوات المسيطرة على المشهد، وستعمل على إعادة إنتاج النظام وإعطاء صك براءة للمجرمين بعد أن تساوي بين الضحية والجلاد، وأن النظام والمعارضة في مواجهة ما يسمى الإرهاب.

أما الباحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية معن طلاع، فاعتبر في حديثه لـTRT عربي، أن "الدوافع التي ساهمت في جعل الرياض تدفع لإعادة انتخاب قائمة جديدة من المستقلين المعارضين محصورة في أمرين، الأول مرتبط بحركية وفد المعارضة وضرورة إعادة تشكيله بما ينسجم مع سياسة القفز المتّبعة في قرار مجلس الأمن رقم 2254 لعام 2015 (المتعلق بوقف إطلاق النار والتوصل إلى تسوية سياسية للوضع في سوريا)، ويتوقع أن ينحصر الحديث عنه في ملف الانتخابات".

أما الأمر الثاني، حسب طلاع، فهو استراتيجي ومرتبط بفهم "خواتيم الصراع" إذ تدل المؤشرات العسكرية أن لحظة إعلان انتهاء الصراع باتت قريبة وسينحصر الأمر برمته بالشق السياسي، وانسجاماً مع مقاربة تقويض تركيا وحلفائها المحليين فإنه لا بد من "تجفيف" منابع التأثير التركي على وفد الهيئة السورية للمفاوضات.

ووسط كل ما ذكر رأى المعارض السوري سمير نشار، أنه بات من الواضح وجود استحقاقات قادمة بما يخص الملف السوري بين الدول المتصارعة على سوريا إقليمياً ودولياً، وأصبحت تتطلب هيئات وأفراداً سوريين يلبون شروط المرحلة القادمة من هذا الصراع، ومن هنا حصلت الدعوة لمؤتمر الرياض 3، الذي سوف تنبثق عنه هيئة جديدة للمفاوضات لتنفيذ تلك الاستحقاقات القادمة، وفق تغريدة نشرها على حسابه الرسمي في "فيس بوك".

المصدر: TRT عربي